“الحزب” مستفيد جداً من الأزمة! كيف؟ ولماذا؟

لم تقف الأزمات الاقتصادية والمالية والنقدية حجر عثرة أمام أرباب السلطة في لبنان بشكل عام، و»حزب الله» بشكل خاص، لا بل على العكس كانت هذه الأزمات التي توالت على كاهل الاقتصاد اللبناني، فرصة تلقفها هؤلاء للاستفادة من الوضع المزري القائم، ولزيادة أرباحهم ومداخيلهم و»تنفيعات» أتباعهم بطرق مختلفة. وعلى عادتهم، كانت هذه الزيادة خاضعة لقانون المحاصصة إياه وعُرف التقاسم المعروف والمتّبَع في ما بينهم باعتباره من «عدّة الشغل». لكن في هذه الأزمة بالذات، كانت لـ»حزب الله» اليد الطولى في هذه الاستفادة بحكم الأمر الواقع، وكانت له القطعة الكبرى من قالب الحلوى الموضوع على طاولة التحاصص.
إستفادة «حزب الله» من الأزمة الاقتصادية في لبنان لها عدة أوجه: فهو أوّلًا من بعد اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري في العام 2005، قرّر أن يصبح شريكاً في السلطة التنفيذية ممثلاً بوزراء عدّة، وكل الحكومات التي تعاقبت منذ ما قبل الحرب الأهلية حتى ما بعد اغتيال الرئيس الحريري كانت كلها حكومات غطّت الفساد واتفقت على تقسيمه من خلال المحاصصة في ملفات عدة، أو توزيع الوزارات الخدماتية والسيادية منها مثل وزارة الطاقة أو الأشغال أو الصحة أو غيرها…
وبمجرد أن أصبح «حزب الله» شريكاً في السلطة التنفيذية وتولّى مهامَّ بعض الوزارات، فهذا يعني دخوله في لعبة التحاصص والتقاسم ولعبة الفساد في لبنان.
شريك في السلطة والمحاصصة والفساد
ومن بين الوزارات التي تولاها «حزب الله» كانت وزارة الصحة ووزارة الطاقة… هذه الوزارات التي لم تخلُ من الهدر والفساد، وهذا يعني أنه لم يختلف عن غيره من الأحزاب اللبنانية الأخرى في ما يتعلّق بالمحاصصة والفساد.
بالنسبة لموضوع الأمن، فإنّ أحداث السابع من أيار 2008 في بيروت، والثلاثاء الأسود وغيرها… كانت كلها مؤشرات سلبية على الاقتصاد الوطني اللبناني. وعندما نتكلّم عن مؤشرات سلبية فإنّنا نعني المؤشرات المتعلقة بتدفّق الاستثمارات ومجيء السيّاح وإلى ما ذلك… ولكن المؤكّد أنّ الأزمة اشتدّت في العام 2011، أي بعد اندلاع الحرب السورية عندما صعّد «حزب الله» خطابه بشكل كبير، حتى أصبح خطاباً قاسياً وحادّاً تجاه دول الخليج العربي، الأمر الذي أدّى إلى توقف تدفّق الأموال من خلال السياح الخليجيين، ومن خلال الاستثمارات الخارجية أيضاً، حيث إنّ النسبة الكبرى من هذه الاستثمارات كانت من قبل دول الخليج العربي، كما أن النسبة الكبرى من صادرات لبنان كانت إلى هذه الدول.
العقوبات الأميركية
إضافة إلى ذلك، وفي نفس الإطار، كان لبنان واقعاً تحت ضغط العقوبات الأميركية على «حزب الله»، ومنع ولوج شخصيات منتمية لـ»حزب الله»، إلى النظام المالي العالمي، وبالطبع كان لهذا الأمر بالغ الأثر في الثقة بالمصارف اللبنانية التي اهتزّت. فعلى الرغم من وجود جميع القوانين مثل هيفبا 1 وهيفبا 2، وعلى الرغم من كل التعاميم التي صدرت من حاكم مصرف لبنان التي تلزم المصارف بإقفال كل الحسابات العائدة إلى شخصيات من «حزب الله» وعدم السماح بالتعامل معها، إلا أنّ بعض هذه الشخصيات إستمرّت بالاستفادة من النظام المصرفي في لبنان بأشكال وطرق مختلفة، الأمر الذي لطالما كانت الإدارة الأميركية تحذّر منه، حيث إنّ المراكز الأساسية والإدارات المركزية للمصارف تلتزم بتعاميم مصرف لبنان إنما الكثير من الفروع المصرفية لا تلتزم بحرفية هذه التعاميم، وهكذا فإن بعض الشخصيات التي تنتمي إلى «حزب الله» أو مقربة منه كانت تستفيد من هذه المصارف.
وهنا لا بد من ذكر جمّال ترست بنك الذي انسحب بعد أن أُدرِج على لائحة العقوبات، وطلبت وزارة الخزانة الأميركية تصفيته ذاتيّاً، في أيلول 2019 أي قبل انطلاق ثورة 17 تشرين الأول، فخرج من البلد نتيجة لذلك ما يقرب من مليار دولار بحسب حاكم مصرف لبنان رياض سلامة.
الجميع شركاء
بالإنتقال إلى مرحلة ما بعد الثورة، لا بد من الإشارة إلى أن جميع أركان السلطة استفادوا من الأزمة بشكل أو بآخر، إلا أن «حزب الله» بنفوذه استفاد في بعض الجوانب بشكل أكبر من الآخرين. فمع بداية تدهور الليرة اللبنانية مقابل الدولار الأميركي أو ما يعرف بزيادة سعر الصرف، تعرضت الساحة النقدية لخضات كبيرة، ولوحظ نفوذ كبير للغاية للصيارفة وخاصة في منطقة الضاحية الجنوبية ومنطقة شتورا حيث يهيمن «حزب الله»، ما أدّى إلى إدراج بعض الصرافين التابعين لـ»الحزب» على لائحة العقوبات. يُذكر في السياق نفسه أن رواتب العاملين والمتفرغين في «حزب الله»، كانت في تلك المرحلة تُصرف بالعملة الخضراء وكانت تلعب دوراً في ارتفاع سعر صرف الدولار مقابل الليرة أو انخفاضه في السوق الموازية.
كما أن سلسلة الأحداث المتنقلة في الشارع اللبناني، من قطع طرقات وإشعال إطارات وغيرها من الأحداث التي رُسمت حولها علامات استفهام عديدة حينها، أُجبِر على إثرها حاكم مصرف لبنان على ضخ دولارات في السوق وبيعها على سعر صرف 3800 ليرة لبنانية للدولار الواحد، الأمر الذي استفادت منه شبكة الصرافين بشكل كبير.
باب المحروقات
باب آخر من الأبواب التي استفاد منها «حزب الله» في الأزمة، كان من خلال دعم المحروقات، الذي هُدرت فيه مليارات الدولارات من أموال المودعين، واستفادت منه أيضاً سائر القوى في السلطة، بواسطة التهريب عبر المعابر البرية غير الشرعية، بل وحتى الشرعية، والمرافئ مثل مرفأ بيروت والمطار. في هذا المجال كانت سطوة «حزب الله» هي الأقوى بين سائر القوى على الساحة اللبنانية، إلا أنّ هذا لا ينفي استفادة هذه القوى أيضاً من عمليات التهريب، بكلمات أخرى يمكننا القول إن التهريب في لبنان يخضع لمبدأ «6 و6 مكرّر». في تلك المرحلة نشط التهريب بشكل كبير للغاية وخاصة تهريب المحروقات، وكان هناك العديد من الأحداث التي وثّقت هذا الأمر.
الدواء
في موضوع الصناعات الدوائية، استغل «حزب الله» النقص الحاد في الأدوية المدعومة في السوق اللبنانية، وفتح الباب لدخول الأدوية الإيرانية والسورية إلى لبنان مستفيداً من كون وزارة الصحة من «حصته» في عدة حكومات تشكلت قبل بداية الأزمة وبعدها، فشرّع ما يسمّى باستيراد الضرورة للأدوية، ليدخل إلى السوق الدوائية اللبنانية ما يشاء من أدوية ومنتجات صيدلانية أخرى دون المرور عبر وزارة الصحة ودون الخضوع لأي اختبار جودة قبل السماح له بالوصول إلى السوق الدوائية اللبنانية.
الكبتاغون
أما ما شكّل للبنان أزمة كبيرة فكان موضوع الكبتاغون الذي كان يهرّب من مرفأ بيروت إلى دول الجوار، وهذا ما أدّى إلى أن تحظر دول الخليج دخول المنتوجات اللبنانية إلى أراضيها، إضافة إلى حظر مجيء السيّاح الخليجيين إلى لبنان بسبب الوضع السياسي. فنحن اليوم نتكلم عن تعزيز العجز في الميزان التجاري في لبنان لأن حظر الصادرات اللبنانية إلى دول الخليج يؤدي بطبيعة الحال إلى نقص في دخول العملة الخضراء إلى لبنان.
الخلاصة
من كل ما سبق يمكننا القول إن «حزب الله» استفاد بشكل كبير من الأزمة من خلال سياسات الدعم والتهريب وغيرها من الوسائل الأخرى، وإنّ «حزب الله» هو جزء لا يتجزأ من المنظومة التي أحكمت قبضتها على البلد، والتي استفادت من الفساد طوال هذه العقود. وقد سمعنا الكثير عن نية لفتح ملفات الفساد، لكن على أرض الواقع لم يُفتَح أيّ ملف!
المحامي مجد حرب: بروباغندا «حزب الله» الإعلامية
يرى المحامي مجد حرب في هذا السياق أنّ «حزب الله استعمل الأزمة الاقتصادية ليعيد فرض هيبته ببروباغندا إعلامية جديدة مبنية على ادّعاء أنه لا تؤثر فيه أزمة كهذه، خاصة بسبب وجود كمية كبيرة من الدولارات في مخازنه ومع اتباعه. وقد جرى تصوير هذه المبالغ ونشرها في إطار البروباغندا نفسها، حيث كان الهدف إيصال الرسالة أن جمهوره لا يتأثر ولا يجوع ويحصل على رواتبه بالعملة الصعبة، بخلاف القسم الآخر من اللبنانيين الذين يخضعون للقانون لمجرّد أنهم ليسوا من أتباع «حزب الله». هذا الجزء الأول من البروباغندا انتهى عندما بدأ الحديث في أوساط الحزب الشعبية عن وسائل الصمود البديلة من مثل الزراعة على الشرفات وما إلى ذلك، كما الحديث عن ارتفاع حالات الانتحار في المناطق التابعة لنفوذه، ما بدأ يسلط الضوء على النقمة الشعبية في هذه الأوساط».
حاكميّة مصرف لبنان شريكة لـ«حزب الله»
من جهة أخرى يؤكّد حرب أنّ «حزب الله استفاد بالدرجة الأولى من سياسات مصرف لبنان التي أبقت على الدعم وزادت من حجمه، وكان ذلك تلقائيّاً بسبب تدهور العملة الوطنية، فأصبحت قيمة الدعم كبيرة جدّاً، وبالتالي تهريب البضائع المدعومة إلى سوريا أدى إلى بيعها بهامش ربح أعلى بكثير لصالح حزب الله».
في هذه الحالة، بحسب حرب، «كانت حاكمية مصرف لبنان شريكة لـ»حزب الله» الذي كان يستفيد من سياسة مصرف لبنان وسائر المصارف من خلال الدعم».
كذلك استفاد «الحزب»، برأي حرب، «من تحويل الاقتصاد اللبناني إلى اقتصاد نقدي مدولر حيث تكون العملة الورقية هي الأساس، فتحوّل نشاط «حزب الله» الذي كان يعتمد على وسائل متطورة جدّاً لتبييض الأموال، ولم يعد بحاجة إلى هذه الوسائل حيث أصبح قادراً على استخدام المبالغ النقدية بحرية أكبر، ولأن المصارف متلهفة على الدولار، خفّضت رقابتها على الأموال المهرّبة».
على صعيد آخر، يشير حرب «إلى تجارة الكبتاغون التي نشطت في هذا الوقت كما يعلم الجميع. كذلك الأمر بالنسبة إلى الدواء الذي استمر عليه الدعم واستمر معه التهريب».
القرض الحسن ملأ الفراغ الذي تركته المصارف
وهكذا ازداد نشاط مؤسسة القرض الحسن، برأي حرب، «بسبب الحاجة عند جميع اللبنانيين، إلى استدانة هذه الأموال، ومع الفراغ الكبير الذي تركته المصارف اللبنانية استطاع القرض الحسن أن يملأه حتى وصل بفروعه إلى مناطق غير خاضعة لنفوذه. هذه المصارف التي كان دورها إقراض الناس وتحريك العجلة الاقتصادية، لكن الأسوأ الذي ارتكبته هذه المصارف كان عندما أقرضت الدولة».
تحويل اللبنانيين إلى آلة لتبييض الأموال
ويصرّ حرب على أهمية المطالبة بسلطة الدولة وسلطة القانون، وتطبيق هذا القانون بشكل متساوٍ على جميع اللبنانيين. ويشدّد بالتالي على أنّ «الطريقة الوحيدة لمواجهة سيطرة «حزب الله» على الاقتصاد النقدي، وعلى الاقتصاد اللبناني هي في معاملته مثل سائر اللبنانيين سواء بسواء، في جباية الضرائب والكهرباء والجمارك وغيرها… بدلاً من زيادتها مع الواقع المعروف حيث لا تجبى هذه الأموال إلا من فئة معروفة من المواطنين، ولا يكون ذلك إلا ببناء دولة قادرة وعادلة في خطوة أولى. أما الخطوة الثانية، وهي أساسية جدّاً بنظر حرب، فتكون بإعادة العجلة الاقتصادية إلى حركتها التي يجب أن تتحرّك بها، وذلك من خلال تأمين تراخيص جديدة لمؤسسات ومصارف وجمعيات… تؤمّن بدورها القروض المشروطة والمدعومة للإسكان والمشاريع الاقتصادية والسياحية والصناعية… بفوائد مقبولة بدلاً من القرض الحسن الذي حوّل الشعب اللبناني إلى آلة لتبييض الأموال بيد حزب الله».
“الحزب” مستفيد جداً من الأزمة! كيف؟ ولماذا؟

لم تقف الأزمات الاقتصادية والمالية والنقدية حجر عثرة أمام أرباب السلطة في لبنان بشكل عام، و»حزب الله» بشكل خاص، لا بل على العكس كانت هذه الأزمات التي توالت على كاهل الاقتصاد اللبناني، فرصة تلقفها هؤلاء للاستفادة من الوضع المزري القائم، ولزيادة أرباحهم ومداخيلهم و»تنفيعات» أتباعهم بطرق مختلفة. وعلى عادتهم، كانت هذه الزيادة خاضعة لقانون المحاصصة إياه وعُرف التقاسم المعروف والمتّبَع في ما بينهم باعتباره من «عدّة الشغل». لكن في هذه الأزمة بالذات، كانت لـ»حزب الله» اليد الطولى في هذه الاستفادة بحكم الأمر الواقع، وكانت له القطعة الكبرى من قالب الحلوى الموضوع على طاولة التحاصص.
إستفادة «حزب الله» من الأزمة الاقتصادية في لبنان لها عدة أوجه: فهو أوّلًا من بعد اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري في العام 2005، قرّر أن يصبح شريكاً في السلطة التنفيذية ممثلاً بوزراء عدّة، وكل الحكومات التي تعاقبت منذ ما قبل الحرب الأهلية حتى ما بعد اغتيال الرئيس الحريري كانت كلها حكومات غطّت الفساد واتفقت على تقسيمه من خلال المحاصصة في ملفات عدة، أو توزيع الوزارات الخدماتية والسيادية منها مثل وزارة الطاقة أو الأشغال أو الصحة أو غيرها…
وبمجرد أن أصبح «حزب الله» شريكاً في السلطة التنفيذية وتولّى مهامَّ بعض الوزارات، فهذا يعني دخوله في لعبة التحاصص والتقاسم ولعبة الفساد في لبنان.
شريك في السلطة والمحاصصة والفساد
ومن بين الوزارات التي تولاها «حزب الله» كانت وزارة الصحة ووزارة الطاقة… هذه الوزارات التي لم تخلُ من الهدر والفساد، وهذا يعني أنه لم يختلف عن غيره من الأحزاب اللبنانية الأخرى في ما يتعلّق بالمحاصصة والفساد.
بالنسبة لموضوع الأمن، فإنّ أحداث السابع من أيار 2008 في بيروت، والثلاثاء الأسود وغيرها… كانت كلها مؤشرات سلبية على الاقتصاد الوطني اللبناني. وعندما نتكلّم عن مؤشرات سلبية فإنّنا نعني المؤشرات المتعلقة بتدفّق الاستثمارات ومجيء السيّاح وإلى ما ذلك… ولكن المؤكّد أنّ الأزمة اشتدّت في العام 2011، أي بعد اندلاع الحرب السورية عندما صعّد «حزب الله» خطابه بشكل كبير، حتى أصبح خطاباً قاسياً وحادّاً تجاه دول الخليج العربي، الأمر الذي أدّى إلى توقف تدفّق الأموال من خلال السياح الخليجيين، ومن خلال الاستثمارات الخارجية أيضاً، حيث إنّ النسبة الكبرى من هذه الاستثمارات كانت من قبل دول الخليج العربي، كما أن النسبة الكبرى من صادرات لبنان كانت إلى هذه الدول.
العقوبات الأميركية
إضافة إلى ذلك، وفي نفس الإطار، كان لبنان واقعاً تحت ضغط العقوبات الأميركية على «حزب الله»، ومنع ولوج شخصيات منتمية لـ»حزب الله»، إلى النظام المالي العالمي، وبالطبع كان لهذا الأمر بالغ الأثر في الثقة بالمصارف اللبنانية التي اهتزّت. فعلى الرغم من وجود جميع القوانين مثل هيفبا 1 وهيفبا 2، وعلى الرغم من كل التعاميم التي صدرت من حاكم مصرف لبنان التي تلزم المصارف بإقفال كل الحسابات العائدة إلى شخصيات من «حزب الله» وعدم السماح بالتعامل معها، إلا أنّ بعض هذه الشخصيات إستمرّت بالاستفادة من النظام المصرفي في لبنان بأشكال وطرق مختلفة، الأمر الذي لطالما كانت الإدارة الأميركية تحذّر منه، حيث إنّ المراكز الأساسية والإدارات المركزية للمصارف تلتزم بتعاميم مصرف لبنان إنما الكثير من الفروع المصرفية لا تلتزم بحرفية هذه التعاميم، وهكذا فإن بعض الشخصيات التي تنتمي إلى «حزب الله» أو مقربة منه كانت تستفيد من هذه المصارف.
وهنا لا بد من ذكر جمّال ترست بنك الذي انسحب بعد أن أُدرِج على لائحة العقوبات، وطلبت وزارة الخزانة الأميركية تصفيته ذاتيّاً، في أيلول 2019 أي قبل انطلاق ثورة 17 تشرين الأول، فخرج من البلد نتيجة لذلك ما يقرب من مليار دولار بحسب حاكم مصرف لبنان رياض سلامة.
الجميع شركاء
بالإنتقال إلى مرحلة ما بعد الثورة، لا بد من الإشارة إلى أن جميع أركان السلطة استفادوا من الأزمة بشكل أو بآخر، إلا أن «حزب الله» بنفوذه استفاد في بعض الجوانب بشكل أكبر من الآخرين. فمع بداية تدهور الليرة اللبنانية مقابل الدولار الأميركي أو ما يعرف بزيادة سعر الصرف، تعرضت الساحة النقدية لخضات كبيرة، ولوحظ نفوذ كبير للغاية للصيارفة وخاصة في منطقة الضاحية الجنوبية ومنطقة شتورا حيث يهيمن «حزب الله»، ما أدّى إلى إدراج بعض الصرافين التابعين لـ»الحزب» على لائحة العقوبات. يُذكر في السياق نفسه أن رواتب العاملين والمتفرغين في «حزب الله»، كانت في تلك المرحلة تُصرف بالعملة الخضراء وكانت تلعب دوراً في ارتفاع سعر صرف الدولار مقابل الليرة أو انخفاضه في السوق الموازية.
كما أن سلسلة الأحداث المتنقلة في الشارع اللبناني، من قطع طرقات وإشعال إطارات وغيرها من الأحداث التي رُسمت حولها علامات استفهام عديدة حينها، أُجبِر على إثرها حاكم مصرف لبنان على ضخ دولارات في السوق وبيعها على سعر صرف 3800 ليرة لبنانية للدولار الواحد، الأمر الذي استفادت منه شبكة الصرافين بشكل كبير.
باب المحروقات
باب آخر من الأبواب التي استفاد منها «حزب الله» في الأزمة، كان من خلال دعم المحروقات، الذي هُدرت فيه مليارات الدولارات من أموال المودعين، واستفادت منه أيضاً سائر القوى في السلطة، بواسطة التهريب عبر المعابر البرية غير الشرعية، بل وحتى الشرعية، والمرافئ مثل مرفأ بيروت والمطار. في هذا المجال كانت سطوة «حزب الله» هي الأقوى بين سائر القوى على الساحة اللبنانية، إلا أنّ هذا لا ينفي استفادة هذه القوى أيضاً من عمليات التهريب، بكلمات أخرى يمكننا القول إن التهريب في لبنان يخضع لمبدأ «6 و6 مكرّر». في تلك المرحلة نشط التهريب بشكل كبير للغاية وخاصة تهريب المحروقات، وكان هناك العديد من الأحداث التي وثّقت هذا الأمر.
الدواء
في موضوع الصناعات الدوائية، استغل «حزب الله» النقص الحاد في الأدوية المدعومة في السوق اللبنانية، وفتح الباب لدخول الأدوية الإيرانية والسورية إلى لبنان مستفيداً من كون وزارة الصحة من «حصته» في عدة حكومات تشكلت قبل بداية الأزمة وبعدها، فشرّع ما يسمّى باستيراد الضرورة للأدوية، ليدخل إلى السوق الدوائية اللبنانية ما يشاء من أدوية ومنتجات صيدلانية أخرى دون المرور عبر وزارة الصحة ودون الخضوع لأي اختبار جودة قبل السماح له بالوصول إلى السوق الدوائية اللبنانية.
الكبتاغون
أما ما شكّل للبنان أزمة كبيرة فكان موضوع الكبتاغون الذي كان يهرّب من مرفأ بيروت إلى دول الجوار، وهذا ما أدّى إلى أن تحظر دول الخليج دخول المنتوجات اللبنانية إلى أراضيها، إضافة إلى حظر مجيء السيّاح الخليجيين إلى لبنان بسبب الوضع السياسي. فنحن اليوم نتكلم عن تعزيز العجز في الميزان التجاري في لبنان لأن حظر الصادرات اللبنانية إلى دول الخليج يؤدي بطبيعة الحال إلى نقص في دخول العملة الخضراء إلى لبنان.
الخلاصة
من كل ما سبق يمكننا القول إن «حزب الله» استفاد بشكل كبير من الأزمة من خلال سياسات الدعم والتهريب وغيرها من الوسائل الأخرى، وإنّ «حزب الله» هو جزء لا يتجزأ من المنظومة التي أحكمت قبضتها على البلد، والتي استفادت من الفساد طوال هذه العقود. وقد سمعنا الكثير عن نية لفتح ملفات الفساد، لكن على أرض الواقع لم يُفتَح أيّ ملف!
المحامي مجد حرب: بروباغندا «حزب الله» الإعلامية
يرى المحامي مجد حرب في هذا السياق أنّ «حزب الله استعمل الأزمة الاقتصادية ليعيد فرض هيبته ببروباغندا إعلامية جديدة مبنية على ادّعاء أنه لا تؤثر فيه أزمة كهذه، خاصة بسبب وجود كمية كبيرة من الدولارات في مخازنه ومع اتباعه. وقد جرى تصوير هذه المبالغ ونشرها في إطار البروباغندا نفسها، حيث كان الهدف إيصال الرسالة أن جمهوره لا يتأثر ولا يجوع ويحصل على رواتبه بالعملة الصعبة، بخلاف القسم الآخر من اللبنانيين الذين يخضعون للقانون لمجرّد أنهم ليسوا من أتباع «حزب الله». هذا الجزء الأول من البروباغندا انتهى عندما بدأ الحديث في أوساط الحزب الشعبية عن وسائل الصمود البديلة من مثل الزراعة على الشرفات وما إلى ذلك، كما الحديث عن ارتفاع حالات الانتحار في المناطق التابعة لنفوذه، ما بدأ يسلط الضوء على النقمة الشعبية في هذه الأوساط».
حاكميّة مصرف لبنان شريكة لـ«حزب الله»
من جهة أخرى يؤكّد حرب أنّ «حزب الله استفاد بالدرجة الأولى من سياسات مصرف لبنان التي أبقت على الدعم وزادت من حجمه، وكان ذلك تلقائيّاً بسبب تدهور العملة الوطنية، فأصبحت قيمة الدعم كبيرة جدّاً، وبالتالي تهريب البضائع المدعومة إلى سوريا أدى إلى بيعها بهامش ربح أعلى بكثير لصالح حزب الله».
في هذه الحالة، بحسب حرب، «كانت حاكمية مصرف لبنان شريكة لـ»حزب الله» الذي كان يستفيد من سياسة مصرف لبنان وسائر المصارف من خلال الدعم».
كذلك استفاد «الحزب»، برأي حرب، «من تحويل الاقتصاد اللبناني إلى اقتصاد نقدي مدولر حيث تكون العملة الورقية هي الأساس، فتحوّل نشاط «حزب الله» الذي كان يعتمد على وسائل متطورة جدّاً لتبييض الأموال، ولم يعد بحاجة إلى هذه الوسائل حيث أصبح قادراً على استخدام المبالغ النقدية بحرية أكبر، ولأن المصارف متلهفة على الدولار، خفّضت رقابتها على الأموال المهرّبة».
على صعيد آخر، يشير حرب «إلى تجارة الكبتاغون التي نشطت في هذا الوقت كما يعلم الجميع. كذلك الأمر بالنسبة إلى الدواء الذي استمر عليه الدعم واستمر معه التهريب».
القرض الحسن ملأ الفراغ الذي تركته المصارف
وهكذا ازداد نشاط مؤسسة القرض الحسن، برأي حرب، «بسبب الحاجة عند جميع اللبنانيين، إلى استدانة هذه الأموال، ومع الفراغ الكبير الذي تركته المصارف اللبنانية استطاع القرض الحسن أن يملأه حتى وصل بفروعه إلى مناطق غير خاضعة لنفوذه. هذه المصارف التي كان دورها إقراض الناس وتحريك العجلة الاقتصادية، لكن الأسوأ الذي ارتكبته هذه المصارف كان عندما أقرضت الدولة».
تحويل اللبنانيين إلى آلة لتبييض الأموال
ويصرّ حرب على أهمية المطالبة بسلطة الدولة وسلطة القانون، وتطبيق هذا القانون بشكل متساوٍ على جميع اللبنانيين. ويشدّد بالتالي على أنّ «الطريقة الوحيدة لمواجهة سيطرة «حزب الله» على الاقتصاد النقدي، وعلى الاقتصاد اللبناني هي في معاملته مثل سائر اللبنانيين سواء بسواء، في جباية الضرائب والكهرباء والجمارك وغيرها… بدلاً من زيادتها مع الواقع المعروف حيث لا تجبى هذه الأموال إلا من فئة معروفة من المواطنين، ولا يكون ذلك إلا ببناء دولة قادرة وعادلة في خطوة أولى. أما الخطوة الثانية، وهي أساسية جدّاً بنظر حرب، فتكون بإعادة العجلة الاقتصادية إلى حركتها التي يجب أن تتحرّك بها، وذلك من خلال تأمين تراخيص جديدة لمؤسسات ومصارف وجمعيات… تؤمّن بدورها القروض المشروطة والمدعومة للإسكان والمشاريع الاقتصادية والسياحية والصناعية… بفوائد مقبولة بدلاً من القرض الحسن الذي حوّل الشعب اللبناني إلى آلة لتبييض الأموال بيد حزب الله».





