ترامب يسرق “سلاح الوقت” من إيران

الكاتب: موفق حرب | المصدر: اساس ميديا
2 آب 2026

لطالما اعتقدت طهران أنّ الوقت حليفها. كلّما طال الصراع، ازداد خصومها تعباً، وتراجعت إرادتهم السياسيّة، وارتفعت كلفة المواجهة عليهم. هكذا بنت إيران جزءاً كبيراً من استراتيجيتها في إدارة الصراعات.

لكن يبدو أنّ الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب قرّر قلب المعادلة. لم يعد يتعامل مع الوقت بوصفه عاملاً يعمل لمصلحة إيران، بل يسعى إلى تحويله إلى سلاح أميركيّ. والسؤال لم يعد: متى ستتراجع واشنطن؟ بل: كم من الوقت تستطيع إيران أن تتحمّل الضغوط العسكريّة والاقتصاديّة والبحريّة قبل أن تضطرّ إلى تغيير حساباتها؟

 

ترامب يقلب معادلة الوقت

لم تكن تصريحات ترامب خلال اجتماع حكومته في كامب ديفيد تعليقاً عابراً على تطوّرات المواجهة مع إيران، بل بدت وكأنّها تكشف عن تحوّل في طريقة إدارة الصراع. فعندما قال إنّه يريد أن يرى “إلى متى يستطيع الإيرانيّون تحمّل الوضع الحاليّ”، لم يكن يتحدّث عن معركة عسكريّة جديدة بقدر ما كان يعلن أنّ عامل الوقت لم يعد حكراً على طهران. بل إنّ ترامب أضاف أيضاً: “أُعطيهم حقّهم، إنّهم صامدون ولم يستسلموا بعد”، في اعتراف بقدرة الإيرانيّين على التحمّل، لكنّه اعتراف يوحي أيضاً بأنّ هذا الصمود ليس بلا حدود.

إذا صحّ هذا الانطباع، فنحن أمام تعديل مهمّ في الاستراتيجية الأميركيّة، لا في الهدف. فالهدف بقي ثابتاً: منع إيران من إعادة بناء قدراتها العسكريّة والنوويّة، وإجبارها على القبول بشروط أميركيّة أكثر تشدّداً. أمّا الذي تغيّر فهو الوسيلة.

منذ بداية الحرب الأميركيّة على إيران، ساد اعتقاد بأنّ واشنطن هي الطرف المستعجل. فكلّ يوم إضافيّ من المواجهة يحمل معه أكلافاً سياسيّة واقتصاديّة وعسكريّة، خصوصاً مع اقتراب انتخابات التجديد النصفيّ للكونغرس. لذلك راهنت إيران على استراتيجيتها التقليديّة: شراء الوقت، وإطالة أمد الأزمة، والرهان على تآكل إرادة الخصم، تماماً كما فعلت في الملفّ النوويّ، وفي العراق، وفي سوريا، وفي لبنان، وفي مفاوضاتها الطويلة مع الغرب. لكنّ ما يوحي به ترامب اليوم هو أنّه قرّر أن يلعب اللعبة نفسها.

بدلاً من البحث عن ضربة عسكريّة كبرى قد تفتح أبواب حرب إقليميّة واسعة، يبدو أنّ الإدارة الأميركيّة باتت ترى أنّ الوضع الحاليّ يخدم مصالحها أكثر ممّا يخدم مصالح إيران. الضغوط العسكريّة مستمرّة، والعقوبات الاقتصاديّة قائمة، والحصار البحريّ يقيّد الحركة الإيرانيّة، فيما تعاني طهران من أعباء اقتصاديّة وعسكريّة متزايدة. في ظلّ هذه المعادلة، لماذا تستعجل واشنطن الحسم إذا كانت تعتقد أنّ الزمن يعمل لمصلحتها؟

ترامب يواجه إيران بسلاحها

تنسجم هذه المقاربة أيضاً مع شخصيّة ترامب التفاوضيّة. فهو لا يخفي إعجابه بسياسة الضغط الطويل، وإبقاء الخصم تحت كلفة مستمرّة، مع ترك باب التفاوض مفتوحاً، لكن من موقع قوّة. فالفكرة ليست تدمير الخصم بالضرورة، بل دفعه إلى الاقتناع بأنّ استمرار المواجهة أصبح أكثر كلفة من تقديم التنازلات.

المفارقة أنّ هذه هي المدرسة التي اشتهرت بها إيران طوال العقود الماضية. كانت تعتبر أنّ الأنظمة الغربيّة تتغيّر، والحكومات تتبدّل، والرأي العامّ يتعب، بينما يستطيع النظام الإيرانيّ الصمود لسنوات طويلة. لذلك كان الوقت جزءاً أساسيّاً من عقيدتها الاستراتيجيّة، وليس عاملاً ظرفيّاً وحسب.

أمّا اليوم فيبدو أنّ ترامب ينتزع هذه الورقة من يدها. يريد أن يقول للإيرانيّين: لستم وحدكم من يستطيع اللعب بالنفَس الطويل. وإذا كنتم تراهنون على تعب الولايات المتّحدة، فأنا أراهن على أنّكم أنتم من سيتعب أوّلاً.

معركة الصّبر تبدأ

لا يعني ذلك أنّ هذه الاستراتيجية مضمونة النجاح. فإيران أثبتت عبر العقود قدرة استثنائيّة على تحمّل العقوبات والضغوط والعزلة، واستمرار الأزمة يحمل بدوره أكلافاً على الولايات المتّحدة، وعلى الاقتصاد العالميّ، وعلى أسواق الطاقة، وقد يفرض تحدّيات سياسيّة داخليّة على إدارة ترامب.

لكنّ ما خرج من كامب ديفيد يستحقّ التوقّف عنده. فالبيت الأبيض لم يعد يتحدّث بلغة “الضربة المقبلة”، بقدر ما يتحدّث بلغة “الصبر الاستراتيجيّ”. ولم يعد السؤال الأميركيّ: كيف ننهي المواجهة بسرعة؟ بل: من يستطيع أن يصمد أكثر؟

قد يكون هذا هو التحوّل الحقيقيّ في استراتيجية ترامب. فهو لم يتخلَّ عن سياسة الضغط الأقصى، لكنّه أضاف إليها عنصراً جديداً: الاستنزاف الأقصى.

ربّما المفارقة الأهمّ أنّ الولايات المتّحدة لا تحاول هذه المرّة هزيمة إيران بالقوّة العسكريّة وحدها، بل تحاول هزيمتها بالسلاح الذي طالما استخدمته طهران ضدّ خصومها: الوقت نفسه.

ترامب يسرق “سلاح الوقت” من إيران

الكاتب: موفق حرب | المصدر: اساس ميديا
2 آب 2026

لطالما اعتقدت طهران أنّ الوقت حليفها. كلّما طال الصراع، ازداد خصومها تعباً، وتراجعت إرادتهم السياسيّة، وارتفعت كلفة المواجهة عليهم. هكذا بنت إيران جزءاً كبيراً من استراتيجيتها في إدارة الصراعات.

لكن يبدو أنّ الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب قرّر قلب المعادلة. لم يعد يتعامل مع الوقت بوصفه عاملاً يعمل لمصلحة إيران، بل يسعى إلى تحويله إلى سلاح أميركيّ. والسؤال لم يعد: متى ستتراجع واشنطن؟ بل: كم من الوقت تستطيع إيران أن تتحمّل الضغوط العسكريّة والاقتصاديّة والبحريّة قبل أن تضطرّ إلى تغيير حساباتها؟

 

ترامب يقلب معادلة الوقت

لم تكن تصريحات ترامب خلال اجتماع حكومته في كامب ديفيد تعليقاً عابراً على تطوّرات المواجهة مع إيران، بل بدت وكأنّها تكشف عن تحوّل في طريقة إدارة الصراع. فعندما قال إنّه يريد أن يرى “إلى متى يستطيع الإيرانيّون تحمّل الوضع الحاليّ”، لم يكن يتحدّث عن معركة عسكريّة جديدة بقدر ما كان يعلن أنّ عامل الوقت لم يعد حكراً على طهران. بل إنّ ترامب أضاف أيضاً: “أُعطيهم حقّهم، إنّهم صامدون ولم يستسلموا بعد”، في اعتراف بقدرة الإيرانيّين على التحمّل، لكنّه اعتراف يوحي أيضاً بأنّ هذا الصمود ليس بلا حدود.

إذا صحّ هذا الانطباع، فنحن أمام تعديل مهمّ في الاستراتيجية الأميركيّة، لا في الهدف. فالهدف بقي ثابتاً: منع إيران من إعادة بناء قدراتها العسكريّة والنوويّة، وإجبارها على القبول بشروط أميركيّة أكثر تشدّداً. أمّا الذي تغيّر فهو الوسيلة.

منذ بداية الحرب الأميركيّة على إيران، ساد اعتقاد بأنّ واشنطن هي الطرف المستعجل. فكلّ يوم إضافيّ من المواجهة يحمل معه أكلافاً سياسيّة واقتصاديّة وعسكريّة، خصوصاً مع اقتراب انتخابات التجديد النصفيّ للكونغرس. لذلك راهنت إيران على استراتيجيتها التقليديّة: شراء الوقت، وإطالة أمد الأزمة، والرهان على تآكل إرادة الخصم، تماماً كما فعلت في الملفّ النوويّ، وفي العراق، وفي سوريا، وفي لبنان، وفي مفاوضاتها الطويلة مع الغرب. لكنّ ما يوحي به ترامب اليوم هو أنّه قرّر أن يلعب اللعبة نفسها.

بدلاً من البحث عن ضربة عسكريّة كبرى قد تفتح أبواب حرب إقليميّة واسعة، يبدو أنّ الإدارة الأميركيّة باتت ترى أنّ الوضع الحاليّ يخدم مصالحها أكثر ممّا يخدم مصالح إيران. الضغوط العسكريّة مستمرّة، والعقوبات الاقتصاديّة قائمة، والحصار البحريّ يقيّد الحركة الإيرانيّة، فيما تعاني طهران من أعباء اقتصاديّة وعسكريّة متزايدة. في ظلّ هذه المعادلة، لماذا تستعجل واشنطن الحسم إذا كانت تعتقد أنّ الزمن يعمل لمصلحتها؟

ترامب يواجه إيران بسلاحها

تنسجم هذه المقاربة أيضاً مع شخصيّة ترامب التفاوضيّة. فهو لا يخفي إعجابه بسياسة الضغط الطويل، وإبقاء الخصم تحت كلفة مستمرّة، مع ترك باب التفاوض مفتوحاً، لكن من موقع قوّة. فالفكرة ليست تدمير الخصم بالضرورة، بل دفعه إلى الاقتناع بأنّ استمرار المواجهة أصبح أكثر كلفة من تقديم التنازلات.

المفارقة أنّ هذه هي المدرسة التي اشتهرت بها إيران طوال العقود الماضية. كانت تعتبر أنّ الأنظمة الغربيّة تتغيّر، والحكومات تتبدّل، والرأي العامّ يتعب، بينما يستطيع النظام الإيرانيّ الصمود لسنوات طويلة. لذلك كان الوقت جزءاً أساسيّاً من عقيدتها الاستراتيجيّة، وليس عاملاً ظرفيّاً وحسب.

أمّا اليوم فيبدو أنّ ترامب ينتزع هذه الورقة من يدها. يريد أن يقول للإيرانيّين: لستم وحدكم من يستطيع اللعب بالنفَس الطويل. وإذا كنتم تراهنون على تعب الولايات المتّحدة، فأنا أراهن على أنّكم أنتم من سيتعب أوّلاً.

معركة الصّبر تبدأ

لا يعني ذلك أنّ هذه الاستراتيجية مضمونة النجاح. فإيران أثبتت عبر العقود قدرة استثنائيّة على تحمّل العقوبات والضغوط والعزلة، واستمرار الأزمة يحمل بدوره أكلافاً على الولايات المتّحدة، وعلى الاقتصاد العالميّ، وعلى أسواق الطاقة، وقد يفرض تحدّيات سياسيّة داخليّة على إدارة ترامب.

لكنّ ما خرج من كامب ديفيد يستحقّ التوقّف عنده. فالبيت الأبيض لم يعد يتحدّث بلغة “الضربة المقبلة”، بقدر ما يتحدّث بلغة “الصبر الاستراتيجيّ”. ولم يعد السؤال الأميركيّ: كيف ننهي المواجهة بسرعة؟ بل: من يستطيع أن يصمد أكثر؟

قد يكون هذا هو التحوّل الحقيقيّ في استراتيجية ترامب. فهو لم يتخلَّ عن سياسة الضغط الأقصى، لكنّه أضاف إليها عنصراً جديداً: الاستنزاف الأقصى.

ربّما المفارقة الأهمّ أنّ الولايات المتّحدة لا تحاول هذه المرّة هزيمة إيران بالقوّة العسكريّة وحدها، بل تحاول هزيمتها بالسلاح الذي طالما استخدمته طهران ضدّ خصومها: الوقت نفسه.

مزيد من الأخبار