إنتهت الولاية: أيّ قواعد اشتباك ستحكم الفراغ ؟ ..

المصدر: الجمهورية
1 تشرين الثاني 2022

صارت ولاية الرئيس ميشال عون خلف المشهد، وسنواتها الستّ بكل ما اعتراها، طُويت صفحاتها وصارت من الماضي. والتشفي بإخفاقاتها، والتغنّي بإنجازاتها، كما البكاء على أطلالها، لا يغيّر شيئاً في واقع فُتح اعتباراً من اليوم 1 تشرين الثاني 2022 على مرحلة جديدة مضبوطة من جهة، على عدّاد الفراغ الرئاسي الذي دارت محرّكاته بالأمس، في عملية إحصاء كم من الايام والاسابيع والاشهر وربما السنوات التي ستُهدر من عمر البلد، قبل ان تنضج ظروف تضع حداً للشغور في موقع رئاسة الجمهورية. ومحفوفة من جهة ثانية بأحداث واحتمالات مفتوحة ومجهولة، وتصعيد تبدو مجالاته مفتوحة على كل شيء، وأخطر ما فيه أنّه قد لا يبقى محصوراً في نطاقه السياسي، وفي لغة الوعيد والتهديد باشتباك دستوري وعصيان وزاري تعطيلي لحكومة تصريف الاعمال، بل قد يتدحرج إلى اللغة الأكثر خطورة على البلد، بِبُعدَيها الطّائفي والمذهبي.

الرئيس عون الذي وصل إلى رئاسة الجمهورية في تشرين الاول من العام 2016 على صهوة تسوية سياسيّة متعدّدة الألوان السياسيّة، تشارك فيها أضداد السياسة والوانها المختلفة على ضفتي «8 آذار» و»14 آذار»، لم يسلّم الراية الرئاسية لخَلَفه. كانت لافتة طريقة خروجه غير المألوفة او المسبوقة من القصر الجمهوري قبل انتهاء ولايته بيوم ونص، حيث لم ينتظر حتى نهايتها منتصف ليل امس الاثنين، بل خرج من الرئاسة بلون واحد، وفي احتفالية من لون واحد، ومودَّعاً من جمهور من لون واحد، وممتطياً حصاناً برتقالياً نقله إلى دارته الجديدة في الرابية، التي مهّد الرئيس عون قبل انتهاء ولايته، في مواقفه التي دحرج فيها كرة المسؤولية على كلّ الآخرين، شاهراً سيف المواجهة في كل اتجاه، وما قابل ذلك من ردود عنيفة وجارحة سياسياً وشخصيّاً، إلى أن تُدرج الرابية اعتباراً من يوم امس، كعنوان لجبهة سياسية مصادمة لجبهة عريضة، او بمعنى أدق لجبهات متنوّعة من الخصوم القدامى والجدد.
لا يختلف اثنان من اللبنانيين على انّ البلد منقسم على نفسه إزاء انتهاء ولاية الرئيس عون، بين فريق مغتبط بخروجه من القصر الجمهوري وانتهاء حقبة مؤلمة استمرّت لست سنوات أدير فيها البلد بعقلية التحكّم والإخفاق. وبين فريق مكتئب من هذا الخروج، لا يرى سبيلاً امامه سوى المواجهة الشاملة مع ما يسمّيها «المنظومة» التي أعاقت عهد عون ومنعته من الإنجاز.
على هذه الصورة انتهت الولاية الرئاسية، وعلى هذه الصورة فتحت المرحلة التالية لها. الجميع كانوا مسلّمين بحتمية الفراغ في سدّة الرئاسة وعدم التمكّن من انتخاب خلف للرئيس عون، ولكن لم يكن في حسبان أحد هذا الانتقال الصاخب إلى الفراغ، وفرض وقائع جديدة على المشهد الداخلي المنقسم أصلاً على نفسه، كان من نتائجها السريعة لا بل الفورية، التموضع خلف متاريس الاشتباك السياسي والدستوري. و»الخرطشة» السياسية التي رافقت انتهاء الولاية، تنذر بأنّ الاشتباك حاصل لا محالة، إنما متى وكيف وأين، فالجواب كامن خلف ما تخبئه الايام المقبلة من أحداث وربما مفاجآت.

محاولة فاشلة
ووفق معلومات «الجمهورية» من مصادر موثوقة، فإنّه على رغم الجو المشحون الذي رافق انتهاء ولاية الرئيس عون، جنّد بعض الوسطاء أنفسهم لمحاولة أخيرة لضبط الواقع اللبناني على خط العقل، وتجنيب البلد الانزلاق إلى واقع مجهول وخضات سياسية ودستورية وربما غير ذلك، تكلّف المواطن اللبناني مرارات اضافية اكبر من مرارات الأزمة وأعبائها. وجوهر هذه المحاولة، صياغة اتفاق على ما يمكن تسمّيتها «حكومة الضرورة»، بحيث يبدو فيها كل طرف وكأنّه تقدّم خطوة نحو الآخر. على ان يُصار في حال بلوغ الاتفاق عليها، الى ان تصدر مراسيمها قبل ظهر أمس الاثنين. الّا انّ هذه المحاولة لم تعمّر طويلاً. وعلى ما تقول المصادر الموثوقة، وُئدت في مهدها، وسقطت امام المواقف المتصلّبة وإرادة الاشتباك التي يبدو انّ القرار في شأنه متخذ سلفاً.

قواعد جديدة
على انّ أول ما يتبدّى مع سريان مرحلة الفراغ الرئاسي المفتوحة ربما، على مديات زمنية طويلة، هو القلق الذي يسود مختلف الأوساط السياسية من المجهول الذي سيحكم هذه المرحلة، وما قد يخلقه من وقائع وأكلاف في شتى المجالات. وإذا كانت المستويات السياسية قد دأبت منذ ما قبل انتهاء ولاية عون، على إعداد عدّتها لمواكبة الفراغ، والنأي بنفسها عن تداعياته، بل ومحاولة تثميره لمصلحتها، إلّا أنّ الواقع الجديد يبدو مغايراً لكل ذلك، حيث انّ الامر لا ينحصر فقط في فراغ في سدّة الرئاسة الاولى، وكذلك في فراغ على مستوى السلطة التنفيذية وعدم وجود حكومة كاملة الصلاحيات والمواصفات، بل يتعداهما إلى الفراغ الأخطر المسبب لكل الفراغات، الذي يتجلّى في مغادرة مكونات الصراع السياسي موقع المسؤولية الوطنية، وتمترسها في موقع الصدام، وإعدامها لإرادة التفاهم والاتفاق، على ما هو عليه الحال مع الاستحقاق الرئاسي، برغم انّ اياً منها لا يملك وحده قدرة إدارة دفّة هذا الاستحقاق في الاتجاه الذي تريده.
وفي هذا السياق، يقدّم مرجع سياسي كبير قراءة بالغة التشاؤم لمرحلة الفراغ الرئاسي بقوله لـ»الجمهورية»: «إنّ لبنان مع عدم تمكّنه من انتخاب رئيس جديد للجمهورية، ومع وضع حكومي مهتزّ، ومع وضع سياسي مفكّك، قد دخل اعتباراً من اوّل تشرين الثاني إلى «المنطقة المحرّمة»، المحلّل فيها فقط كلّ ما يضرّ بهذا البلد، وأخطر ما فيها انّ قواعد الاشتباك التي ستحكمها، غير معلومة، حيث انّ هذه القواعد قد تفاجئ الجميع بقساوتها، وتضبط الواقع الداخلي على إيقاعها دون ان تكون لدى أي من المكونات السياسية قدرة التكيّف معها او مجاراتها واللحاق بها. وإزاء هذا الواقع، لا يسعني سوى ان اتمنى الّا تفلت الامور من عقالها، لأنّ الثمن الذي سندفعه سيكون باهظاً جداً».
ورداً على سؤال قال المرجع: «لقد مرّ لبنان بتجارب فراغ سابقة، وعَبَرها بشق النفس، الّا انّ ظروف تلك المراحل مختلفة جذرياً عن الظروف الحالية، حيث انّ لبنان في وضع هو الأخطر في تاريخه، وكل البنيان مهدّد، وحتى على مستوى النظام. قلنا ونكرّر انّ لبنان في النقطة الوسط بين ان يستمر في منحى السقوط على ما هو حاصل حالياً، وبين ان نجنّبه ونجنّب أنفسنا دفع الأثمان الباهظة، ولذلك سبيل وحيد هو الذهاب إلى التوافق على انتخاب رئيس جديد للجمهورية قبل فوات الأوان. على انّ ما يبعث إلى الأسف هو انّ هذه الحقيقة ماثلة امام الجميع، ومع ذلك ثمة من يتعامى عليها ويصرّ على إسقاط البلد وشعبه في قعر الهزيمة».

إنتهت الولاية: أيّ قواعد اشتباك ستحكم الفراغ ؟ ..

المصدر: الجمهورية
1 تشرين الثاني 2022

صارت ولاية الرئيس ميشال عون خلف المشهد، وسنواتها الستّ بكل ما اعتراها، طُويت صفحاتها وصارت من الماضي. والتشفي بإخفاقاتها، والتغنّي بإنجازاتها، كما البكاء على أطلالها، لا يغيّر شيئاً في واقع فُتح اعتباراً من اليوم 1 تشرين الثاني 2022 على مرحلة جديدة مضبوطة من جهة، على عدّاد الفراغ الرئاسي الذي دارت محرّكاته بالأمس، في عملية إحصاء كم من الايام والاسابيع والاشهر وربما السنوات التي ستُهدر من عمر البلد، قبل ان تنضج ظروف تضع حداً للشغور في موقع رئاسة الجمهورية. ومحفوفة من جهة ثانية بأحداث واحتمالات مفتوحة ومجهولة، وتصعيد تبدو مجالاته مفتوحة على كل شيء، وأخطر ما فيه أنّه قد لا يبقى محصوراً في نطاقه السياسي، وفي لغة الوعيد والتهديد باشتباك دستوري وعصيان وزاري تعطيلي لحكومة تصريف الاعمال، بل قد يتدحرج إلى اللغة الأكثر خطورة على البلد، بِبُعدَيها الطّائفي والمذهبي.

الرئيس عون الذي وصل إلى رئاسة الجمهورية في تشرين الاول من العام 2016 على صهوة تسوية سياسيّة متعدّدة الألوان السياسيّة، تشارك فيها أضداد السياسة والوانها المختلفة على ضفتي «8 آذار» و»14 آذار»، لم يسلّم الراية الرئاسية لخَلَفه. كانت لافتة طريقة خروجه غير المألوفة او المسبوقة من القصر الجمهوري قبل انتهاء ولايته بيوم ونص، حيث لم ينتظر حتى نهايتها منتصف ليل امس الاثنين، بل خرج من الرئاسة بلون واحد، وفي احتفالية من لون واحد، ومودَّعاً من جمهور من لون واحد، وممتطياً حصاناً برتقالياً نقله إلى دارته الجديدة في الرابية، التي مهّد الرئيس عون قبل انتهاء ولايته، في مواقفه التي دحرج فيها كرة المسؤولية على كلّ الآخرين، شاهراً سيف المواجهة في كل اتجاه، وما قابل ذلك من ردود عنيفة وجارحة سياسياً وشخصيّاً، إلى أن تُدرج الرابية اعتباراً من يوم امس، كعنوان لجبهة سياسية مصادمة لجبهة عريضة، او بمعنى أدق لجبهات متنوّعة من الخصوم القدامى والجدد.
لا يختلف اثنان من اللبنانيين على انّ البلد منقسم على نفسه إزاء انتهاء ولاية الرئيس عون، بين فريق مغتبط بخروجه من القصر الجمهوري وانتهاء حقبة مؤلمة استمرّت لست سنوات أدير فيها البلد بعقلية التحكّم والإخفاق. وبين فريق مكتئب من هذا الخروج، لا يرى سبيلاً امامه سوى المواجهة الشاملة مع ما يسمّيها «المنظومة» التي أعاقت عهد عون ومنعته من الإنجاز.
على هذه الصورة انتهت الولاية الرئاسية، وعلى هذه الصورة فتحت المرحلة التالية لها. الجميع كانوا مسلّمين بحتمية الفراغ في سدّة الرئاسة وعدم التمكّن من انتخاب خلف للرئيس عون، ولكن لم يكن في حسبان أحد هذا الانتقال الصاخب إلى الفراغ، وفرض وقائع جديدة على المشهد الداخلي المنقسم أصلاً على نفسه، كان من نتائجها السريعة لا بل الفورية، التموضع خلف متاريس الاشتباك السياسي والدستوري. و»الخرطشة» السياسية التي رافقت انتهاء الولاية، تنذر بأنّ الاشتباك حاصل لا محالة، إنما متى وكيف وأين، فالجواب كامن خلف ما تخبئه الايام المقبلة من أحداث وربما مفاجآت.

محاولة فاشلة
ووفق معلومات «الجمهورية» من مصادر موثوقة، فإنّه على رغم الجو المشحون الذي رافق انتهاء ولاية الرئيس عون، جنّد بعض الوسطاء أنفسهم لمحاولة أخيرة لضبط الواقع اللبناني على خط العقل، وتجنيب البلد الانزلاق إلى واقع مجهول وخضات سياسية ودستورية وربما غير ذلك، تكلّف المواطن اللبناني مرارات اضافية اكبر من مرارات الأزمة وأعبائها. وجوهر هذه المحاولة، صياغة اتفاق على ما يمكن تسمّيتها «حكومة الضرورة»، بحيث يبدو فيها كل طرف وكأنّه تقدّم خطوة نحو الآخر. على ان يُصار في حال بلوغ الاتفاق عليها، الى ان تصدر مراسيمها قبل ظهر أمس الاثنين. الّا انّ هذه المحاولة لم تعمّر طويلاً. وعلى ما تقول المصادر الموثوقة، وُئدت في مهدها، وسقطت امام المواقف المتصلّبة وإرادة الاشتباك التي يبدو انّ القرار في شأنه متخذ سلفاً.

قواعد جديدة
على انّ أول ما يتبدّى مع سريان مرحلة الفراغ الرئاسي المفتوحة ربما، على مديات زمنية طويلة، هو القلق الذي يسود مختلف الأوساط السياسية من المجهول الذي سيحكم هذه المرحلة، وما قد يخلقه من وقائع وأكلاف في شتى المجالات. وإذا كانت المستويات السياسية قد دأبت منذ ما قبل انتهاء ولاية عون، على إعداد عدّتها لمواكبة الفراغ، والنأي بنفسها عن تداعياته، بل ومحاولة تثميره لمصلحتها، إلّا أنّ الواقع الجديد يبدو مغايراً لكل ذلك، حيث انّ الامر لا ينحصر فقط في فراغ في سدّة الرئاسة الاولى، وكذلك في فراغ على مستوى السلطة التنفيذية وعدم وجود حكومة كاملة الصلاحيات والمواصفات، بل يتعداهما إلى الفراغ الأخطر المسبب لكل الفراغات، الذي يتجلّى في مغادرة مكونات الصراع السياسي موقع المسؤولية الوطنية، وتمترسها في موقع الصدام، وإعدامها لإرادة التفاهم والاتفاق، على ما هو عليه الحال مع الاستحقاق الرئاسي، برغم انّ اياً منها لا يملك وحده قدرة إدارة دفّة هذا الاستحقاق في الاتجاه الذي تريده.
وفي هذا السياق، يقدّم مرجع سياسي كبير قراءة بالغة التشاؤم لمرحلة الفراغ الرئاسي بقوله لـ»الجمهورية»: «إنّ لبنان مع عدم تمكّنه من انتخاب رئيس جديد للجمهورية، ومع وضع حكومي مهتزّ، ومع وضع سياسي مفكّك، قد دخل اعتباراً من اوّل تشرين الثاني إلى «المنطقة المحرّمة»، المحلّل فيها فقط كلّ ما يضرّ بهذا البلد، وأخطر ما فيها انّ قواعد الاشتباك التي ستحكمها، غير معلومة، حيث انّ هذه القواعد قد تفاجئ الجميع بقساوتها، وتضبط الواقع الداخلي على إيقاعها دون ان تكون لدى أي من المكونات السياسية قدرة التكيّف معها او مجاراتها واللحاق بها. وإزاء هذا الواقع، لا يسعني سوى ان اتمنى الّا تفلت الامور من عقالها، لأنّ الثمن الذي سندفعه سيكون باهظاً جداً».
ورداً على سؤال قال المرجع: «لقد مرّ لبنان بتجارب فراغ سابقة، وعَبَرها بشق النفس، الّا انّ ظروف تلك المراحل مختلفة جذرياً عن الظروف الحالية، حيث انّ لبنان في وضع هو الأخطر في تاريخه، وكل البنيان مهدّد، وحتى على مستوى النظام. قلنا ونكرّر انّ لبنان في النقطة الوسط بين ان يستمر في منحى السقوط على ما هو حاصل حالياً، وبين ان نجنّبه ونجنّب أنفسنا دفع الأثمان الباهظة، ولذلك سبيل وحيد هو الذهاب إلى التوافق على انتخاب رئيس جديد للجمهورية قبل فوات الأوان. على انّ ما يبعث إلى الأسف هو انّ هذه الحقيقة ماثلة امام الجميع، ومع ذلك ثمة من يتعامى عليها ويصرّ على إسقاط البلد وشعبه في قعر الهزيمة».

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار