السؤال البلدي: بيروت واحدة أو أكثر؟

في ذروة الحرب في لبنان، وتحديدًا في 30 حزيران العام 1977، صدر المرسوم الاشتراعي رقم 118، الذي أصبح معروفًا لاحقًا بقانون البلديات. وقتها كانت لغة المدفع ومعارك خطوط التماس تتقدم على لغة الدولة وسلطتها بأجهزتها وإداراتها. ولأن إدارة العاصمة تبقى أساسية، أصدر رئيس الجمهورية الراحل الياس سركيس، وبموجب الصلاحيات الاستثنائية التي مُنحت للسلطتين التنفيذية والرئاسية في ظل تعطيل البرلمان، مرسوم نقل صلاحيات رئيس بلدية بيروت إلى محافظ بيروت.
قصة مرسوم
هذا المرسوم، الذي وُضع تحت عنوان تنظيم العمل البلدي، منح المحافظ بموجب المادة 67 صلاحيات تنفيذية شاملة، في خطوة استثنائية جعلت بلدية العاصمة الإدارة المحلية الوحيدة بين كل بلديات لبنان، التي لا يتمتع رئيسها المنتخب بأيّ سلطة تنفيذية فعلية. لم يكن القرار مجرد إجراء إداري، بل مثّل، في جوهره، محاولة لضبط إيقاع العاصمة في زمن التفكك، وضمان بقاء إدارتها بيد السلطة المركزية.
آنذاك، بررت الخطوة بعدد من الاعتبارات، أهمها خصوصية العاصمة، أكان على المستوى السياسي أو على المستوى الطائفي. فبيروت تشكّل نموذجًا مصغرًا عن الخليط الطائفي اللبناني. أنيطت السلطة التنفيذية بمحافظ العاصمة، على أن يكون من الشخصيات التي تضمن التوازن الميثاقي بدل ترك العاصمة رهينة تكتلات وقوى تفرض قرارها وتوجهاتها بقوة أمر الواقع. ولأنّ الحرب جعلت نفوذ الميليشيات يتنامى، أراد سركيس إبعاد السلطة المحلية في العاصمة عن التجاذبات بين جبهتين فرزتا المدينة بين محورين وضفتين حدودهما انقسمت بين ما عرف “بيروت الغربية وبيروت الشرقية”. فكان الملاذ بأن تكون مركزية القرار بيد موظف معين من السلطة، يكون أكثر فعالية من مجلس بلدي عاجز عن الإدارة أو منقسم على ذاته.
الطائف لم يبدّد المخاوف
طوال سني الحرب وصولًا إلى زمن الطائف وبدء عودة مظاهر الدولة بعد العام 1990، شكل المحافظ المرجع التنفيذي الأعلى في بيروت. لكن بما أنّ الظروف القاهرة التي فرضت إسناد صلاحيات استثنائية للمحافظ قد ولّت، بدأت تتصاعد المطالب لإلغاء المادة 67، وإعادة الصلاحيات التنفيذية إلى رئيس المجلس البلدي المنتخب، تحت عنوان إعادة الاعتبار لمفهوم المحاسبة الشعبية، وتعزيز اللامركزية في إدارة العاصمة.
غير أن هذه الدعوات اصطدمت بعقبة ميثاقية كبرى، تمثّلت في الهواجس المسيحية من تداعيات إلغاء المادة، لا سيّما في ظل الخلل الديموغرافي الذي جعل التوازن العددي في العاصمة يميل لصالح المسلمين، خصوصًا في بيروت الغربية. فخاف المسيحيون من التهميش إلى حد الإلغاء.
بعد الحرب، تراجعت أعداد المسيحيين جراء موجات الهجرة. خاف المسيحيون المقيمون وقياداتهم من أن لا تضمن أيّ انتخابات بلدية تمثيلهم العادل، وتغيب دورهم وشراكتهم في السلطة والقرار والإدارة، بعدما كانوا يضطلعون بدور محوري في نهضة بيروت العمرانية والفكرية والتجارية والسياسية. وبالتالي، طمس هوية المدينة التعددية وانزلاقها نحو لون طائفي واحد.
مذاك الوقت، كانت القيادات المسيحية تطالب بضمانات ميثاقية تحفظ حق “البيارتة المسيحيين” في الشراكة في إدارة مدينتهم.
بهدف تبديد هذه المخاوف، جرت محاولات عدة تمحورت حول مقايضة إلغاء المادة 67 من قانون البلديات ونزع صلاحيات المحافظ وإسنادها لرئيس البلدية، مقابل تعديل تركيبة المجلس البلدي وتكريس المناصفة بين المسلمين والمسيحيين، بعيدًا عن الاعتبار العددي.
محاولات لم تنجح، مع العلم أن حكومات الرئيس رفيق الحريري وغيره من رؤساء الحكومات حافظت على المناصفة في المجالس البلدية التي تعاقبت من خلال تفاهمات سياسية بين فاعليات بيروت السياسية والحزبية والعائلية.
خيار التقسيم
في تلك الفترة، طرح أيضًا تقسيم بلدية بيروت إلى بلديتين: بلدية في الدائرة الأولى وبلدية في الدائرة الثانية، وإنشاء اتحاد بلديات مشترك لإدارة الملفات الكبرى. وقد قُدّم الاقتراح كحل متوازن يسمح لكلّ طائفة بإدارة شؤونها المحلية، دون المساس بوحدة العاصمة.
غير أنّ المشروع جوبه برفض جهات عدة، رأت في الطرح تكريسًا لتقسيم طائفي مرفوض، وتهديدًا لوحدة بيروت السياسية والإدارية.
بعد عودة الأحزاب المسيحية المعارضة في ذاك الزمن إلى المشهد السياسي إثر انسحاب الجيش السوري من لبنان، ومنذ مشاركتها المباشرة في الاستحقاق البلدي، دعا التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية والكتائب إلى تكريس المناصفة في المجلس البلدي في بيروت. محاولات لم تسلك مع العلم أن الرئيس سعد الحريري حافظ على التقليد الذي كرّسه والده منذ العام 1998 بالحفاظ على المناصفة عبر تفاهمات عقدها مع ممثلي المسيحيين في العاصمة.
أكثر من ذلك، في العام 2023 حاول تكتل لبنان القوي إحياء المادة 12 التي أُلغيت من القانون، وإعادة طرح تقسيم الدوائر الانتخابية في بيروت بما يضمن تمثيلًا متوازنًا للطوائف من دون الحاجة إلى تقسيم البلدية. لكن هذه المحاولة وكل المحاولات بقيت حبراً على ورق، واصطدمت كل مرة بالتجاذبات الطائفية والمخاوف المتبادلة.
اليوم، وفي ظل المتغيرات المقبلة على البلد ومن حوله في المنطقة، يظهر من يزايد على صلاحيات من هنا ومكتسبات من هناك، وتطرح في البازار السياسي مقايضات طائفية في قلب العاصمة التي يفترض أن تعكس صورة لبنان المتنوع المتعدد والغني بطوائفه ومذاهبه، يبقى السؤال معلقًا: هل يمكن إصلاح إدارة العاصمة من دون المسّ بحساسيات التوازن الوطني؟ أم أن أي تعديل أو تصحيح لخلل طائفي تمثيلي على هذا القدر من الحساسية ومنع تهميش مكون من المكونات الأساسيةسيبقى مهددًا أو معلقًا، ما لم يُدرج في سياق تسوية سياسية كبرى؟؟
الجواب لا يزال رهن توازنات ما بعد الطائف… وإرادة السياسيين.
السؤال البلدي: بيروت واحدة أو أكثر؟

في ذروة الحرب في لبنان، وتحديدًا في 30 حزيران العام 1977، صدر المرسوم الاشتراعي رقم 118، الذي أصبح معروفًا لاحقًا بقانون البلديات. وقتها كانت لغة المدفع ومعارك خطوط التماس تتقدم على لغة الدولة وسلطتها بأجهزتها وإداراتها. ولأن إدارة العاصمة تبقى أساسية، أصدر رئيس الجمهورية الراحل الياس سركيس، وبموجب الصلاحيات الاستثنائية التي مُنحت للسلطتين التنفيذية والرئاسية في ظل تعطيل البرلمان، مرسوم نقل صلاحيات رئيس بلدية بيروت إلى محافظ بيروت.
قصة مرسوم
هذا المرسوم، الذي وُضع تحت عنوان تنظيم العمل البلدي، منح المحافظ بموجب المادة 67 صلاحيات تنفيذية شاملة، في خطوة استثنائية جعلت بلدية العاصمة الإدارة المحلية الوحيدة بين كل بلديات لبنان، التي لا يتمتع رئيسها المنتخب بأيّ سلطة تنفيذية فعلية. لم يكن القرار مجرد إجراء إداري، بل مثّل، في جوهره، محاولة لضبط إيقاع العاصمة في زمن التفكك، وضمان بقاء إدارتها بيد السلطة المركزية.
آنذاك، بررت الخطوة بعدد من الاعتبارات، أهمها خصوصية العاصمة، أكان على المستوى السياسي أو على المستوى الطائفي. فبيروت تشكّل نموذجًا مصغرًا عن الخليط الطائفي اللبناني. أنيطت السلطة التنفيذية بمحافظ العاصمة، على أن يكون من الشخصيات التي تضمن التوازن الميثاقي بدل ترك العاصمة رهينة تكتلات وقوى تفرض قرارها وتوجهاتها بقوة أمر الواقع. ولأنّ الحرب جعلت نفوذ الميليشيات يتنامى، أراد سركيس إبعاد السلطة المحلية في العاصمة عن التجاذبات بين جبهتين فرزتا المدينة بين محورين وضفتين حدودهما انقسمت بين ما عرف “بيروت الغربية وبيروت الشرقية”. فكان الملاذ بأن تكون مركزية القرار بيد موظف معين من السلطة، يكون أكثر فعالية من مجلس بلدي عاجز عن الإدارة أو منقسم على ذاته.
الطائف لم يبدّد المخاوف
طوال سني الحرب وصولًا إلى زمن الطائف وبدء عودة مظاهر الدولة بعد العام 1990، شكل المحافظ المرجع التنفيذي الأعلى في بيروت. لكن بما أنّ الظروف القاهرة التي فرضت إسناد صلاحيات استثنائية للمحافظ قد ولّت، بدأت تتصاعد المطالب لإلغاء المادة 67، وإعادة الصلاحيات التنفيذية إلى رئيس المجلس البلدي المنتخب، تحت عنوان إعادة الاعتبار لمفهوم المحاسبة الشعبية، وتعزيز اللامركزية في إدارة العاصمة.
غير أن هذه الدعوات اصطدمت بعقبة ميثاقية كبرى، تمثّلت في الهواجس المسيحية من تداعيات إلغاء المادة، لا سيّما في ظل الخلل الديموغرافي الذي جعل التوازن العددي في العاصمة يميل لصالح المسلمين، خصوصًا في بيروت الغربية. فخاف المسيحيون من التهميش إلى حد الإلغاء.
بعد الحرب، تراجعت أعداد المسيحيين جراء موجات الهجرة. خاف المسيحيون المقيمون وقياداتهم من أن لا تضمن أيّ انتخابات بلدية تمثيلهم العادل، وتغيب دورهم وشراكتهم في السلطة والقرار والإدارة، بعدما كانوا يضطلعون بدور محوري في نهضة بيروت العمرانية والفكرية والتجارية والسياسية. وبالتالي، طمس هوية المدينة التعددية وانزلاقها نحو لون طائفي واحد.
مذاك الوقت، كانت القيادات المسيحية تطالب بضمانات ميثاقية تحفظ حق “البيارتة المسيحيين” في الشراكة في إدارة مدينتهم.
بهدف تبديد هذه المخاوف، جرت محاولات عدة تمحورت حول مقايضة إلغاء المادة 67 من قانون البلديات ونزع صلاحيات المحافظ وإسنادها لرئيس البلدية، مقابل تعديل تركيبة المجلس البلدي وتكريس المناصفة بين المسلمين والمسيحيين، بعيدًا عن الاعتبار العددي.
محاولات لم تنجح، مع العلم أن حكومات الرئيس رفيق الحريري وغيره من رؤساء الحكومات حافظت على المناصفة في المجالس البلدية التي تعاقبت من خلال تفاهمات سياسية بين فاعليات بيروت السياسية والحزبية والعائلية.
خيار التقسيم
في تلك الفترة، طرح أيضًا تقسيم بلدية بيروت إلى بلديتين: بلدية في الدائرة الأولى وبلدية في الدائرة الثانية، وإنشاء اتحاد بلديات مشترك لإدارة الملفات الكبرى. وقد قُدّم الاقتراح كحل متوازن يسمح لكلّ طائفة بإدارة شؤونها المحلية، دون المساس بوحدة العاصمة.
غير أنّ المشروع جوبه برفض جهات عدة، رأت في الطرح تكريسًا لتقسيم طائفي مرفوض، وتهديدًا لوحدة بيروت السياسية والإدارية.
بعد عودة الأحزاب المسيحية المعارضة في ذاك الزمن إلى المشهد السياسي إثر انسحاب الجيش السوري من لبنان، ومنذ مشاركتها المباشرة في الاستحقاق البلدي، دعا التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية والكتائب إلى تكريس المناصفة في المجلس البلدي في بيروت. محاولات لم تسلك مع العلم أن الرئيس سعد الحريري حافظ على التقليد الذي كرّسه والده منذ العام 1998 بالحفاظ على المناصفة عبر تفاهمات عقدها مع ممثلي المسيحيين في العاصمة.
أكثر من ذلك، في العام 2023 حاول تكتل لبنان القوي إحياء المادة 12 التي أُلغيت من القانون، وإعادة طرح تقسيم الدوائر الانتخابية في بيروت بما يضمن تمثيلًا متوازنًا للطوائف من دون الحاجة إلى تقسيم البلدية. لكن هذه المحاولة وكل المحاولات بقيت حبراً على ورق، واصطدمت كل مرة بالتجاذبات الطائفية والمخاوف المتبادلة.
اليوم، وفي ظل المتغيرات المقبلة على البلد ومن حوله في المنطقة، يظهر من يزايد على صلاحيات من هنا ومكتسبات من هناك، وتطرح في البازار السياسي مقايضات طائفية في قلب العاصمة التي يفترض أن تعكس صورة لبنان المتنوع المتعدد والغني بطوائفه ومذاهبه، يبقى السؤال معلقًا: هل يمكن إصلاح إدارة العاصمة من دون المسّ بحساسيات التوازن الوطني؟ أم أن أي تعديل أو تصحيح لخلل طائفي تمثيلي على هذا القدر من الحساسية ومنع تهميش مكون من المكونات الأساسيةسيبقى مهددًا أو معلقًا، ما لم يُدرج في سياق تسوية سياسية كبرى؟؟
الجواب لا يزال رهن توازنات ما بعد الطائف… وإرادة السياسيين.









