هل يتحمّل برّي سقوط رهان التّفاوض؟

لم يكن كلام رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي لصحيفة “الجمهوريّة” مجرّد تعبير عن تشاؤم أو توصيف لخطورة ما يجري في الجنوب. عندما قال إنّ “الحلول كلّها بعيدة… اتّفاق الإطار طار… التحرّك الذي يقومون به بلا قيمة”.
بفارق أقلّ من أربع وعشرين ساعة، زار رئيس الجمهوريّة جوزف عون النبطيّة ليعلن أن “لا مفاوضات جديدة مع إسرائيل في الوقت الحاليّ”، مؤكّداً أنّ الانسحاب وعودة الأسرى والنازحين والإعمار ثوابت وطنيّة تتعهّد الدولة بتنفيذها. هكذا، بدا الرئيسان كأنّهما يتحدّثان عن مشهد واحد من زاويتين مختلفتين: عون يحدّد الأهداف التي ما تزال الدولة متمسّكة بها، فيما يعلن برّي أنّ الأدوات المستخدمة لتحقيقها فقدت قيمتها، وأنّ إسرائيل تستطيع، إذا أرادت، أن تحتلّ ما تريد.
بالتالي، فإنّ كلام برّي لا يناقض خطاب عون فقط، بل يطال جوهر الرهان الرئاسيّ على التفاوض والدعم الأميركيّ والمؤتمرات الدوليّة. لأنّ المشكلة، وفق ما قاله رئيس البرلمان، ليست في غياب التحرّك، بل في أنّ هذا التحرّك لا يملك القدرة على تغيير شيء في حسابات إسرائيل.
تأجيل تقنيّ أم قرار إسرائيليّ؟
تحدّثت معلومات لـ “أساس” عن أنّ الجولة الثامنة من المفاوضات رُحّلت إلى تشرين الأوّل المقبل. الرواية الرسميّة اللبنانيّة تربط التأجيل بانشغال لبنان بالمؤتمر التحضيريّ لدعم الجيش والقوى الأمنيّة في باريس، الذي يشارك فيه عون وقائد الجيش العماد رودولف هيكل. وأُضيفت إلى ذلك أسباب تتّصل بالأعياد اليهوديّة والتحضيرات للجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة.
إلّا أنّ مصادر دبلوماسيّة مطّلعة ترى أنّ هذه الأسباب لا تختصر حقيقة التأجيل. فإسرائيل لا تريد، في هذه المرحلة، مفاوضات تنتج التزامات متبادلة أو تفرض عليها وقف العمليّات العسكريّة والبدء بانسحابات فعليّة. كما أنّ الاكتفاء، خلال فترة الفراغ، بلقاء بين السفيرين اللبنانيّ والإسرائيليّ في واشنطن، من دون وفود الجولة وجدول أعمالها، يعني إبقاء قناة الاتّصال مفتوحة في حدّها الأدنى، لا الانتقال إلى تفاوض قادر على إنتاج تسوية.
تقول المصادر الدبلوماسيّة إنّ ما أعلنه برّي هو الأقرب إلى حقيقة القراءة الإسرائيليّة. فتلّ أبيب تتعامل مع الوقت الفاصل بين جولات التفاوض بوصفه فرصة لانتزاع مزيد من أوراق القوّة التي لا تزال في يد “الحزب”، من دون أن تقدّم للدولة اللبنانيّة أيّ مقابل سياسيّ أو ميدانيّ.
خريطة ما بعد عليّ الطّاهر
نجحت إسرائيل في دخول منشأة عليّ الطاهر وتفجير أجزاء واسعة منها، بعدما رفض “الحزب” تسليمها للجيش اللبنانيّ. وبحسب مصادر عسكريّة فإنّ عمليّات التفجير لم تُستكمل لتطال كلّ منشآت التلال، ولا تزال الأعمال الإسرائيليّة والغارات مستمرّة في تلال عليّ الطاهر ومحيطها.
الخريطة الإسرائيليّة لا تتوقّف عند هذه المنشأة. هناك تلّة الدبشة وتلّة الطهرة المجاورتان لتلال عليّ الطاهر، ثمّ الامتداد صعوداً في اتّجاه الريحان وبركة الجبور وسجد والجبل الرفيع. وهي مرتفعات تشكّل، عند جمعها ضمن قوس جغرافيّ واحد، مساراً يسمح لإسرائيل بتوسيع نطاق سيطرتها بالنار، وربط منطقة النبطيّة وإقليم التفّاح بالمرتفعات المواجهة لجبل الشيخ.
الهدف الإسرائيليّ، وفق القراءة الدبلوماسيّة، ليس فقط تدمير منشأة عسكريّة أو إبعاد مقاتلين عن موقع محدّد، بل تفكيك البنية العسكريّة والجغرافيّة التي تمنح “الحزب” القدرة على العودة إلى المنطقة. وعليه، تستخدم إسرائيل التفاوض لتضييع الوقت، فيما تستخدم الميدان لرسم الوقائع التي ستفاوض عليها لاحقاً.
تعتبر المصادر نفسها أنّ الرهان على قدرة الولايات المتّحدة على ردع رئيس الحكومة الإسرائيليّة بنيامين نتنياهو في الجنوب ليس هناك ما يسنده على الأرض. فالتفجيرات لم تتوقّف بعد بدء المفاوضات، والاحتلال لم يتراجع إلا بالإعلان عن انسحاب شكلي من منطقة علي الطاهر بعد تفجير الأنفاق وكل ما يتصل بالوجود العسكري في المنطقة. لكن الضربات توسّعت إلى شمال الليطاني. وفي الأسابيع التي تسبق الانتخابات الإسرائيليّة في 27 تشرين الأوّل المقبل، لا يبدو نتنياهو مستعدّاً للتخلّي عن صورة الإنجاز العسكريّ أو منح لبنان انسحاباً يمكن تقديمه بوصفه ثمرة للمفاوضات.
مأزق “اللّاقرار” الشّيعيّ
لكنّ أخطر ما في كلام برّي أنّ تداعياته لا تتوقّف عند الخلاف على جدوى المسار الذي يقوده عون. فقد عكس أيضاً امتعاضاً متزايداً داخل الساحة الشيعيّة من حالة “اللاقرار” التي تحكم أداء “الحزب”. فلا قرار بالردّ على العمليّات الإسرائيليّة، ولا قرار بالدفاع عن المنشآت، ولا قرار بتسليمها للجيش، ولا قرار بالذهاب إلى تفاوض يحدّد لـ”الحزب” موقعه ومستقبل سلاحه. وبين هذه الخيارات المعلّقة، تتحمّل البيئة وحدها كلفة التدمير والنزوح وفقدان الأرض والمنازل ومصادر الرزق.
في قراءة هذا المزاج، يبدو “الحزب” كمن ارتضى لبيئته أن تتحوّل إلى صندوق بريد إيرانيّ، وللبنان أن يبقى ورقة بين أوراق إقليميّة أخرى مثل ورقتَي اليمن والعراق. إلّا أنّ الجنوب، بعد الحروب المتلاحقة والتهجير والخسائر، لم يعد قادراً على تحمّل انتظار التسوية الإقليميّة أو دفع كلفتها من أرضه وناسه.
هكذا يصبح لبنان، بالمعنيَين السياسيّ والميدانيّ، أشبه بكيس ملاكمة يتلقّى ضربات من دون قدرة على الردّ أو المبادرة. إسرائيل تضرب وتحتلّ وتفجّر. و”الحزب” لا يحسم خياره. أمّا الدولة فهي تفاوض، لكنّها لا تملك موعد التفاوض ولا جدول أعماله ولا القدرة على إلزام إسرائيل بنتائجه. في المقابل فإنّ واشنطن تدير التأجيل، من دون أن تستخدم نفوذها لوقف نتنياهو.
لهذا كان كلام برّي دقيقاً إلى حدّ محزن. فعمليّاً لا شيء ممّا قد يقوم به لبنان، ضمن موازين القوى والشروط القائمة، يبدو قادراً على النجاح. والحلول التي كانت تجدي نفعاً في وقت سابق، قد احترقت مع مرور الوقت.
هل يتحمّل برّي سقوط رهان التّفاوض؟

لم يكن كلام رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي لصحيفة “الجمهوريّة” مجرّد تعبير عن تشاؤم أو توصيف لخطورة ما يجري في الجنوب. عندما قال إنّ “الحلول كلّها بعيدة… اتّفاق الإطار طار… التحرّك الذي يقومون به بلا قيمة”.
بفارق أقلّ من أربع وعشرين ساعة، زار رئيس الجمهوريّة جوزف عون النبطيّة ليعلن أن “لا مفاوضات جديدة مع إسرائيل في الوقت الحاليّ”، مؤكّداً أنّ الانسحاب وعودة الأسرى والنازحين والإعمار ثوابت وطنيّة تتعهّد الدولة بتنفيذها. هكذا، بدا الرئيسان كأنّهما يتحدّثان عن مشهد واحد من زاويتين مختلفتين: عون يحدّد الأهداف التي ما تزال الدولة متمسّكة بها، فيما يعلن برّي أنّ الأدوات المستخدمة لتحقيقها فقدت قيمتها، وأنّ إسرائيل تستطيع، إذا أرادت، أن تحتلّ ما تريد.
بالتالي، فإنّ كلام برّي لا يناقض خطاب عون فقط، بل يطال جوهر الرهان الرئاسيّ على التفاوض والدعم الأميركيّ والمؤتمرات الدوليّة. لأنّ المشكلة، وفق ما قاله رئيس البرلمان، ليست في غياب التحرّك، بل في أنّ هذا التحرّك لا يملك القدرة على تغيير شيء في حسابات إسرائيل.
تأجيل تقنيّ أم قرار إسرائيليّ؟
تحدّثت معلومات لـ “أساس” عن أنّ الجولة الثامنة من المفاوضات رُحّلت إلى تشرين الأوّل المقبل. الرواية الرسميّة اللبنانيّة تربط التأجيل بانشغال لبنان بالمؤتمر التحضيريّ لدعم الجيش والقوى الأمنيّة في باريس، الذي يشارك فيه عون وقائد الجيش العماد رودولف هيكل. وأُضيفت إلى ذلك أسباب تتّصل بالأعياد اليهوديّة والتحضيرات للجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة.
إلّا أنّ مصادر دبلوماسيّة مطّلعة ترى أنّ هذه الأسباب لا تختصر حقيقة التأجيل. فإسرائيل لا تريد، في هذه المرحلة، مفاوضات تنتج التزامات متبادلة أو تفرض عليها وقف العمليّات العسكريّة والبدء بانسحابات فعليّة. كما أنّ الاكتفاء، خلال فترة الفراغ، بلقاء بين السفيرين اللبنانيّ والإسرائيليّ في واشنطن، من دون وفود الجولة وجدول أعمالها، يعني إبقاء قناة الاتّصال مفتوحة في حدّها الأدنى، لا الانتقال إلى تفاوض قادر على إنتاج تسوية.
تقول المصادر الدبلوماسيّة إنّ ما أعلنه برّي هو الأقرب إلى حقيقة القراءة الإسرائيليّة. فتلّ أبيب تتعامل مع الوقت الفاصل بين جولات التفاوض بوصفه فرصة لانتزاع مزيد من أوراق القوّة التي لا تزال في يد “الحزب”، من دون أن تقدّم للدولة اللبنانيّة أيّ مقابل سياسيّ أو ميدانيّ.
خريطة ما بعد عليّ الطّاهر
نجحت إسرائيل في دخول منشأة عليّ الطاهر وتفجير أجزاء واسعة منها، بعدما رفض “الحزب” تسليمها للجيش اللبنانيّ. وبحسب مصادر عسكريّة فإنّ عمليّات التفجير لم تُستكمل لتطال كلّ منشآت التلال، ولا تزال الأعمال الإسرائيليّة والغارات مستمرّة في تلال عليّ الطاهر ومحيطها.
الخريطة الإسرائيليّة لا تتوقّف عند هذه المنشأة. هناك تلّة الدبشة وتلّة الطهرة المجاورتان لتلال عليّ الطاهر، ثمّ الامتداد صعوداً في اتّجاه الريحان وبركة الجبور وسجد والجبل الرفيع. وهي مرتفعات تشكّل، عند جمعها ضمن قوس جغرافيّ واحد، مساراً يسمح لإسرائيل بتوسيع نطاق سيطرتها بالنار، وربط منطقة النبطيّة وإقليم التفّاح بالمرتفعات المواجهة لجبل الشيخ.
الهدف الإسرائيليّ، وفق القراءة الدبلوماسيّة، ليس فقط تدمير منشأة عسكريّة أو إبعاد مقاتلين عن موقع محدّد، بل تفكيك البنية العسكريّة والجغرافيّة التي تمنح “الحزب” القدرة على العودة إلى المنطقة. وعليه، تستخدم إسرائيل التفاوض لتضييع الوقت، فيما تستخدم الميدان لرسم الوقائع التي ستفاوض عليها لاحقاً.
تعتبر المصادر نفسها أنّ الرهان على قدرة الولايات المتّحدة على ردع رئيس الحكومة الإسرائيليّة بنيامين نتنياهو في الجنوب ليس هناك ما يسنده على الأرض. فالتفجيرات لم تتوقّف بعد بدء المفاوضات، والاحتلال لم يتراجع إلا بالإعلان عن انسحاب شكلي من منطقة علي الطاهر بعد تفجير الأنفاق وكل ما يتصل بالوجود العسكري في المنطقة. لكن الضربات توسّعت إلى شمال الليطاني. وفي الأسابيع التي تسبق الانتخابات الإسرائيليّة في 27 تشرين الأوّل المقبل، لا يبدو نتنياهو مستعدّاً للتخلّي عن صورة الإنجاز العسكريّ أو منح لبنان انسحاباً يمكن تقديمه بوصفه ثمرة للمفاوضات.
مأزق “اللّاقرار” الشّيعيّ
لكنّ أخطر ما في كلام برّي أنّ تداعياته لا تتوقّف عند الخلاف على جدوى المسار الذي يقوده عون. فقد عكس أيضاً امتعاضاً متزايداً داخل الساحة الشيعيّة من حالة “اللاقرار” التي تحكم أداء “الحزب”. فلا قرار بالردّ على العمليّات الإسرائيليّة، ولا قرار بالدفاع عن المنشآت، ولا قرار بتسليمها للجيش، ولا قرار بالذهاب إلى تفاوض يحدّد لـ”الحزب” موقعه ومستقبل سلاحه. وبين هذه الخيارات المعلّقة، تتحمّل البيئة وحدها كلفة التدمير والنزوح وفقدان الأرض والمنازل ومصادر الرزق.
في قراءة هذا المزاج، يبدو “الحزب” كمن ارتضى لبيئته أن تتحوّل إلى صندوق بريد إيرانيّ، وللبنان أن يبقى ورقة بين أوراق إقليميّة أخرى مثل ورقتَي اليمن والعراق. إلّا أنّ الجنوب، بعد الحروب المتلاحقة والتهجير والخسائر، لم يعد قادراً على تحمّل انتظار التسوية الإقليميّة أو دفع كلفتها من أرضه وناسه.
هكذا يصبح لبنان، بالمعنيَين السياسيّ والميدانيّ، أشبه بكيس ملاكمة يتلقّى ضربات من دون قدرة على الردّ أو المبادرة. إسرائيل تضرب وتحتلّ وتفجّر. و”الحزب” لا يحسم خياره. أمّا الدولة فهي تفاوض، لكنّها لا تملك موعد التفاوض ولا جدول أعماله ولا القدرة على إلزام إسرائيل بنتائجه. في المقابل فإنّ واشنطن تدير التأجيل، من دون أن تستخدم نفوذها لوقف نتنياهو.
لهذا كان كلام برّي دقيقاً إلى حدّ محزن. فعمليّاً لا شيء ممّا قد يقوم به لبنان، ضمن موازين القوى والشروط القائمة، يبدو قادراً على النجاح. والحلول التي كانت تجدي نفعاً في وقت سابق، قد احترقت مع مرور الوقت.









