عندما يحمي النظام اللبناني… أعداءه!

الكاتب: نبيل بومنصف | المصدر: النهار
18 أيلول 2026

لعل المفارقة اللافتة التي رافقت الجلسات على امتداد يومين أن بلداً يئن من حرب طاحنة فرضت عليه قهراً وقسراً، بموازاة أزمات ومشكلات داخلية لا حصر لها، كان يفترض أن تعني له مساءلة كهذه للحكومة أكثر بكثير من اعتبارها مجرد استعراض كلامي خطابي للمزايدات النيابية الشعبوية.

إذا كان معظم اللبنانيين، على الأرجح، لم يخصصوا أيّ وقت لمتابعة يومين من المداخلات والكلمات المنبرية المنقولة تلفزيونياً مباشرة من مجلس النواب، فالأدعى أن نشكك في استقطاب جلسات مماثلة مشاهدين في العالم العربي مثلاً. لا يتصل الأمر بالتقليل أبداً من أصول برلمانية ديموقراطية تطبع النظام اللبناني بطابع الخصوصية القديمة والعريقة في تاريخ لبنان وواقعه، خصوصاً أن هذا الجانب من تكوين لبنان التعددي والنظام الديموقراطي كان ولا يزال جوهر بقائه متميزاً في محيطه والعالم، رغم كلّ ما تعرض له النظام الأصلي من تشويهات في العقود الخمسة أو الستة الأخيرة، بل إن إثارة مقاربة النواحي المتصلة بالأصول الديموقراطية تبرز إلى الواجهة عند كل اختبار لحال الديموقراطية اللبنانية. وكان من نماذجها الأخيرة جلسة نيابية لمساءلة حكومة الرئيس نواف سلام انتهت بالتصويت على منحها الثقة من الأغلبية النيابية، وذلك للمرة الثالثة في تصويت مماثل منذ تشكيل هذه الحكومة.

لعل المفارقة اللافتة التي رافقت الجلسات على امتداد يومين أن بلداً يئن من حرب طاحنة فُرضت عليه قهراً وقسراً، بموازاة أزمات ومشكلات داخلية لا حصر لها، كان يفترض أن تعني له مساءلة كهذه للحكومة أكثر بكثير من اعتبارها مجرد استعراض كلامي خطابي للمزايدات النيابية الشعبوية؛ فإذ باللامبالاة تطبع تلقّي هذه الجلسات إلى أن فوجئ الجميع في نهايتها بطرح الثقة في الحكومة على يد تكتل التيار العوني. مفاد ذلك أن هذا التكتل، الذي شاء أن يبرز دوره كمعارض وحيد للحكومة، قدّم للحكومة هدية ثمينة بتوفير الفرصة لتظهير تمتعها المتواصل بأغلبية نيابية مستندة أيضاً إلى دعم عربي وغربي متواصل.

هذا ليس تفصيلاً عابراً في مسار بلد يعاني مخاضاً حاداً بين سعي سلطاته إلى التخلص من ربقة الحرب والاحتلال والاستباحة الإقليمية، والحفاظ على خصائص نظامه الذي يتعرض علناً وضمناً منذ ما بعد اتفاق الطائف إلى محاولات تجويف وضرب وتحوير كل خصائصه لمصلحة أهداف إقليمية يتولاها فريق ما كان يسمى الممانعة. فرغم التراجع الكارثي لثقة اللبنانيين بنظامهم، لفرط ما أظهرت الدولة من ضعف وعجز عن تنفيذ التزامات كبيرة قطعتها وما زالت تكرر تعهداتها بتنفيذها، خصوصاً في مسألة حصرية السلاح ونزع كلّ سلاح غير شرعي، ولا سيما  سلاح “حزب الله”، تثبت الوقائع الجدية في عمقها أن مخطط ضرب النظام اللبناني فشل فشلاً ذريعاً، سواء في التجارب السابقة التي تعاقبت أيام وصاية النظام السوري البائد على لبنان وشراكته مع النظام الإيراني، أم حالياً مع المحاولات الدؤوبة لترهيب الدولة والقوى السيادية ببقايا ترسانة السلاح أو ببقايا “الدولة العميقة”.

كلّ هذا لم يظهر مباشرة في جلسات المساءلة النيابية، بل كان في خلفية الواقع السياسي الكبير الذي يقبع وراء أيّ تحرّك سياسي داخلي في لبنان. ولم يكن أكثر دلالة على أن النظام الدستوري والبرلماني اللبناني، بالرغم من أنه أخفق في الكثير الكثير من حلّ معضلات اللبنانيين، لا يزال أقوى من الطامعين بإسقاطه وتحويل لبنان إلى شيء أخطر بكثير مما هو عليه، وتحديداً من كتلة “حزب الله ” التي توزعت الأدوار في افتعال المعارك الكلامية مع معظم الكتل المناهضة لسلاح الحزب وتبعيته لإيران؛ هذه الكتلة لاذت بالتهرب من منح الحكومة الثقة للمرة الثالثة، وخرجت من البرلمان قبل التصويت، لأنها لا تريد استقالة وزرائها من حكومة تصفها بأنها حكومة الوصاية الأميركية الإسرائيلية على لبنان. ازدواجية “حزب الله” في البقاء ضمن حكومة “أعدائه” تكشف قوة باقية لنظام يجعل الحزب يلوذ بآخر ورقة “حماية” له؛ فمتى خرج منه سقطت ورقة التين الأخيرة عن مشروعيته.

عندما يحمي النظام اللبناني… أعداءه!

الكاتب: نبيل بومنصف | المصدر: النهار
18 أيلول 2026

لعل المفارقة اللافتة التي رافقت الجلسات على امتداد يومين أن بلداً يئن من حرب طاحنة فرضت عليه قهراً وقسراً، بموازاة أزمات ومشكلات داخلية لا حصر لها، كان يفترض أن تعني له مساءلة كهذه للحكومة أكثر بكثير من اعتبارها مجرد استعراض كلامي خطابي للمزايدات النيابية الشعبوية.

إذا كان معظم اللبنانيين، على الأرجح، لم يخصصوا أيّ وقت لمتابعة يومين من المداخلات والكلمات المنبرية المنقولة تلفزيونياً مباشرة من مجلس النواب، فالأدعى أن نشكك في استقطاب جلسات مماثلة مشاهدين في العالم العربي مثلاً. لا يتصل الأمر بالتقليل أبداً من أصول برلمانية ديموقراطية تطبع النظام اللبناني بطابع الخصوصية القديمة والعريقة في تاريخ لبنان وواقعه، خصوصاً أن هذا الجانب من تكوين لبنان التعددي والنظام الديموقراطي كان ولا يزال جوهر بقائه متميزاً في محيطه والعالم، رغم كلّ ما تعرض له النظام الأصلي من تشويهات في العقود الخمسة أو الستة الأخيرة، بل إن إثارة مقاربة النواحي المتصلة بالأصول الديموقراطية تبرز إلى الواجهة عند كل اختبار لحال الديموقراطية اللبنانية. وكان من نماذجها الأخيرة جلسة نيابية لمساءلة حكومة الرئيس نواف سلام انتهت بالتصويت على منحها الثقة من الأغلبية النيابية، وذلك للمرة الثالثة في تصويت مماثل منذ تشكيل هذه الحكومة.

لعل المفارقة اللافتة التي رافقت الجلسات على امتداد يومين أن بلداً يئن من حرب طاحنة فُرضت عليه قهراً وقسراً، بموازاة أزمات ومشكلات داخلية لا حصر لها، كان يفترض أن تعني له مساءلة كهذه للحكومة أكثر بكثير من اعتبارها مجرد استعراض كلامي خطابي للمزايدات النيابية الشعبوية؛ فإذ باللامبالاة تطبع تلقّي هذه الجلسات إلى أن فوجئ الجميع في نهايتها بطرح الثقة في الحكومة على يد تكتل التيار العوني. مفاد ذلك أن هذا التكتل، الذي شاء أن يبرز دوره كمعارض وحيد للحكومة، قدّم للحكومة هدية ثمينة بتوفير الفرصة لتظهير تمتعها المتواصل بأغلبية نيابية مستندة أيضاً إلى دعم عربي وغربي متواصل.

هذا ليس تفصيلاً عابراً في مسار بلد يعاني مخاضاً حاداً بين سعي سلطاته إلى التخلص من ربقة الحرب والاحتلال والاستباحة الإقليمية، والحفاظ على خصائص نظامه الذي يتعرض علناً وضمناً منذ ما بعد اتفاق الطائف إلى محاولات تجويف وضرب وتحوير كل خصائصه لمصلحة أهداف إقليمية يتولاها فريق ما كان يسمى الممانعة. فرغم التراجع الكارثي لثقة اللبنانيين بنظامهم، لفرط ما أظهرت الدولة من ضعف وعجز عن تنفيذ التزامات كبيرة قطعتها وما زالت تكرر تعهداتها بتنفيذها، خصوصاً في مسألة حصرية السلاح ونزع كلّ سلاح غير شرعي، ولا سيما  سلاح “حزب الله”، تثبت الوقائع الجدية في عمقها أن مخطط ضرب النظام اللبناني فشل فشلاً ذريعاً، سواء في التجارب السابقة التي تعاقبت أيام وصاية النظام السوري البائد على لبنان وشراكته مع النظام الإيراني، أم حالياً مع المحاولات الدؤوبة لترهيب الدولة والقوى السيادية ببقايا ترسانة السلاح أو ببقايا “الدولة العميقة”.

كلّ هذا لم يظهر مباشرة في جلسات المساءلة النيابية، بل كان في خلفية الواقع السياسي الكبير الذي يقبع وراء أيّ تحرّك سياسي داخلي في لبنان. ولم يكن أكثر دلالة على أن النظام الدستوري والبرلماني اللبناني، بالرغم من أنه أخفق في الكثير الكثير من حلّ معضلات اللبنانيين، لا يزال أقوى من الطامعين بإسقاطه وتحويل لبنان إلى شيء أخطر بكثير مما هو عليه، وتحديداً من كتلة “حزب الله ” التي توزعت الأدوار في افتعال المعارك الكلامية مع معظم الكتل المناهضة لسلاح الحزب وتبعيته لإيران؛ هذه الكتلة لاذت بالتهرب من منح الحكومة الثقة للمرة الثالثة، وخرجت من البرلمان قبل التصويت، لأنها لا تريد استقالة وزرائها من حكومة تصفها بأنها حكومة الوصاية الأميركية الإسرائيلية على لبنان. ازدواجية “حزب الله” في البقاء ضمن حكومة “أعدائه” تكشف قوة باقية لنظام يجعل الحزب يلوذ بآخر ورقة “حماية” له؛ فمتى خرج منه سقطت ورقة التين الأخيرة عن مشروعيته.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار