إيران تتمسك بحزب الله.. لكن هل تستطيع حمايته؟

الكاتب: ملاك عبد الله | المصدر: المدن
30 أيار 2026

عام 1501، أعلن اسماعيل الصَّفويّ قيام الدولة الصفوية، وتوّج نفسه شاهاً على إيران. وفي أَوّل قراراته، اتَّخذ ما سيغيّر وجه المنطقة لخمسة قرون: جعل التّشيّع الاثني عشريّ مذهباً رسميّاً لدولته. كانت إيران في غالبها سُنّية، لا علماء ولا كتب ولا فقهاء لتحقيق المهمة، فاستُقدم الحلّ من بلادٍ أخرى.

 

من جبل عامل إلى أصفهان

في تلك التِّلال المطلّة على فلسطين، احتضنت أرض جبل عامل فقهاء حملوا التّشيّع الإماميّ قروناً، وعانوا في سبيله اضطهاد المماليك ثمّ العثمانيين. وحين بلغ مسامعهم النبأ الصفوي، حزموا كتبهم وهاجروا إلى أصفهان وقُم وتبريز، يحملون معهم الفقه الشيعي مدوَّناً، والخبرة في إقامة الشريعة، والشرعيّة العلميّة.
كان على رأسهم المحقّق الكركي، الذي أسّس أَوّل مدرسة شيعيّة في إيران، ووضع بيده أُسس الفقه الذي قامت عليه الدولة الصّفوية. ثمّ جاء الشيخ البهائي، بهاء الدين محمد العاملي، الذي بلغت شهرته آفاق إيران قاطبة. وقد بلغ عدد فقهاء جبل عامل الذين هاجروا إلى إيران نحو مئة وستّة وخمسين فقيهاً في نهاية العصر الصّفوي، كانوا هم عمليّاً من حوّلوها مؤسّساتيّاً من التّسنّن إلى التّشيّع، وهُم من كتبوا الفقه الذي تقوم عليه الجمهوريّة الإسلاميّة اليوم. سينظر آيات الله في قُمّ لاحقاً إلى مصادرهم، وسيجدون فيها أسماء عامليّة.
جنوب لبنان إذاً لم يكن امتداداً لإيران، بل أن إيران في جذورها المذهبيّة هي امتدادٌ لجبل عامل. العلاقة بدأت في جنوب لبنان مُعلِّماً، وإيران هي التلميذة.
قرونٌ مرّت، تبدّلت معها الموازين. صارت إيران دولة كبرى، وبقي جبل عامل طرفاً مُهمَّشاً في كيان لبناني تَأسّس على قاعدة طائفية تركت الشيعة بلا حصّة وازنة في السُّلطة، وبلا تنمية في الجنوب، وبلا حماية من اعتداءاتٍ مُتكرّرة. ظلّ شيعة لبنان، طوال القرن العشرين، يبحثون عن مرجعيّة ترفعهم من التّهميش، وعن قوّة تحمي قُراهم.
عام 1979، قامت في إيران ثورة رفعت راية التَّشيّع السياسي، وأنشأت دولة تقول إنّها تمثّل المستضعفين. كان طبيعيّاً أن ينظر إليها شيعة لبنان كنموذج وجدوا فيه صدى لتطلّعاتهم، فيما كانت ويلات الحرب الأهلية لما تزل تنهش في جسد الدولة والمجتمع. عادت “التلميذة” القديمة بعد خمسة قرون لتقدّم “لمُعلّمها” القديم شيئاً يحتاجه: نموذجاً، وهويّة سياسيّة، ولاحقاً وسيلة دفاع.
من رحم الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان صيف 1982، لا من مكتب في طهران، وُلدت فكرة المقاومة. هنا تحديداً، بدأت العلاقة بين إيران وحزب الله شيئاً فشيئاً تتجاوز حدود التحالف التقليدي. لم يعد الأمر مجرّد دعم لحليف إقليمي، بل سيتحوّل تدريجياً إلى جزء من بنية الأمن القومي الإيراني نفسه. ولبنان الذي أَعطى الشَّرعيّة الدينيّة لإيران، عادت تلك الأخيرة لتبادله بتوفير القُدرة العسكريّة…ليس كما بادلت الحوثيين لاحقاً تلك القدرات. العلاقة بالحوثيّين علاقة جغرافيا سياسيّة حديثة، فيما العلاقة بلبنان علاقة هويّة وتاريخ. لذلك حين تتحدّث طهران عن لبنان، فيمكن القول أنها تتحدّث عن شيءٍ من ذاتها. وحين تتحدّث عن اليمن، فهي تتحدّث عن حليف مفيد لمشروعها. الفارق بين “الذات” و الحليف سيفسر الكثير من الوقائع السياسية لاحقاً، إذ بهذا العمق التاريخي، سنفهم لماذا تُصرّ إيران اليوم وهي تتفاوض على بقائها نفسه على بند واحد في صفقتها المُقبلة مع أَميركا: أن يشمل وقف النار لبنان. علماً أنّ هذا البعد التاريخي وحده لا يكفي لتفسير السياسة الإيرانية المعاصرة، على اعتبار أن الدول لا تفاوض وتحارب استناداً إلى الذاكرة المذهبية فقط، بل إلى موازين القوى والمصالح أيضاً. التاريخ هنا يفسّر لماذا تتجاوز علاقة إيران بلبنان الحسابات الباردة المعتادة بين الدول والحلفاء، ولماذا تأخذ طابعاً هويّاتياً يجعل خسارة لبنان مختلفة في الوعي الإيراني عن خسارة أيّ ساحة إقليمية أُخرى.

 

حزب الله ليس مصلحة إيرانية عابرة

ليس حزب الله اللبناني بالنسبة لإيران مصلحة عابرة. هو الطبقة الأَعمق في وجدانها المذهبي أولاً، وأنجح نماذج مشروعها الإقليميّ ثانياً، بل ودرعها الأساسي لحماية مشروعها النووي من أي اعتداء إسرائيلي. لعقدين، بنت طهران عقيدة “الدفاع الأَماميّ” على فكرة بسيطة: أن تجعل أمنها بعيداً عن حدودها، عبر شبكة من الحلفاء يتقدّمهم حزب الله. وظيفة الحزب لم تكن مهاجمة إسرائيل أو ردع اعتداءاتها على الأرض اللبنانية فقط، بل أيضاً تعطيل أيّ ضربة إسرائيليّة على المُنشآت النوويّة الإيرانيّة، عبر تهديد مدن إسرائيل بترسانة صاروخيّة تُقدّر بمئة وخمسين ألف صاروخ قبل العام 2024. وبهذا المعنى، كان لبنان خطّ الدفاع الأَوّل عن طهران. من يُريد ضرب إيران، يجب أن يحسب أوّلاً ردّ حزب الله. وهذا الأخير هو بالنسبة لإيران آخر شراكة تملك أن تفخر بها بعد سقوط سوريا الأَسد وبعد”صمت” الحوثيّين.

 

يقول الباحث جوزيف ضاهر: “الحديث عن مستقبل حزب الله هو حديث عن مُستقبل إيران”. تصحّ العبارة في الاتجاهين: كلٌّ منهما مربوط بالآخر. وهنا تحديداً تظهر الفجوة بين الإصرار والقدرة، فإيران لا تريد خسارة لبنان، ليس فقط لأسباب استراتيجية، بل لأنّ خسارته بالتحديد ستعني أيضاً تصدّع صورة المشروع الذي بنته منذ 1979. لكنّها في المقابل تبدو حذرة من الانخراط في مواجهة كبرى جديدة قد تُفاقم إنهاكها الاقتصادي والعسكري.. إيران تودّ أن تُسند شريكها اللبناني، لكنها لا تملك ثمن حرب ثانية. الشراكة التي بنت الردع طوال أربعين عاماً دخلت اليوم مرحلة اختبار، لهذا قد يغدو بند لبنان ورقة تفاوض تساوم عليها إيران بأَقصى ما تستطيع، لا خطّاً أحمر تخوض لأجله حرباً جديدة. وهذا قد يضع حزب الله لأَوّل مرّة منذ نشأته أَمام منطق الاعتماد على الذات. على أن الاعتماد على الذات هنا قد لا يترجم بالضرورة انفصالاً كاملاً عن إيران، بقدر ما يعني احتمال انتقال حزب الله تدريجياً من موقع الحليف الإقليمي المتقدّم إلى موقع الفاعل اللبناني الذي يضطر لإعادة تعريف دوره ضمن توازنات الداخل وأزماته. فالحزب الذي بُنيت شرعيته طوال عقود على ثلاثية المقاومة والحماية والدعم الإقليمي، قد يجد نفسه أمام اختبار كيف يحافظ على تماسك بيئته ونفوذه السياسي والعسكري إذا تقلّصت قدرة الحليف الإيراني على توفير المظلّة نفسها التي وفّرها لعقود. ستصبح المسألة غبر مرتبطة بالسلاح فقط في هذا الإطار، بل أيضاً بالاقتصاد وقدرة الحزب على التكيّف مع مرحلة أقلّ إقليمية وأكثر لبنانية.

 

سيناريوهات لبنان في حال التسوية الأميركية الإسرائيلية

أربعة سيناريوهات تفرض نفسها في هذا الإطار:
الأَوّل: الإدراج الشكلي. تحصل إيران على صياغة تشمل لبنان ضمن أيّ تفاهم إقليمي، بما يحفظ ماء الوجه للجميع، لكنّ إسرائيل تحتفظ عمليّاً بهامش واسع للتحرّك العسكري، فيبقى وقف النار هشّاً وقابلاً للانفجار في أيّ لحظة..
الثاني: العودة إلى نموذج ما قبل الحرب. يحتفظ حزب الله بسلاحه من دون استخدام واسع، وتواصل إسرائيل سياسة الضربات الموضعيّة والضغط الأمني، فيما يستمرّ التفاوض المباشر عبر الدولة اللبنانية. وهو سيناريو يرفضه الحزب ويُبقي لبنان في حالة هشاشة مزمنة ويُعطّل أيّ استقرار فعلي داخلي أو إعادة إعمار.
الثالث: خيار المقايضة بحيث تُقدّم إيران تنازلات تدريجيّة في الملف اللبناني مقابل مكاسب تتعلّق بالعقوبات أو البرنامج النووي. وإذا حصل ذلك، فلن يكون تعبيراً عن تبدّل عقائدي، بقدر ما سيكون اعترافاً بحدود القدرة والاستنزاف الذي أصاب طهران لو حدث.
الرابع: مسار الاحتواء الأمني التدريجي بحيث لا تذهب التسوية نحو حرب شاملة ولا نحو بقاء الوضع كما هو، بل نحو مسار طويل من إعادة ضبط البيئة الأمنية. في هذا السيناريو، يتحوّل التفاوض المباشر بين السلطة وإسرائيل إلى أداة لبناء ترتيبات أمنية جديدة في الجنوب، تتدرّج من تثبيت وقف النار إلى توسيع دور الجيش اللبناني والأجهزة الأمنية، وصولاً إلى تقليص البنية العسكرية المستقلة لحزب الله تدريجياً، بحيث يكون نزع السلاح على شكل عملية استنزاف بطيئة للوظيفة العسكرية للحزب، عبر الدمج بين الضغط الأمني والرقابة الدولية والضربات الإسرائيلية المحدودة، والضغط الاقتصادي والسياسي الداخلي. وهذا ما يرفضه حزب الله نهائياً حتى الآن. ويرى أنّ إيران لا تزال تمتلك القدرة لكسر إرادة القتال عند أميركا واسرائيل معاً، وأن حزب الله نفسه عبر محلّقاته الانقضاضية سينجح في كسر الطموحات الإسرائيلية ولجمها، حتى وإن لم تشكّل إيران رافعة عمليّة لوضعه الحالي.

 

الاستنزاف كبديل عن الحرب الشاملة

ورغم تعدّد السيناريوهات، لا يُستبعد أن تذهب الأمور إلى مرحلة طويلة من الاستنزاف الأمني والسياسي في الجنوب اللبناني. فحتى لو نجحت إيران في انتزاع صيغة لوقف إطلاق النار ضمن أيّ تفاهم مع واشنطن، لا شيء يوحي بأنّ إسرائيل ستتعامل معه كاتفاق نهائي مغلق. على العكس، قد تعتبره إطاراً يسمح لها بمواصلة الضغط تحت عناوين متعدّدة: منع إعادة بناء البنية العسكرية لحزب الله، مراقبة خطوط الإمداد، أو الردّ على أيّ نشاط تعتبره تهديداً مستقبلياً. وهكذا تعود الغارات والخروقات لتحاول تشكيل الواقع اللبناني من جديد تدريجياً. وهنا تحديداً يبرز التقاطع بين الضغط العسكري الإسرائيلي ومسار التفاوض المباشر مع الدولة اللبنانية، بحيث يصبح التنسيق الأمني نفسه جزءاً من معادلة الاحتواء الطويل: تضييق مستمرّ على حركة الحزب، ومحاولة دفع الدولة اللبنانية شيئاً فشيئاً إلى لعب دور أكبر في ضبط الجنوب تحت ضغط الحاجة إلى الاستقرار وإعادة الإعمار والدعم الدولي. وما قد يستتبع كل هذا المسار من انفجار داخلي في لبنان.
أمّا إيران، فرغم تمسّكها السياسي والرمزي بحزب الله، فإحد الاحتمالات أن تجد نفسها أقلّ قدرة من أيّ وقت مضى على فتح مواجهة إقليمية واسعة دفاعاً عنه. طهران التي تفاوض اليوم على تخفيف العقوبات وعلى حماية نظامها من الإنهاك وعلى مكانتها في الإقليم، من المحتمل أن تصل إلى ذروة ضاغطة تعتبر فيها أنّ إدارة الاستنزاف أهون من الانزلاق إلى حرب شاملة جديدة. وهذا لا يعني بالضرورة تخلّيها عن الحزب بقدر ما يعني أنّ أولوياتها قد تصبح أكثر ارتباطاً بحماية الداخل الإيراني نفسه، حتى لو كان الثمن تراجع القدرة على فرض قواعد اشتباك تحمي حليفها اللبناني كما في السابق.
لكن، وعلى افتراض احتمال تراجع السند الإقليمي أو تبدّل أولوياته، هل سيستطيع حزب الله بمقاومته التي نشأت في سياق لبناني، ثمّ اندمجت تدريجياً في معادلة إقليميّة أوسع، أن يجد صيغة مختلفة لدوره في المرحلة المقبلة؟
قد لا تكون إيران قادرة اليوم على حماية لبنان كما فعلت طوال عقود، لكنها في المقابل لا تستطيع التخلّي عنه بسهولة، لأنّ العلاقة بين الطرفين لم تكن مجرّد تحالف نفوذ، بل كانت جزءاً من تعريف كلّ منهما لذاته. لكنّ الأكيد أنّ الطرفين معاً يدخلان مرحلة جديدة لم تتّضح قواعدها إلى الآن بعد..

إيران تتمسك بحزب الله.. لكن هل تستطيع حمايته؟

الكاتب: ملاك عبد الله | المصدر: المدن
30 أيار 2026

عام 1501، أعلن اسماعيل الصَّفويّ قيام الدولة الصفوية، وتوّج نفسه شاهاً على إيران. وفي أَوّل قراراته، اتَّخذ ما سيغيّر وجه المنطقة لخمسة قرون: جعل التّشيّع الاثني عشريّ مذهباً رسميّاً لدولته. كانت إيران في غالبها سُنّية، لا علماء ولا كتب ولا فقهاء لتحقيق المهمة، فاستُقدم الحلّ من بلادٍ أخرى.

 

من جبل عامل إلى أصفهان

في تلك التِّلال المطلّة على فلسطين، احتضنت أرض جبل عامل فقهاء حملوا التّشيّع الإماميّ قروناً، وعانوا في سبيله اضطهاد المماليك ثمّ العثمانيين. وحين بلغ مسامعهم النبأ الصفوي، حزموا كتبهم وهاجروا إلى أصفهان وقُم وتبريز، يحملون معهم الفقه الشيعي مدوَّناً، والخبرة في إقامة الشريعة، والشرعيّة العلميّة.
كان على رأسهم المحقّق الكركي، الذي أسّس أَوّل مدرسة شيعيّة في إيران، ووضع بيده أُسس الفقه الذي قامت عليه الدولة الصّفوية. ثمّ جاء الشيخ البهائي، بهاء الدين محمد العاملي، الذي بلغت شهرته آفاق إيران قاطبة. وقد بلغ عدد فقهاء جبل عامل الذين هاجروا إلى إيران نحو مئة وستّة وخمسين فقيهاً في نهاية العصر الصّفوي، كانوا هم عمليّاً من حوّلوها مؤسّساتيّاً من التّسنّن إلى التّشيّع، وهُم من كتبوا الفقه الذي تقوم عليه الجمهوريّة الإسلاميّة اليوم. سينظر آيات الله في قُمّ لاحقاً إلى مصادرهم، وسيجدون فيها أسماء عامليّة.
جنوب لبنان إذاً لم يكن امتداداً لإيران، بل أن إيران في جذورها المذهبيّة هي امتدادٌ لجبل عامل. العلاقة بدأت في جنوب لبنان مُعلِّماً، وإيران هي التلميذة.
قرونٌ مرّت، تبدّلت معها الموازين. صارت إيران دولة كبرى، وبقي جبل عامل طرفاً مُهمَّشاً في كيان لبناني تَأسّس على قاعدة طائفية تركت الشيعة بلا حصّة وازنة في السُّلطة، وبلا تنمية في الجنوب، وبلا حماية من اعتداءاتٍ مُتكرّرة. ظلّ شيعة لبنان، طوال القرن العشرين، يبحثون عن مرجعيّة ترفعهم من التّهميش، وعن قوّة تحمي قُراهم.
عام 1979، قامت في إيران ثورة رفعت راية التَّشيّع السياسي، وأنشأت دولة تقول إنّها تمثّل المستضعفين. كان طبيعيّاً أن ينظر إليها شيعة لبنان كنموذج وجدوا فيه صدى لتطلّعاتهم، فيما كانت ويلات الحرب الأهلية لما تزل تنهش في جسد الدولة والمجتمع. عادت “التلميذة” القديمة بعد خمسة قرون لتقدّم “لمُعلّمها” القديم شيئاً يحتاجه: نموذجاً، وهويّة سياسيّة، ولاحقاً وسيلة دفاع.
من رحم الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان صيف 1982، لا من مكتب في طهران، وُلدت فكرة المقاومة. هنا تحديداً، بدأت العلاقة بين إيران وحزب الله شيئاً فشيئاً تتجاوز حدود التحالف التقليدي. لم يعد الأمر مجرّد دعم لحليف إقليمي، بل سيتحوّل تدريجياً إلى جزء من بنية الأمن القومي الإيراني نفسه. ولبنان الذي أَعطى الشَّرعيّة الدينيّة لإيران، عادت تلك الأخيرة لتبادله بتوفير القُدرة العسكريّة…ليس كما بادلت الحوثيين لاحقاً تلك القدرات. العلاقة بالحوثيّين علاقة جغرافيا سياسيّة حديثة، فيما العلاقة بلبنان علاقة هويّة وتاريخ. لذلك حين تتحدّث طهران عن لبنان، فيمكن القول أنها تتحدّث عن شيءٍ من ذاتها. وحين تتحدّث عن اليمن، فهي تتحدّث عن حليف مفيد لمشروعها. الفارق بين “الذات” و الحليف سيفسر الكثير من الوقائع السياسية لاحقاً، إذ بهذا العمق التاريخي، سنفهم لماذا تُصرّ إيران اليوم وهي تتفاوض على بقائها نفسه على بند واحد في صفقتها المُقبلة مع أَميركا: أن يشمل وقف النار لبنان. علماً أنّ هذا البعد التاريخي وحده لا يكفي لتفسير السياسة الإيرانية المعاصرة، على اعتبار أن الدول لا تفاوض وتحارب استناداً إلى الذاكرة المذهبية فقط، بل إلى موازين القوى والمصالح أيضاً. التاريخ هنا يفسّر لماذا تتجاوز علاقة إيران بلبنان الحسابات الباردة المعتادة بين الدول والحلفاء، ولماذا تأخذ طابعاً هويّاتياً يجعل خسارة لبنان مختلفة في الوعي الإيراني عن خسارة أيّ ساحة إقليمية أُخرى.

 

حزب الله ليس مصلحة إيرانية عابرة

ليس حزب الله اللبناني بالنسبة لإيران مصلحة عابرة. هو الطبقة الأَعمق في وجدانها المذهبي أولاً، وأنجح نماذج مشروعها الإقليميّ ثانياً، بل ودرعها الأساسي لحماية مشروعها النووي من أي اعتداء إسرائيلي. لعقدين، بنت طهران عقيدة “الدفاع الأَماميّ” على فكرة بسيطة: أن تجعل أمنها بعيداً عن حدودها، عبر شبكة من الحلفاء يتقدّمهم حزب الله. وظيفة الحزب لم تكن مهاجمة إسرائيل أو ردع اعتداءاتها على الأرض اللبنانية فقط، بل أيضاً تعطيل أيّ ضربة إسرائيليّة على المُنشآت النوويّة الإيرانيّة، عبر تهديد مدن إسرائيل بترسانة صاروخيّة تُقدّر بمئة وخمسين ألف صاروخ قبل العام 2024. وبهذا المعنى، كان لبنان خطّ الدفاع الأَوّل عن طهران. من يُريد ضرب إيران، يجب أن يحسب أوّلاً ردّ حزب الله. وهذا الأخير هو بالنسبة لإيران آخر شراكة تملك أن تفخر بها بعد سقوط سوريا الأَسد وبعد”صمت” الحوثيّين.

 

يقول الباحث جوزيف ضاهر: “الحديث عن مستقبل حزب الله هو حديث عن مُستقبل إيران”. تصحّ العبارة في الاتجاهين: كلٌّ منهما مربوط بالآخر. وهنا تحديداً تظهر الفجوة بين الإصرار والقدرة، فإيران لا تريد خسارة لبنان، ليس فقط لأسباب استراتيجية، بل لأنّ خسارته بالتحديد ستعني أيضاً تصدّع صورة المشروع الذي بنته منذ 1979. لكنّها في المقابل تبدو حذرة من الانخراط في مواجهة كبرى جديدة قد تُفاقم إنهاكها الاقتصادي والعسكري.. إيران تودّ أن تُسند شريكها اللبناني، لكنها لا تملك ثمن حرب ثانية. الشراكة التي بنت الردع طوال أربعين عاماً دخلت اليوم مرحلة اختبار، لهذا قد يغدو بند لبنان ورقة تفاوض تساوم عليها إيران بأَقصى ما تستطيع، لا خطّاً أحمر تخوض لأجله حرباً جديدة. وهذا قد يضع حزب الله لأَوّل مرّة منذ نشأته أَمام منطق الاعتماد على الذات. على أن الاعتماد على الذات هنا قد لا يترجم بالضرورة انفصالاً كاملاً عن إيران، بقدر ما يعني احتمال انتقال حزب الله تدريجياً من موقع الحليف الإقليمي المتقدّم إلى موقع الفاعل اللبناني الذي يضطر لإعادة تعريف دوره ضمن توازنات الداخل وأزماته. فالحزب الذي بُنيت شرعيته طوال عقود على ثلاثية المقاومة والحماية والدعم الإقليمي، قد يجد نفسه أمام اختبار كيف يحافظ على تماسك بيئته ونفوذه السياسي والعسكري إذا تقلّصت قدرة الحليف الإيراني على توفير المظلّة نفسها التي وفّرها لعقود. ستصبح المسألة غبر مرتبطة بالسلاح فقط في هذا الإطار، بل أيضاً بالاقتصاد وقدرة الحزب على التكيّف مع مرحلة أقلّ إقليمية وأكثر لبنانية.

 

سيناريوهات لبنان في حال التسوية الأميركية الإسرائيلية

أربعة سيناريوهات تفرض نفسها في هذا الإطار:
الأَوّل: الإدراج الشكلي. تحصل إيران على صياغة تشمل لبنان ضمن أيّ تفاهم إقليمي، بما يحفظ ماء الوجه للجميع، لكنّ إسرائيل تحتفظ عمليّاً بهامش واسع للتحرّك العسكري، فيبقى وقف النار هشّاً وقابلاً للانفجار في أيّ لحظة..
الثاني: العودة إلى نموذج ما قبل الحرب. يحتفظ حزب الله بسلاحه من دون استخدام واسع، وتواصل إسرائيل سياسة الضربات الموضعيّة والضغط الأمني، فيما يستمرّ التفاوض المباشر عبر الدولة اللبنانية. وهو سيناريو يرفضه الحزب ويُبقي لبنان في حالة هشاشة مزمنة ويُعطّل أيّ استقرار فعلي داخلي أو إعادة إعمار.
الثالث: خيار المقايضة بحيث تُقدّم إيران تنازلات تدريجيّة في الملف اللبناني مقابل مكاسب تتعلّق بالعقوبات أو البرنامج النووي. وإذا حصل ذلك، فلن يكون تعبيراً عن تبدّل عقائدي، بقدر ما سيكون اعترافاً بحدود القدرة والاستنزاف الذي أصاب طهران لو حدث.
الرابع: مسار الاحتواء الأمني التدريجي بحيث لا تذهب التسوية نحو حرب شاملة ولا نحو بقاء الوضع كما هو، بل نحو مسار طويل من إعادة ضبط البيئة الأمنية. في هذا السيناريو، يتحوّل التفاوض المباشر بين السلطة وإسرائيل إلى أداة لبناء ترتيبات أمنية جديدة في الجنوب، تتدرّج من تثبيت وقف النار إلى توسيع دور الجيش اللبناني والأجهزة الأمنية، وصولاً إلى تقليص البنية العسكرية المستقلة لحزب الله تدريجياً، بحيث يكون نزع السلاح على شكل عملية استنزاف بطيئة للوظيفة العسكرية للحزب، عبر الدمج بين الضغط الأمني والرقابة الدولية والضربات الإسرائيلية المحدودة، والضغط الاقتصادي والسياسي الداخلي. وهذا ما يرفضه حزب الله نهائياً حتى الآن. ويرى أنّ إيران لا تزال تمتلك القدرة لكسر إرادة القتال عند أميركا واسرائيل معاً، وأن حزب الله نفسه عبر محلّقاته الانقضاضية سينجح في كسر الطموحات الإسرائيلية ولجمها، حتى وإن لم تشكّل إيران رافعة عمليّة لوضعه الحالي.

 

الاستنزاف كبديل عن الحرب الشاملة

ورغم تعدّد السيناريوهات، لا يُستبعد أن تذهب الأمور إلى مرحلة طويلة من الاستنزاف الأمني والسياسي في الجنوب اللبناني. فحتى لو نجحت إيران في انتزاع صيغة لوقف إطلاق النار ضمن أيّ تفاهم مع واشنطن، لا شيء يوحي بأنّ إسرائيل ستتعامل معه كاتفاق نهائي مغلق. على العكس، قد تعتبره إطاراً يسمح لها بمواصلة الضغط تحت عناوين متعدّدة: منع إعادة بناء البنية العسكرية لحزب الله، مراقبة خطوط الإمداد، أو الردّ على أيّ نشاط تعتبره تهديداً مستقبلياً. وهكذا تعود الغارات والخروقات لتحاول تشكيل الواقع اللبناني من جديد تدريجياً. وهنا تحديداً يبرز التقاطع بين الضغط العسكري الإسرائيلي ومسار التفاوض المباشر مع الدولة اللبنانية، بحيث يصبح التنسيق الأمني نفسه جزءاً من معادلة الاحتواء الطويل: تضييق مستمرّ على حركة الحزب، ومحاولة دفع الدولة اللبنانية شيئاً فشيئاً إلى لعب دور أكبر في ضبط الجنوب تحت ضغط الحاجة إلى الاستقرار وإعادة الإعمار والدعم الدولي. وما قد يستتبع كل هذا المسار من انفجار داخلي في لبنان.
أمّا إيران، فرغم تمسّكها السياسي والرمزي بحزب الله، فإحد الاحتمالات أن تجد نفسها أقلّ قدرة من أيّ وقت مضى على فتح مواجهة إقليمية واسعة دفاعاً عنه. طهران التي تفاوض اليوم على تخفيف العقوبات وعلى حماية نظامها من الإنهاك وعلى مكانتها في الإقليم، من المحتمل أن تصل إلى ذروة ضاغطة تعتبر فيها أنّ إدارة الاستنزاف أهون من الانزلاق إلى حرب شاملة جديدة. وهذا لا يعني بالضرورة تخلّيها عن الحزب بقدر ما يعني أنّ أولوياتها قد تصبح أكثر ارتباطاً بحماية الداخل الإيراني نفسه، حتى لو كان الثمن تراجع القدرة على فرض قواعد اشتباك تحمي حليفها اللبناني كما في السابق.
لكن، وعلى افتراض احتمال تراجع السند الإقليمي أو تبدّل أولوياته، هل سيستطيع حزب الله بمقاومته التي نشأت في سياق لبناني، ثمّ اندمجت تدريجياً في معادلة إقليميّة أوسع، أن يجد صيغة مختلفة لدوره في المرحلة المقبلة؟
قد لا تكون إيران قادرة اليوم على حماية لبنان كما فعلت طوال عقود، لكنها في المقابل لا تستطيع التخلّي عنه بسهولة، لأنّ العلاقة بين الطرفين لم تكن مجرّد تحالف نفوذ، بل كانت جزءاً من تعريف كلّ منهما لذاته. لكنّ الأكيد أنّ الطرفين معاً يدخلان مرحلة جديدة لم تتّضح قواعدها إلى الآن بعد..

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار