بين الارتقاء وغريزة البقاء

إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَومٍ حَتّى يُغَيِّروا ما بِأَنفُسِهِم
تغيير اللعبة أو اللاعبين، سؤال يطرح نفسه في لبنان عند كل مفترق أو تأزّم، هل إن بنية الدولة وما تقوم عليه من دستور وقوانين ومؤسسات، هي مكمَنُ العلّة والموضع الذي ينبغي أن ينصبّ عليه العلاج أم أنّ المشكلة هي في مَن أداروا ويديرون عجلة هذه الدولة (أو يعطّلوها) ويصبغوها بألوان صباغهم التي تطغى على حيادها ويفرضون منطقهم بدل منطقها.
البحث عن حلول لمشكلة بنيوية ما في النظام اللبناني ملازم لتاريخ هذا البلد منذ تأسيس دولته العام 1920 ولم يزل. والسبب الواضح هو فشل نُخبِه الحاكمة في تأسيس وتطبيق مفهوم المواطنة الواحدة التي كان من شأنها منع الاستقواء بالخارج، والتي لا بدّ أن تكون قائمة على الوحدة في التنوّع أي في وضع ضماناتٍ للمشاركة الفاعلة للجميع في إدارة الشأن العام، تتلازم مع ضوابطَ تمنع الهيمنة وتحول دون الاستئثار. هذا يتناقض مع مفهوم الطائفة المهيمنة أو الحاكمة التي يسعى إليها أقوياء اليوم ويحِنّ إليها أقوياء الأمس.
لم يكن مستغربًا ما صرّح به بالأمس رئيس حزب القوّات اللبنانية سمير جعجع في ختام اليوم الانتخابي الرئاسي الذي شهد دورة الاقتراع الثانية عشرة لانتخاب رئيس للجمهورية، من أن تركيبة الدولة بصيغتها الحالية تحتاج إلى تغيير. هذا التصريح الذي أراد من خلاله القول بأنّ الاستمرار في النهج القائم يفتح باب البحث عن حلول “جذرية” لم يتطرق إليها، يعبّر عن تشخيص “الحكيم” بوجود مرض في جسم النظام القائم.
التشخيص ربما هو في محلّه، ولكن الخشية تكمن في الدواء الموصوف، لا سيما في خضمّ الطروحات التقسيميّة المتكاثرة. واللافت أن الرغبة في تغيير قواعد اللعبة تتلاقى مع طروحات مَن يخاصمهم رئيس القوات في السياسة وينسبُ إليهم تقويض مفهوم الدولة من خلال “الاستقواء” عليها وعلى الآخرين وفرض خياراتهم في المحاور وفي قرار الحرب والسلم وصولًا إلى اختيار الرئيس والثلث المعطّل أو الضامن في الحكومات. فهؤلاء يعملون أيضًا، من موقعهم وبالاستناد إلى عناصر قوّتهم ووهج انتصاراتهم، على تغيير قواعد العمل الدستوري من خلال إحلال منطق الاتفاق خارج المؤسسات محلّ منطق التسليم بعمل هذه الأخيرة وسيرها الطبيعي وفق أصوله الدستورية، وصولًا إلى محاولة تغيير مؤسّساتي لموازين القوى في المواقع الدستورية والأمنية والمالية في الدولة.
بُنيَة الدولة اللبنانية مدنيّة، ودستورها قام على قواعد تفتح مجال التخلص من منطق التقاسم الطائفي للدولة ومواردها، وإمكان ارتقاء الأفضل إلى سدّة المسؤولية، ولكن تحقيق ذلك شبه مستحيل من قبل القوى التي تتناقض بنيويًا مع ذلك المنطق، لأن غريزة البقاء تمنعها من القيام بما يؤدي إلى زوالها. وهذا ما يحصل أخيرًا في الترشيح للرئاسة.
منطقيًا حين تتقاطع جماعات مختلفة، أو تتفق على مسألة خلافية أو على اختيار شخص يمثلها، يكون الاتفاق على ما، أو مَنْ، سقفُه أعلى من سقوفها مجتمعةً، أو على من هو الأفضل بينها، ولكن الاختيار الذي يحصل في الترشيح الرئاسي ليس للأفضل إنما لمن يضمن للزعماء البقاء.
الانتخاب في معناه اللغوي يفترض اختيار الأفضل، فيُقال: انتخب الشَّيءَ: نخبَه، اختاره، وانتقاه. ونَخَبَ الشيءَ : أخذ أَحسَنَهُ وأفضَله.
حتى إن غياب الترشّح للرئاسة عن النص الدستوري، الذي فسّره الفقهاء بأنه نقص وخلل، هو في الحقيقة شكل آخر من أشكال الارتقاء بالمنصب، واختيارُ أفضلِ القوم دون أن يُرشّح نفسَه يَفتَرضُ التواضع والترفّع، ويستبعد الأنا القاتلة.
أَلا أحسِنوا الاختيار حين تتقاطعون.
بين الارتقاء وغريزة البقاء

إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَومٍ حَتّى يُغَيِّروا ما بِأَنفُسِهِم
تغيير اللعبة أو اللاعبين، سؤال يطرح نفسه في لبنان عند كل مفترق أو تأزّم، هل إن بنية الدولة وما تقوم عليه من دستور وقوانين ومؤسسات، هي مكمَنُ العلّة والموضع الذي ينبغي أن ينصبّ عليه العلاج أم أنّ المشكلة هي في مَن أداروا ويديرون عجلة هذه الدولة (أو يعطّلوها) ويصبغوها بألوان صباغهم التي تطغى على حيادها ويفرضون منطقهم بدل منطقها.
البحث عن حلول لمشكلة بنيوية ما في النظام اللبناني ملازم لتاريخ هذا البلد منذ تأسيس دولته العام 1920 ولم يزل. والسبب الواضح هو فشل نُخبِه الحاكمة في تأسيس وتطبيق مفهوم المواطنة الواحدة التي كان من شأنها منع الاستقواء بالخارج، والتي لا بدّ أن تكون قائمة على الوحدة في التنوّع أي في وضع ضماناتٍ للمشاركة الفاعلة للجميع في إدارة الشأن العام، تتلازم مع ضوابطَ تمنع الهيمنة وتحول دون الاستئثار. هذا يتناقض مع مفهوم الطائفة المهيمنة أو الحاكمة التي يسعى إليها أقوياء اليوم ويحِنّ إليها أقوياء الأمس.
لم يكن مستغربًا ما صرّح به بالأمس رئيس حزب القوّات اللبنانية سمير جعجع في ختام اليوم الانتخابي الرئاسي الذي شهد دورة الاقتراع الثانية عشرة لانتخاب رئيس للجمهورية، من أن تركيبة الدولة بصيغتها الحالية تحتاج إلى تغيير. هذا التصريح الذي أراد من خلاله القول بأنّ الاستمرار في النهج القائم يفتح باب البحث عن حلول “جذرية” لم يتطرق إليها، يعبّر عن تشخيص “الحكيم” بوجود مرض في جسم النظام القائم.
التشخيص ربما هو في محلّه، ولكن الخشية تكمن في الدواء الموصوف، لا سيما في خضمّ الطروحات التقسيميّة المتكاثرة. واللافت أن الرغبة في تغيير قواعد اللعبة تتلاقى مع طروحات مَن يخاصمهم رئيس القوات في السياسة وينسبُ إليهم تقويض مفهوم الدولة من خلال “الاستقواء” عليها وعلى الآخرين وفرض خياراتهم في المحاور وفي قرار الحرب والسلم وصولًا إلى اختيار الرئيس والثلث المعطّل أو الضامن في الحكومات. فهؤلاء يعملون أيضًا، من موقعهم وبالاستناد إلى عناصر قوّتهم ووهج انتصاراتهم، على تغيير قواعد العمل الدستوري من خلال إحلال منطق الاتفاق خارج المؤسسات محلّ منطق التسليم بعمل هذه الأخيرة وسيرها الطبيعي وفق أصوله الدستورية، وصولًا إلى محاولة تغيير مؤسّساتي لموازين القوى في المواقع الدستورية والأمنية والمالية في الدولة.
بُنيَة الدولة اللبنانية مدنيّة، ودستورها قام على قواعد تفتح مجال التخلص من منطق التقاسم الطائفي للدولة ومواردها، وإمكان ارتقاء الأفضل إلى سدّة المسؤولية، ولكن تحقيق ذلك شبه مستحيل من قبل القوى التي تتناقض بنيويًا مع ذلك المنطق، لأن غريزة البقاء تمنعها من القيام بما يؤدي إلى زوالها. وهذا ما يحصل أخيرًا في الترشيح للرئاسة.
منطقيًا حين تتقاطع جماعات مختلفة، أو تتفق على مسألة خلافية أو على اختيار شخص يمثلها، يكون الاتفاق على ما، أو مَنْ، سقفُه أعلى من سقوفها مجتمعةً، أو على من هو الأفضل بينها، ولكن الاختيار الذي يحصل في الترشيح الرئاسي ليس للأفضل إنما لمن يضمن للزعماء البقاء.
الانتخاب في معناه اللغوي يفترض اختيار الأفضل، فيُقال: انتخب الشَّيءَ: نخبَه، اختاره، وانتقاه. ونَخَبَ الشيءَ : أخذ أَحسَنَهُ وأفضَله.
حتى إن غياب الترشّح للرئاسة عن النص الدستوري، الذي فسّره الفقهاء بأنه نقص وخلل، هو في الحقيقة شكل آخر من أشكال الارتقاء بالمنصب، واختيارُ أفضلِ القوم دون أن يُرشّح نفسَه يَفتَرضُ التواضع والترفّع، ويستبعد الأنا القاتلة.
أَلا أحسِنوا الاختيار حين تتقاطعون.






