لبنان القاصر دوماً من الوصاية السورية إلى الوصاية الإيرانية أو الاثنتين معاً؟

الكاتب: سابين عويس | المصدر: النهار
27 نيسان 2023

للمفارقة، تتزامن الذكرى الثامنة عشرة لخروج الجيش السوري من لبنان، على وقْع انتفاضة الاستقلال غداة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، مع عودة محتملة لسوريا الى حضن الجامعة العربية، وذلك بعد الانفتاح الذي بدأ يتبلور لدى عدد من دول الخليج بقيادة المملكة العربية السعودية تجاه نظام بشار الأسد، ما أحيا هواجس دفينة لدى الشريحة الاوسع من المسيحيين حيال عودة الوصاية السورية من باب التسليم العربي بتجربة ما عُرف بـ “السين – سين” أو التقارب السعودي – السوري، وكان لبنان الطبق الرئيسي على طاولته.

يشعر الوسط المسيحي انه المعني الأكبر بهذه الهواجس، نظراً الى ما ترتبه عودة الوصاية من تهميش للدور المسيحي وإلغاء للإرادة المسيحية. وهذا ما يدفع ربما الى السؤال عما اذا كانت هذه الهواجس لها ما يبررها، وما اذا كانت التسوية المقبلة على المنطقة ستقوم فعلاً على وضع لبنان مجدداً تحت الوصاية السورية؟

قبل الوصول الى هذه الخلاصة في تقييم الوضع الذي سيكون عليه لبنان عند انجاز التسويات المتصلة بالمنطقة، لا بد من التوقف عند الوضع الراهن للبلد الذي يخضع لوصاية وإنما من نوع آخر، بعدما تولت الجمهورية الإسلامية الايرانية دور سوريا في الإمساك بالبلد عبر ذراعها العسكرية فيه، أي “حزب الله”. وتتسم هذه الوصاية الجديدة بمخاطر اكبر لأنها تتعلق بمكوّن لبناني يملك السيطرة والنفوذ، ما يعني عملياً ان مشكلة الأطراف المسيحيين ومن يقف الى جانبهم من الطوائف الأخرى تتطلب حواراً داخلياً مع المكوّن الشريك المتمثل بالحزب والقوى الحليفة له ضمن الثنائية الشيعية، حيث لا تصلح القرارات الدولية على غرار القرار 1559 الذي اخرج السوريين من لبنان، لتجريد مكوّن لبناني من سلاحه.

يدرك الوسط المسيحي عجزه عن مواجهة استغلال “الثنائي” لتشتّت القوى المسيحية وفشلها في التوصل الى رؤية موحدة حيال القضايا الشائكة المطروحة. فباستثناء الاجماع على موضوع الساعة ورفض التلاعب بالتوقيت الصيفي، تعجز هذه القوى عن الاتفاق على مرشح موحد لرئاسة الجمهورية تخوض به الكتل النيابية المختلفة الاستحقاق الانتخابي. ويعي المسيحيون ان هذا التشتت في صفوفهم يعزز قوة “الثنائي” ويعطيه الذرائع والمبررات لبسط سلطته ونفوذه على كل مفاصل الدولة، فضلاً عن لجوئه الى فرض مرشحه المسيحي من خلال اعلان دعمه لرئيس “تيار المردة” سليمان فرنجية، قبل ان يرشح الرجل نفسه بشهرين! أو حتى من دون التشاور مع الحلفاء المسيحيين له وعلى رأسهم “التيار الوطني الحر” بقيادة النائب جبران باسيل، وذلك لمعرفة الحزب الموقف المسبق لباسيل من هذا الترشيح، وهو كان ابلغه بوضوح لقيادة الحزب، ولا يزال ثابتا عليه، برفض فرنجية.

حتى الآن، ورغم ارتفاع وتيرة التحرك على المشهد الرئاسي، فإن الأمور لا تزال تدور في مربعها الأول: فرنجية مرشح “الثنائي” في وجه كل القوى المسيحية الأخرى، التقليدية منها او المستقلة او تلك التي افرزتها الانتخابات النيابية الأخيرة.

يأتي لقاء وزير الخارجية الإيراني حسين امير عبد اللهيان الذي يزور لبنان حالياً مجموعة من النواب تضم نحو 25 نائباً في مقر السفارة الإيرانية في بيروت ليضفي مزيداً من القلق والاستياء في الوسط المسيحي، نظراً الى ما يحمله في طياته من دلالات حيال حجم التأثير المباشر لطهران في الشأن اللبناني عموماً والرئاسي خصوصاً، رغم نفي الأوساط القريبة من الحزب أي طابع رئاسي للقاء. لكن الأكيد وفق المعلومات المتوافرة ان طهران تتحرك في اتجاه جسّ نبض النواب المترددين لدفعهم نحو الوقوف الى جانب “الثنائي” عندما يحين أوان الانتخاب، في ظل تعذر تأمين النصاب لانتخاب فرنجية. وترددت معلومات ان طهران غير مستعجلة لانجاز الاستحقاق، وان العمل يجري على حسن إدارة الفراغ، بما يضمن استكمال بسط النفوذ على كل مفاصل السلطة.

من هنا، فإن الوسط المسيحي مدعو الى التحرك الفوري في اتجاه الاتفاق على مرشح يسقط المعادلة التي أطلقها نائب الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم ومفادها “فرنجية أو الفراغ”، لأن استمرار التشتت والانقسام سيؤدي الى الاستفراد بنواب ونقلهم من ضفة الى أخرى، هذا في حال لم يُعد رئيس “التيار الوطني الحر” حساباته، فيجد ان ركوب قطار التسوية بحصة وازنة في السلطة افضل من البقاء خارجها، كما ستكون حال كل من حزبَي الكتائب و”القوات اللبنانية”.

يبقى المشهد على مراوحته الداخلية في انتظار ما سيسفر عنه تنفيذ الاتفاق الإيراني – السعودي، والى أي سلة ستنتقل الوصاية على لبنان القاصر، الى السلة السورية أم ستبقى ضمن السلة الإيرانية في إطار عملية تقاسم نفوذ، علماً ان الوصاية السورية لا بد عائدة وإنما من باب النازحين الذين ستكون لهم كلمتهم قريبا في كل استحقاق داخلي!

لبنان القاصر دوماً من الوصاية السورية إلى الوصاية الإيرانية أو الاثنتين معاً؟

الكاتب: سابين عويس | المصدر: النهار
27 نيسان 2023

للمفارقة، تتزامن الذكرى الثامنة عشرة لخروج الجيش السوري من لبنان، على وقْع انتفاضة الاستقلال غداة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، مع عودة محتملة لسوريا الى حضن الجامعة العربية، وذلك بعد الانفتاح الذي بدأ يتبلور لدى عدد من دول الخليج بقيادة المملكة العربية السعودية تجاه نظام بشار الأسد، ما أحيا هواجس دفينة لدى الشريحة الاوسع من المسيحيين حيال عودة الوصاية السورية من باب التسليم العربي بتجربة ما عُرف بـ “السين – سين” أو التقارب السعودي – السوري، وكان لبنان الطبق الرئيسي على طاولته.

يشعر الوسط المسيحي انه المعني الأكبر بهذه الهواجس، نظراً الى ما ترتبه عودة الوصاية من تهميش للدور المسيحي وإلغاء للإرادة المسيحية. وهذا ما يدفع ربما الى السؤال عما اذا كانت هذه الهواجس لها ما يبررها، وما اذا كانت التسوية المقبلة على المنطقة ستقوم فعلاً على وضع لبنان مجدداً تحت الوصاية السورية؟

قبل الوصول الى هذه الخلاصة في تقييم الوضع الذي سيكون عليه لبنان عند انجاز التسويات المتصلة بالمنطقة، لا بد من التوقف عند الوضع الراهن للبلد الذي يخضع لوصاية وإنما من نوع آخر، بعدما تولت الجمهورية الإسلامية الايرانية دور سوريا في الإمساك بالبلد عبر ذراعها العسكرية فيه، أي “حزب الله”. وتتسم هذه الوصاية الجديدة بمخاطر اكبر لأنها تتعلق بمكوّن لبناني يملك السيطرة والنفوذ، ما يعني عملياً ان مشكلة الأطراف المسيحيين ومن يقف الى جانبهم من الطوائف الأخرى تتطلب حواراً داخلياً مع المكوّن الشريك المتمثل بالحزب والقوى الحليفة له ضمن الثنائية الشيعية، حيث لا تصلح القرارات الدولية على غرار القرار 1559 الذي اخرج السوريين من لبنان، لتجريد مكوّن لبناني من سلاحه.

