البلديات تحتاج إلى تشريع المحاصصة

الكاتب: غسان حجار | المصدر: النهار
16 آذار 2023

بيروت العاصمة، يتحدث الجميع عن بلديتها مواربة. هي واجهة البلد، وإذا سقطت فيها المشاركة فإنها ترتدّ سلباً على الصورة العامة لوطن الأرز. هي غير طرابلس التي لم يتمثل المسيحيون في بلديتها، ولا أي مدينة وقرية استُبعد فيها مسيحيون عن المشاركة الفعلية، وحتى الشكلية.

لا تهمّ معادلة النصوص قبل النفوس، أو عكس ذلك. كله كلام بكلام، ما لم يترجَم على أرض الواقع. بالأمس، قال مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان، إنه “هو الضامن للمناصفة في مدينة بيروت بحيث إن المدينة لا تستطيع إلا أن تعيش بجناحيها المسيحي والمسلم”. المفتي صادق النيّة، لكنه قد لا يمتلك الامكانات لواقع تمكَّن من المحافظة عليه الرئيس الشهيد رفيق الحريري، ومن بعده نجله الرئيس سعد الحريري. من بعد “الحريرية” صارت المناصفة صعبة التحقق، وحتى المشاركة الفعلية. من هنا بدأت الافكار القلقة تترجم بمشاريع واقتراحات، لا بد من ان تؤخذ في الاعتبار.

تقطيع البلدية وتقسيمها الى بلديتين، أو اعتماد الدوائر الانتخابية النيابية للاستحقاق البلدي، وغيرها من الطروحات الطائفية التي، رغم سيئاتها، تُظهر بوضوح الهواجس التي تنتاب الاهالي، إن في بيروت، أو في غير منطقة تشهد تعدداً طائفياً ومذهبياً.

العيش المشترك، أو التعايش، أو العيش الواحد، أو غيرها من التعابير الفضفاضة، والتي ترمز في كل حال الى المحاصصة الطائفية والمذهبية، ليس بين مسيحيين ومسلمين فقط، بل ايضا بين مسيحيين ومسيحيين، ومسلمين مع مسلمين، هي جوهر القضية، في بلد الاقليات التي فقد بعضها الثقة بالبعض الآخر، وهذا الامر نتيجة حتمية للحروب والصراعات المتكررة، واستقواء كل فريق بالخارج، لدعمه وتحقيق مصالحه على حساب الفريق الآخر.

عن موضوع تقسيم بيروت في الإنتخابات البلدية قال الرئيس نبيه بري أمس: “نحن في كتلة التنمية والتحرير لا يمكن أن نقبل أن يكون هناك أيّ نصّ يُشرّع تقسيم العاصمة في أي قانون للانتخابات البلدية. إن تقسيم العاصمة تقسيم للبنان، ونحن مع مراعاة المناصفة والشراكة الاسلامية – المسيحية”.

وكان مفتي الجمهورية رفض ايضا في وقت سابق الطروحات الداعية إلى تقسيم بلدية بيروت، معتبراً أنها “إرهاصات لا يمكن أن تمر لأن التقسيم يعني العودة إلى شرقية وغربية”.

وقد انضمّ المفتي إلى أصوات سياسية أخرى رفضت تقسيم البلدية، من بينها الحزب التقدمي الاشتراكي وحركة “أمل” و”حزب الله”، وذلك رداً على اقتراح لـ”التيار الوطني الحر” لم يكن تبلور جيدا قبل ان يتقدم نواب التيار باقتراح اعتماد التقسيم النيابي للاستحقاق البلدي، بحيث يتوزع المرشحون على دائرتين أو ثلاث دوائر ويجتمعون مجدداً تحت سقف بلديّ واحد.

قد يُرفض مشروع “التيار الوطني الحر” لان جبران باسيل يقف وراءه، وهذا، إنْ حدث بهذا المنطق، ظلمٌ يطاول أهل العاصمة والمسيحيين عموما، كما يسيء الى صورة لبنان الذي، متى فقدت عاصمته صورتها التعددية، يجنح الى إلغاء التنوع الغني.

العاصمة لا تقسّم، ويجب عدم الإقدام على خطيئة من هذا النوع، لكن “مراعاة المناصفة والشراكة الاسلامية – المسيحية” التي تحدث عنها الرئيس بري، ينبغي ان تجد طريقها الى الواقع، فلا تظل مجرد تمنيات ووعود، منه ومن المفتي وغيرهما، يمنَّن بها المسيحيون. الحل بالنصوص، لا بالنفوس المريضة التي لا تؤتمن، وقد تحوِّل المناصفة المذكورة أداة ابتزاز سياسي. الحل الواجب اتّباعه بمحاصصة في غير مدينة وقرية، أو بتقسيم الدوائر والأحياء، فلا يتم اجتياح اكثري وحزبي منظم، واجتياح مالي يستغل عوز الناس وفقرهم.

البلديات تحتاج إلى تشريع المحاصصة

الكاتب: غسان حجار | المصدر: النهار
16 آذار 2023

بيروت العاصمة، يتحدث الجميع عن بلديتها مواربة. هي واجهة البلد، وإذا سقطت فيها المشاركة فإنها ترتدّ سلباً على الصورة العامة لوطن الأرز. هي غير طرابلس التي لم يتمثل المسيحيون في بلديتها، ولا أي مدينة وقرية استُبعد فيها مسيحيون عن المشاركة الفعلية، وحتى الشكلية.

لا تهمّ معادلة النصوص قبل النفوس، أو عكس ذلك. كله كلام بكلام، ما لم يترجَم على أرض الواقع. بالأمس، قال مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان، إنه “هو الضامن للمناصفة في مدينة بيروت بحيث إن المدينة لا تستطيع إلا أن تعيش بجناحيها المسيحي والمسلم”. المفتي صادق النيّة، لكنه قد لا يمتلك الامكانات لواقع تمكَّن من المحافظة عليه الرئيس الشهيد رفيق الحريري، ومن بعده نجله الرئيس سعد الحريري. من بعد “الحريرية” صارت المناصفة صعبة التحقق، وحتى المشاركة الفعلية. من هنا بدأت الافكار القلقة تترجم بمشاريع واقتراحات، لا بد من ان تؤخذ في الاعتبار.

تقطيع البلدية وتقسيمها الى بلديتين، أو اعتماد الدوائر الانتخابية النيابية للاستحقاق البلدي، وغيرها من الطروحات الطائفية التي، رغم سيئاتها، تُظهر بوضوح الهواجس التي تنتاب الاهالي، إن في بيروت، أو في غير منطقة تشهد تعدداً طائفياً ومذهبياً.

العيش المشترك، أو التعايش، أو العيش الواحد، أو غيرها من التعابير الفضفاضة، والتي ترمز في كل حال الى المحاصصة الطائفية والمذهبية، ليس بين مسيحيين ومسلمين فقط، بل ايضا بين مسيحيين ومسيحيين، ومسلمين مع مسلمين، هي جوهر القضية، في بلد الاقليات التي فقد بعضها الثقة بالبعض الآخر، وهذا الامر نتيجة حتمية للحروب والصراعات المتكررة، واستقواء كل فريق بالخارج، لدعمه وتحقيق مصالحه على حساب الفريق الآخر.

عن موضوع تقسيم بيروت في الإنتخابات البلدية قال الرئيس نبيه بري أمس: “نحن في كتلة التنمية والتحرير لا يمكن أن نقبل أن يكون هناك أيّ نصّ يُشرّع تقسيم العاصمة في أي قانون للانتخابات البلدية. إن تقسيم العاصمة تقسيم للبنان، ونحن مع مراعاة المناصفة والشراكة الاسلامية – المسيحية”.

وكان مفتي الجمهورية رفض ايضا في وقت سابق الطروحات الداعية إلى تقسيم بلدية بيروت، معتبراً أنها “إرهاصات لا يمكن أن تمر لأن التقسيم يعني العودة إلى شرقية وغربية”.

وقد انضمّ المفتي إلى أصوات سياسية أخرى رفضت تقسيم البلدية، من بينها الحزب التقدمي الاشتراكي وحركة “أمل” و”حزب الله”، وذلك رداً على اقتراح لـ”التيار الوطني الحر” لم يكن تبلور جيدا قبل ان يتقدم نواب التيار باقتراح اعتماد التقسيم النيابي للاستحقاق البلدي، بحيث يتوزع المرشحون على دائرتين أو ثلاث دوائر ويجتمعون مجدداً تحت سقف بلديّ واحد.

قد يُرفض مشروع “التيار الوطني الحر” لان جبران باسيل يقف وراءه، وهذا، إنْ حدث بهذا المنطق، ظلمٌ يطاول أهل العاصمة والمسيحيين عموما، كما يسيء الى صورة لبنان الذي، متى فقدت عاصمته صورتها التعددية، يجنح الى إلغاء التنوع الغني.

العاصمة لا تقسّم، ويجب عدم الإقدام على خطيئة من هذا النوع، لكن “مراعاة المناصفة والشراكة الاسلامية – المسيحية” التي تحدث عنها الرئيس بري، ينبغي ان تجد طريقها الى الواقع، فلا تظل مجرد تمنيات ووعود، منه ومن المفتي وغيرهما، يمنَّن بها المسيحيون. الحل بالنصوص، لا بالنفوس المريضة التي لا تؤتمن، وقد تحوِّل المناصفة المذكورة أداة ابتزاز سياسي. الحل الواجب اتّباعه بمحاصصة في غير مدينة وقرية، أو بتقسيم الدوائر والأحياء، فلا يتم اجتياح اكثري وحزبي منظم، واجتياح مالي يستغل عوز الناس وفقرهم.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار