3 أشهر أمام إيران لتجنّب الحرب الكبيرة

ترامب هرمز
الكاتب: عبادة اللدن | المصدر: اساس ميديا
5 آب 2026

كيف انقلب الحال بين الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب وإيران من شفا الحرب إلى تسريبات عن اتّفاق وشيك على إعادة فتح مضيق هرمز؟

 

لا تغيّر الأنباء عن الاتّفاق الوشيك السياق الاستراتيجيّ الأكبر الذي يتحرّك فيه الجميع، وهو أنّ أحداث الأشهر الماضية أوصلت الجميع، في المنطقة وخارجها، إلى درس مفاده أنّ التعايش مع ممارسات إيران وأذرعها غير ممكن. لكنّ النقاش يدور الآن حول كيفيّة سحب قنبلة المضيق من يد إيران ليصبح بالإمكان التفكير في الخطوة التالية وإخضاعها لمعادلة مختلفة، سلماً أو حرباً.

ما يتسرّب من صيغة الاتّفاق الإيرانيّ – العُمانيّ يرسم مضيقاً بمسارين: أحدهما للسفن الداخلة إلى الخليج بمحاذاة الساحل الإيرانيّ، والآخر للسفن الخارجة عبر المياه العُمانيّة. تقول المصادر الإيرانيّة لصحيفة “نيويورك تايمز” إنّ الاتّفاق ينصّ على عدم فرض رسوم عبور من حيث الشكل القانونيّ، لكنّه يفرض رسوماً تغطّي الأثر البيئيّ وتأمين الحمولات والتشغيل، وتُقتسم عائداته مناصفة بين طهران ومسقط.

في المقابل، تنفي الرواية الأميركيّة مسألة الرسوم، لكنّها تقرّ بالحديث عن “مسارات مؤقّتة”، بلا إذنٍ إيرانيّ للعبور وبلا رسوم.

مسارات مؤقّتة أم دائمة؟

يشي التوصيف الأميركيّ للمسارات بأنّها “مؤقّتة” بتنازل كبير لمصلحة إيران، يحقّق لها ما أرادت لثلاث جهات على الأقلّ:

1- سابقة الاعتراف بسيادتها على المرور في المياه الإقليميّة المحاذية لها في المضيق، خلافاً لما تنصّ عليه اتّفاقيّة قانون البحار لعام 1982، التي تنصّ على أنّ العبور في المضائق مفتوح بلا إذن أو رسوم. بينما تصرّ إيران على إخضاع المضيق لاتّفاقيّة البحور الإقليميّة لعام 1958، باعتبار أنّها تتيح لها، وفق تفسير متكلّف، بفرض سيادتها على مياهها الإقليميّة التي هي جزء من المضيق.

2- الاعتراف لها بحقّ الإبلاغ عن كلّ السفن التي تعبر المضيق، سواء كان المرور عبر المسار الإيرانيّ أو العمانيّ.

3- الاعتراف الأميركيّ لإيران بحقّ فرض رسوم إلزاميّة مقابل الخدمات الملاحيّة والأثر البيئيّ. وتلك سابقة دوليّة لم تحظَ بها الدول المشاطئة لمضيق ملقا في اتّفاق عام 2007.

هذه الإنجازات الثلاثة كبيرة إذا تحقّقت لإيران. والمفارقة أنّها تذهب أبعد من اتّفاقيّة جنيف 1958، فلا تكتفي بادّعاء السيطرة على مياهها الإقليميّة في المضيق، بل تتعدّاه إلى ضرب السفن التي تعبر في المياه الإقليميّة العمانيّة. وتريد اتّفاقاً مع عُمان يعطيها يداً وكلمةً في كلّ سفينة أو ناقلة تعبر المضيق.

لم يكن مفاجئاً أن ترفض طهران مقترحاً لاقتسام السيطرة على المضيق مع عُمان خلال فترة المفاوضات، بحيث تحتفظ الأخيرة بحرّية إدارة الممرّ الملاحيّ في مياهها الإقليميّة، ويكون لإيران حقّ مماثل في مياهها. ثمّ أجهضت بعد ذلك مقترحاً لتطبيق نموذج مضيق ملقا، الذي يجعل العبور بلا إذن مسبق، ويبقي الرسوم اختياريّة بالكامل.

الرّهان على التّقويم

تبقى لدى إيران مشكلة عميقة في الاتّفاق الذي يجري الحديث عنه. تقرأ طهران الجدول الأميركيّ بدقّة. يحتاج الرئيس الأميركيّ إلى عودة الحركة في المضيق وهبوط أسعار النفط قبل انتخابات التجديد النصفيّ للكونغرس في الثالث من تشرين الثاني، وكلّ أسبوع إغلاق إضافيّ يتحوّل إلى مادّة دعائيّة ضدّ حزبه. في هذه النافذة الضيّقة تبلغ الورقة الإيرانيّة ذروة قيمتها، ولهذا تُدار المفاوضات بإيقاع من يعرف أنّ سعر بضاعته موقوت.

 

ما بعد تشرين الثاني حسابٌ آخر. رئيسٌ في النصف الثاني من ولايته، بلا استحقاق انتخابيّ شخصيّ أمامه، وأكثر تحرّراً من القيود إذا حسم أمره بعدم خوض معركة ولاية ثالثة. ولو أنّ الانتخابات قد تُنشئ قيداً معاكساً، إذا ما قلبت الأغلبيّة من جمهوريّة إلى ديمقراطيّة في أحد مجلسَي الشيوخ والنوّاب أو كليهما، وما قد يلي ذلك من لجان تحقيق، وقرارات صلاحيات حرب، وشروط مقيِّدة في قوانين الاعتمادات، وتدقيق في أيّ ضربة بلا تفويض من الكونغرس. لكنّ ذلك لا يمنع الحرب على أيّ حال.

لذلك ليس الاتّفاق الذي تتسرّب معالمه إلّا نتاج الضغط الإيرانيّ لعدم إرساء معادلة “تصعيد منخفض” قابلة للاستمرار إلى ما بعد الانتخابات.

في الجانب الأميركيّ، يدور التفكير التكتيكيّ حول التوصّل إلى تسوية مرحليّة تتيح فتح المضيق لتحرير الاقتصاد العالميّ من الاختناقات اللوجستيّة وخفض أسعار النفط، من دون أن تخسر الولايات المتّحدة إمكانية تغيير الواقع الاستراتيجيّ لاحقاً. وهذا بالضبط ما تحذر منه إيران.

ذاكرة 2018

في ذاكرةٍ لا تُمحى في طهران وُقّع اتّفاق نوويّ عام 2015 ومزّقه ترامب عام 2018، أي بعد ثلاث سنوات من إبرامه. لذلك تطبّق إيران معدّل خصمٍ مرتفع على أيّ ضمانة أميركيّة مكتوبة، وقراءة دائمة لأيّ تسوية غير محكمة بوصفها تكتيكاً لشراء الوقت ريثما تُستكمل التجهيزات لجولةٍ أخيرة هدفها إسقاط النظام.

من هنا يتّضح المنطق الإيرانيّ الحاليّ الذي يرى في المضيق بوليصة تأمين على النظام، لا يوازيها أيّ اتّفاق قابل للتمزيق.

يلعب الوقت لمصلحة إيران الآن. لكنّها تدرك أنّ النافذة ستنقضي خلال أسابيع. وما يمكن أن تحصّله اليوم من مكاسب وضمانات لن يكون بإمكانها تحصيله بعد انتخابات تشرين الثاني. وعليه، إمّا أن يكون الاتّفاق وإمّا أن يغلب الدرس الاستراتيجيّ الكبير: ضرب إيران أقلّ تكلفة من الخضوع لابتزازها.

3 أشهر أمام إيران لتجنّب الحرب الكبيرة

ترامب هرمز
الكاتب: عبادة اللدن | المصدر: اساس ميديا
5 آب 2026

كيف انقلب الحال بين الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب وإيران من شفا الحرب إلى تسريبات عن اتّفاق وشيك على إعادة فتح مضيق هرمز؟

 

لا تغيّر الأنباء عن الاتّفاق الوشيك السياق الاستراتيجيّ الأكبر الذي يتحرّك فيه الجميع، وهو أنّ أحداث الأشهر الماضية أوصلت الجميع، في المنطقة وخارجها، إلى درس مفاده أنّ التعايش مع ممارسات إيران وأذرعها غير ممكن. لكنّ النقاش يدور الآن حول كيفيّة سحب قنبلة المضيق من يد إيران ليصبح بالإمكان التفكير في الخطوة التالية وإخضاعها لمعادلة مختلفة، سلماً أو حرباً.

ما يتسرّب من صيغة الاتّفاق الإيرانيّ – العُمانيّ يرسم مضيقاً بمسارين: أحدهما للسفن الداخلة إلى الخليج بمحاذاة الساحل الإيرانيّ، والآخر للسفن الخارجة عبر المياه العُمانيّة. تقول المصادر الإيرانيّة لصحيفة “نيويورك تايمز” إنّ الاتّفاق ينصّ على عدم فرض رسوم عبور من حيث الشكل القانونيّ، لكنّه يفرض رسوماً تغطّي الأثر البيئيّ وتأمين الحمولات والتشغيل، وتُقتسم عائداته مناصفة بين طهران ومسقط.

في المقابل، تنفي الرواية الأميركيّة مسألة الرسوم، لكنّها تقرّ بالحديث عن “مسارات مؤقّتة”، بلا إذنٍ إيرانيّ للعبور وبلا رسوم.

مسارات مؤقّتة أم دائمة؟

يشي التوصيف الأميركيّ للمسارات بأنّها “مؤقّتة” بتنازل كبير لمصلحة إيران، يحقّق لها ما أرادت لثلاث جهات على الأقلّ:

1- سابقة الاعتراف بسيادتها على المرور في المياه الإقليميّة المحاذية لها في المضيق، خلافاً لما تنصّ عليه اتّفاقيّة قانون البحار لعام 1982، التي تنصّ على أنّ العبور في المضائق مفتوح بلا إذن أو رسوم. بينما تصرّ إيران على إخضاع المضيق لاتّفاقيّة البحور الإقليميّة لعام 1958، باعتبار أنّها تتيح لها، وفق تفسير متكلّف، بفرض سيادتها على مياهها الإقليميّة التي هي جزء من المضيق.

2- الاعتراف لها بحقّ الإبلاغ عن كلّ السفن التي تعبر المضيق، سواء كان المرور عبر المسار الإيرانيّ أو العمانيّ.

3- الاعتراف الأميركيّ لإيران بحقّ فرض رسوم إلزاميّة مقابل الخدمات الملاحيّة والأثر البيئيّ. وتلك سابقة دوليّة لم تحظَ بها الدول المشاطئة لمضيق ملقا في اتّفاق عام 2007.

هذه الإنجازات الثلاثة كبيرة إذا تحقّقت لإيران. والمفارقة أنّها تذهب أبعد من اتّفاقيّة جنيف 1958، فلا تكتفي بادّعاء السيطرة على مياهها الإقليميّة في المضيق، بل تتعدّاه إلى ضرب السفن التي تعبر في المياه الإقليميّة العمانيّة. وتريد اتّفاقاً مع عُمان يعطيها يداً وكلمةً في كلّ سفينة أو ناقلة تعبر المضيق.

لم يكن مفاجئاً أن ترفض طهران مقترحاً لاقتسام السيطرة على المضيق مع عُمان خلال فترة المفاوضات، بحيث تحتفظ الأخيرة بحرّية إدارة الممرّ الملاحيّ في مياهها الإقليميّة، ويكون لإيران حقّ مماثل في مياهها. ثمّ أجهضت بعد ذلك مقترحاً لتطبيق نموذج مضيق ملقا، الذي يجعل العبور بلا إذن مسبق، ويبقي الرسوم اختياريّة بالكامل.

الرّهان على التّقويم

تبقى لدى إيران مشكلة عميقة في الاتّفاق الذي يجري الحديث عنه. تقرأ طهران الجدول الأميركيّ بدقّة. يحتاج الرئيس الأميركيّ إلى عودة الحركة في المضيق وهبوط أسعار النفط قبل انتخابات التجديد النصفيّ للكونغرس في الثالث من تشرين الثاني، وكلّ أسبوع إغلاق إضافيّ يتحوّل إلى مادّة دعائيّة ضدّ حزبه. في هذه النافذة الضيّقة تبلغ الورقة الإيرانيّة ذروة قيمتها، ولهذا تُدار المفاوضات بإيقاع من يعرف أنّ سعر بضاعته موقوت.

 

ما بعد تشرين الثاني حسابٌ آخر. رئيسٌ في النصف الثاني من ولايته، بلا استحقاق انتخابيّ شخصيّ أمامه، وأكثر تحرّراً من القيود إذا حسم أمره بعدم خوض معركة ولاية ثالثة. ولو أنّ الانتخابات قد تُنشئ قيداً معاكساً، إذا ما قلبت الأغلبيّة من جمهوريّة إلى ديمقراطيّة في أحد مجلسَي الشيوخ والنوّاب أو كليهما، وما قد يلي ذلك من لجان تحقيق، وقرارات صلاحيات حرب، وشروط مقيِّدة في قوانين الاعتمادات، وتدقيق في أيّ ضربة بلا تفويض من الكونغرس. لكنّ ذلك لا يمنع الحرب على أيّ حال.

لذلك ليس الاتّفاق الذي تتسرّب معالمه إلّا نتاج الضغط الإيرانيّ لعدم إرساء معادلة “تصعيد منخفض” قابلة للاستمرار إلى ما بعد الانتخابات.

في الجانب الأميركيّ، يدور التفكير التكتيكيّ حول التوصّل إلى تسوية مرحليّة تتيح فتح المضيق لتحرير الاقتصاد العالميّ من الاختناقات اللوجستيّة وخفض أسعار النفط، من دون أن تخسر الولايات المتّحدة إمكانية تغيير الواقع الاستراتيجيّ لاحقاً. وهذا بالضبط ما تحذر منه إيران.

ذاكرة 2018

في ذاكرةٍ لا تُمحى في طهران وُقّع اتّفاق نوويّ عام 2015 ومزّقه ترامب عام 2018، أي بعد ثلاث سنوات من إبرامه. لذلك تطبّق إيران معدّل خصمٍ مرتفع على أيّ ضمانة أميركيّة مكتوبة، وقراءة دائمة لأيّ تسوية غير محكمة بوصفها تكتيكاً لشراء الوقت ريثما تُستكمل التجهيزات لجولةٍ أخيرة هدفها إسقاط النظام.

من هنا يتّضح المنطق الإيرانيّ الحاليّ الذي يرى في المضيق بوليصة تأمين على النظام، لا يوازيها أيّ اتّفاق قابل للتمزيق.

يلعب الوقت لمصلحة إيران الآن. لكنّها تدرك أنّ النافذة ستنقضي خلال أسابيع. وما يمكن أن تحصّله اليوم من مكاسب وضمانات لن يكون بإمكانها تحصيله بعد انتخابات تشرين الثاني. وعليه، إمّا أن يكون الاتّفاق وإمّا أن يغلب الدرس الاستراتيجيّ الكبير: ضرب إيران أقلّ تكلفة من الخضوع لابتزازها.

مزيد من الأخبار