يدرك الوسط المسيحي عجزه عن مواجهة استغلال “الثنائي” لتشتّت القوى المسيحية وفشلها في التوصل الى رؤية موحدة حيال القضايا الشائكة المطروحة. فباستثناء الاجماع على موضوع الساعة ورفض التلاعب بالتوقيت الصيفي، تعجز هذه القوى عن الاتفاق على مرشح موحد لرئاسة الجمهورية تخوض به الكتل النيابية المختلفة الاستحقاق الانتخابي. ويعي المسيحيون ان هذا التشتت في صفوفهم يعزز قوة “الثنائي” ويعطيه الذرائع والمبررات لبسط سلطته ونفوذه على كل مفاصل الدولة، فضلاً عن لجوئه الى فرض مرشحه المسيحي من خلال اعلان دعمه لرئيس “تيار المردة” سليمان فرنجية، قبل ان يرشح الرجل نفسه بشهرين! أو حتى من دون التشاور مع الحلفاء المسيحيين له وعلى رأسهم “التيار الوطني الحر” بقيادة النائب جبران باسيل، وذلك لمعرفة الحزب الموقف المسبق لباسيل من هذا الترشيح، وهو كان ابلغه بوضوح لقيادة الحزب، ولا يزال ثابتا عليه، برفض فرنجية.

حتى الآن، ورغم ارتفاع وتيرة التحرك على المشهد الرئاسي، فإن الأمور لا تزال تدور في مربعها الأول: فرنجية مرشح “الثنائي” في وجه كل القوى المسيحية الأخرى، التقليدية منها او المستقلة او تلك التي افرزتها الانتخابات النيابية الأخيرة.

يأتي لقاء وزير الخارجية الإيراني حسين امير عبد اللهيان الذي يزور لبنان حالياً مجموعة من النواب تضم نحو 25 نائباً في مقر السفارة الإيرانية في بيروت ليضفي مزيداً من القلق والاستياء في الوسط المسيحي، نظراً الى ما يحمله في طياته من دلالات حيال حجم التأثير المباشر لطهران في الشأن اللبناني عموماً والرئاسي خصوصاً، رغم نفي الأوساط القريبة من الحزب أي طابع رئاسي للقاء. لكن الأكيد وفق المعلومات المتوافرة ان طهران تتحرك في اتجاه جسّ نبض النواب المترددين لدفعهم نحو الوقوف الى جانب “الثنائي” عندما يحين أوان الانتخاب، في ظل تعذر تأمين النصاب لانتخاب فرنجية. وترددت معلومات ان طهران غير مستعجلة لانجاز الاستحقاق، وان العمل يجري على حسن إدارة الفراغ، بما يضمن استكمال بسط النفوذ على كل مفاصل السلطة.

من هنا، فإن الوسط المسيحي مدعو الى التحرك الفوري في اتجاه الاتفاق على مرشح يسقط المعادلة التي أطلقها نائب الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم ومفادها “فرنجية أو الفراغ”، لأن استمرار التشتت والانقسام سيؤدي الى الاستفراد بنواب ونقلهم من ضفة الى أخرى، هذا في حال لم يُعد رئيس “التيار الوطني الحر” حساباته، فيجد ان ركوب قطار التسوية بحصة وازنة في السلطة افضل من البقاء خارجها، كما ستكون حال كل من حزبَي الكتائب و”القوات اللبنانية”.

يبقى المشهد على مراوحته الداخلية في انتظار ما سيسفر عنه تنفيذ الاتفاق الإيراني – السعودي، والى أي سلة ستنتقل الوصاية على لبنان القاصر، الى السلة السورية أم ستبقى ضمن السلة الإيرانية في إطار عملية تقاسم نفوذ، علماً ان الوصاية السورية لا بد عائدة وإنما من باب النازحين الذين ستكون لهم كلمتهم قريبا في كل استحقاق داخلي!

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار