صفقات “الحزب” وباسيل تطعن التسوية وتخلّ بالتوازنات!

الكاتب: ابراهيم حيدر | المصدر: النهار
31 تموز 2023

خلافاً لما يشاع عن مرحلة جديدة ستنطلق الأسبوع المقبل بعد انتهاء ولاية حاكم مصرف #لبنان رياض سلامة، ستستمر الامور على حالها مع نواب حاكم مصرف لبنان وستتمدد السياسة المالية بتصريف الأعمال من دون القدرة على انتاج جديد يختلف عما كرسه سلامة خلال السنوات السابقة. المفارقة أن انتهاء ولاية الحاكم تأتي بعد ثلاثة ايام على مغادرة المبعوث الرئاسي الفرنسي جان إيف لودريان بيروت من دون تحقيق نتائج مباشرة يمكن الارتكاز إليها في دعوته للحوار حول مواصفات رئيس الجمهورية، إذ أن معظم القوى السياسية ما زالت متمترسة خلف شروطها خصوصاً قوى الممانعة وتحديداً “حزب الله” المصمم على إيصال مرشحه سليمان فرنجية إلى سدة الرئاسة بصرف النظر عن التواصل الذي انطلق مع رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل.

لن تكون حقبة ما بعد سلامة مختلفة عن المرحلة التي تسيّد فيها العمل النقدي والمالي، إذ يدرك الجميع أن حاكم مصرف لبنان كان ينفذ سياسات تصب في مصلحة الطبقة السياسية والقوى التي حكمت لبنان بما فيها “حزب الله” والعونيين، ووظفت أعماله بالتماهي مع مشاريع فئوية ضيقة ضمن النظام الحاكم خصوصاً في عهد الرئيس ميشال عون الذي وافق على التمديد له ست سنوات إضافية برضى الحزب الذي يملك نظاماً مالياً موازياً خارج الدولة، وكل المنظومة القائمة. وفي ظل عجز القوى السياسية في الداخل عن انتاج تسوية أو حل، سيكون النظام النقدي والمالي في غياب سلامة مفتوحاً على مزيد من الفوضى وتحكم السوق السوداء بالناس والبلد في السوق الموازية.

ستنصرف القوى السياسية إلى تحسين مواقعها قبل عودة لودريان في أيلول المقبل، في وقت لا يزال “حزب الله” يعتبر أن الأجواء الإقليمية والدولية يمكن أن تتغير لمصلحته وتصب في انتخاب مرشحه. فلودريان لم يحقق أي خروق أو معطيات إيجابية بغطاء عربي ودولي فاعل، ولم تستند حركته إلى رافعة يمكنها تحريك المياه الراكدة لدى القوى اللبنانية، فتعاملت مع طروحاته الجديدة بعدم اكتراث، حتى مع تحذيره بأن عدم الانخراط في المشاورات المقترحة أو الحوار حول مواصفات الرئاسة سيفتح الطريق إلى إقرار عقوبات على المعرقلين.

كل التوقعات تشير إلى أن الحوار الذي يدعو إليه لودريان سيصطدم بالاستعصاءات لدى القوى الداخلية، وإذا لم تحدث تطورات في المرحلة الفاصلة عن عودته فإن ذلك سيترك وفق سياسي لبناني متابع تداعيات على لبنان لأشهر ينزلق فيها إلى مزيد من الانهيار وأكثر خصوصاً وأن الخلافات تزداد حدة مع تمسك الممانعة بشروطها لانتخاب رئيس “لا يطعن ظهر المقاومة”، وهي في الأساس لم تتلقف التحول الفرنسي الذي كان يدعو إلى الحوار ودخول الدول الخمس على خطه. فـ”الثنائي الشيعي” كان أول المستائين من وجهة اللقاء الخماسي الجديدة في الدوحة، إذ يعتبرها “حزب الله” استهدافاً له، ولذلك يستمر برفع السقف ويكرر الخطاب نفسه بعد زيارة لودريان، وهو ما كان واضحاً في كلام رئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمد رعد السبت الماضي، الذي أمل بأن تسفر الجهود في الحوار “عن تراجع البعض عن قناعاتهم التعطيلية التي لا تخدم مصلحة البلد ولا تنظر إلى الأفق البعيد لمصلحة اللبنانيين”، مشدداً على “أننا ما زلنا على موقفنا، لم نغيّر ولن نبدّل، وجاهزون لإقناع الآخرين بما عليه اقتناعنا لمصلحة بلدنا”.

وعلى هامش زيارة لودريان كانت خطوط التواصل مفتوحة بين “حزب الله” والتيار الوطني الحر. أحد الأسباب الرئيسية لعودة الحوار بين الطرفين كان التوجه الجديد للقاء الخماسي الذي اعتبره الحزب موجهاً ضده ومحاولة لإسقاط مرشحه، فيما يرى باسيل أنه سيؤدي إذا اكتملت معالمه إلى إيصال قائد الجيش جوزف عون إلى الرئاسة، وهو أمر يعرف الحزب أنه يمكن اللعب عليه واستقطاب باسيل مجدداً إلى محوره، وان كان الامر يحتاج إلى صفقة أو تفاهم على تقدمات متبادلة في السياسة. ويبدو أن “حزب الله” بإعادة انفتاحه على باسيل وفتح خطوط الحوار معه، هو للقول أنه يشكل الضمانة لدوره في المستقبل بصرف النظر عما يمكن أن يؤول إليه الحوار، وأن الحصول على ما يطالب به باسيل يمر عبر “حزب الله” بالدرجة الأولى وإن كانت ترفضه قوى وطوائف أساسية في البلد بمن فيهم السنة، علماً أن تساؤلات تدور حتى الآن عما بحثه لودريان خلال لقائه “حزب الله” وايضاً العونيين، وما إذا كان استحضر المبادرة الفرنسية الأولى القائمة على المقايضة، بالتوازي مع الطرح الجديد للمجموعة الخماسية. وفي المقابل يسعى باسيل إلى انتزاع ما أمكن من الحزب، وتقديم تياره أنه يشكل القوة التي تحسم في انتخاب رئيس الجمهورية. ولذا يشترط لانجاز الاستحقاق الرئاسي وفق مشيئة الحزب بإقرار تشريعات في مجلس النواب لمشاريع قدمها التيار خصوصاً اللامركزية الادارة الموسعة والصندوق الإئتماني.

ما يطالب به باسيل يتجاوز موضوع الحوار الذي دعا إليه لودريان وهو يصطدم بمواقف اطراف أساسية في البلاد، إذ أن رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي يؤدي اليوم دوراً رئيسياً في ملفات عديدة، من التشريع الى الحكومة والمصرف المركزي، يرفض تقديم هذا الأمر لباسيل من دون صفقة متكاملة، كما أن أي توافق بين باسيل والحزب يحتاج إلى بري لإنجاز انتخاب الرئيس، وان كانت القوى الأخرى المعارضة قادرة أيضاً على وقف مفعول أي صفقة من هذا النوع، إلا إذا حدثت تغطية إقليمية ودولية لها. ولذا تُطرح تساؤلات عما إذا كان ممكناً إقرار ما يطالب به باسيل، إذ أن أي تفاهم يحتاج الى وقت وترتيبات، أم أن رئيس التيار الوطني الحر يراهن على استمرار الوضع الحالي حتى انتهاء ولاية قائد الجيش .

يتبين من خلال التطورات السياسية أن أي تفاهم على قاعدة الحوار يحتاج إلى وقت ورافعة إقليمية ودولية للوصول إلى نتائج. ولذا تُظهر جولة لودريان أن وجهة الخماسية ليست كافية لفتح أفق جديد في الاستحقاقات اللبنانية، وإن كانت يمكن أن تتفاوض على اساسه مع المحور الإقليمي الآخرالذي تمثله إيران. وهذه الوجهة لا تزال وليدة وتحتاج إلى مراكمة خطوات للتوصل إلى أي تسوية أو صيغة تلاقي لإنجازالاستحقاق الرئاسي. ووفق السياسي اللبناني من السابق لأوانه البناء على إمكان إحداث خرق خارجي في وقت قريب، حتى مع الحوار، ما لم يترافق مع تطورات إقليمية تنعكس على لبنان، قبل أن تتدحرج الأوضاع الداخلية الى تطورات أمنية وانهيارات لا يعود معها الحديث عن التسوية ممكناً.

وفي الانتظار يعود “حزب الله” إلى محاولة استثمار قوته، وهو ما عبر عنه نائب الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم لافتاً الى اننا “نرى اليوم إشعاع ضوء هو المقاومة الصادقة المضحية التي حررت الأرض والثروة النفطية ورسمت الحدود البحرية بثلاثي الجيش والشعب والمقاومة. وعلينا أن نحتضن هذا الاتجاه الإيجابي لنتوفق في نتائجنا الأخرى التي نعمل عليها”.

صفقات “الحزب” وباسيل تطعن التسوية وتخلّ بالتوازنات!

الكاتب: ابراهيم حيدر | المصدر: النهار
31 تموز 2023

خلافاً لما يشاع عن مرحلة جديدة ستنطلق الأسبوع المقبل بعد انتهاء ولاية حاكم مصرف #لبنان رياض سلامة، ستستمر الامور على حالها مع نواب حاكم مصرف لبنان وستتمدد السياسة المالية بتصريف الأعمال من دون القدرة على انتاج جديد يختلف عما كرسه سلامة خلال السنوات السابقة. المفارقة أن انتهاء ولاية الحاكم تأتي بعد ثلاثة ايام على مغادرة المبعوث الرئاسي الفرنسي جان إيف لودريان بيروت من دون تحقيق نتائج مباشرة يمكن الارتكاز إليها في دعوته للحوار حول مواصفات رئيس الجمهورية، إذ أن معظم القوى السياسية ما زالت متمترسة خلف شروطها خصوصاً قوى الممانعة وتحديداً “حزب الله” المصمم على إيصال مرشحه سليمان فرنجية إلى سدة الرئاسة بصرف النظر عن التواصل الذي انطلق مع رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل.

لن تكون حقبة ما بعد سلامة مختلفة عن المرحلة التي تسيّد فيها العمل النقدي والمالي، إذ يدرك الجميع أن حاكم مصرف لبنان كان ينفذ سياسات تصب في مصلحة الطبقة السياسية والقوى التي حكمت لبنان بما فيها “حزب الله” والعونيين، ووظفت أعماله بالتماهي مع مشاريع فئوية ضيقة ضمن النظام الحاكم خصوصاً في عهد الرئيس ميشال عون الذي وافق على التمديد له ست سنوات إضافية برضى الحزب الذي يملك نظاماً مالياً موازياً خارج الدولة، وكل المنظومة القائمة. وفي ظل عجز القوى السياسية في الداخل عن انتاج تسوية أو حل، سيكون النظام النقدي والمالي في غياب سلامة مفتوحاً على مزيد من الفوضى وتحكم السوق السوداء بالناس والبلد في السوق الموازية.

ستنصرف القوى السياسية إلى تحسين مواقعها قبل عودة لودريان في أيلول المقبل، في وقت لا يزال “حزب الله” يعتبر أن الأجواء الإقليمية والدولية يمكن أن تتغير لمصلحته وتصب في انتخاب مرشحه. فلودريان لم يحقق أي خروق أو معطيات إيجابية بغطاء عربي ودولي فاعل، ولم تستند حركته إلى رافعة يمكنها تحريك المياه الراكدة لدى القوى اللبنانية، فتعاملت مع طروحاته الجديدة بعدم اكتراث، حتى مع تحذيره بأن عدم الانخراط في المشاورات المقترحة أو الحوار حول مواصفات الرئاسة سيفتح الطريق إلى إقرار عقوبات على المعرقلين.

كل التوقعات تشير إلى أن الحوار الذي يدعو إليه لودريان سيصطدم بالاستعصاءات لدى القوى الداخلية، وإذا لم تحدث تطورات في المرحلة الفاصلة عن عودته فإن ذلك سيترك وفق سياسي لبناني متابع تداعيات على لبنان لأشهر ينزلق فيها إلى مزيد من الانهيار وأكثر خصوصاً وأن الخلافات تزداد حدة مع تمسك الممانعة بشروطها لانتخاب رئيس “لا يطعن ظهر المقاومة”، وهي في الأساس لم تتلقف التحول الفرنسي الذي كان يدعو إلى الحوار ودخول الدول الخمس على خطه. فـ”الثنائي الشيعي” كان أول المستائين من وجهة اللقاء الخماسي الجديدة في الدوحة، إذ يعتبرها “حزب الله” استهدافاً له، ولذلك يستمر برفع السقف ويكرر الخطاب نفسه بعد زيارة لودريان، وهو ما كان واضحاً في كلام رئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمد رعد السبت الماضي، الذي أمل بأن تسفر الجهود في الحوار “عن تراجع البعض عن قناعاتهم التعطيلية التي لا تخدم مصلحة البلد ولا تنظر إلى الأفق البعيد لمصلحة اللبنانيين”، مشدداً على “أننا ما زلنا على موقفنا، لم نغيّر ولن نبدّل، وجاهزون لإقناع الآخرين بما عليه اقتناعنا لمصلحة بلدنا”.

وعلى هامش زيارة لودريان كانت خطوط التواصل مفتوحة بين “حزب الله” والتيار الوطني الحر. أحد الأسباب الرئيسية لعودة الحوار بين الطرفين كان التوجه الجديد للقاء الخماسي الذي اعتبره الحزب موجهاً ضده ومحاولة لإسقاط مرشحه، فيما يرى باسيل أنه سيؤدي إذا اكتملت معالمه إلى إيصال قائد الجيش جوزف عون إلى الرئاسة، وهو أمر يعرف الحزب أنه يمكن اللعب عليه واستقطاب باسيل مجدداً إلى محوره، وان كان الامر يحتاج إلى صفقة أو تفاهم على تقدمات متبادلة في السياسة. ويبدو أن “حزب الله” بإعادة انفتاحه على باسيل وفتح خطوط الحوار معه، هو للقول أنه يشكل الضمانة لدوره في المستقبل بصرف النظر عما يمكن أن يؤول إليه الحوار، وأن الحصول على ما يطالب به باسيل يمر عبر “حزب الله” بالدرجة الأولى وإن كانت ترفضه قوى وطوائف أساسية في البلد بمن فيهم السنة، علماً أن تساؤلات تدور حتى الآن عما بحثه لودريان خلال لقائه “حزب الله” وايضاً العونيين، وما إذا كان استحضر المبادرة الفرنسية الأولى القائمة على المقايضة، بالتوازي مع الطرح الجديد للمجموعة الخماسية. وفي المقابل يسعى باسيل إلى انتزاع ما أمكن من الحزب، وتقديم تياره أنه يشكل القوة التي تحسم في انتخاب رئيس الجمهورية. ولذا يشترط لانجاز الاستحقاق الرئاسي وفق مشيئة الحزب بإقرار تشريعات في مجلس النواب لمشاريع قدمها التيار خصوصاً اللامركزية الادارة الموسعة والصندوق الإئتماني.

ما يطالب به باسيل يتجاوز موضوع الحوار الذي دعا إليه لودريان وهو يصطدم بمواقف اطراف أساسية في البلاد، إذ أن رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي يؤدي اليوم دوراً رئيسياً في ملفات عديدة، من التشريع الى الحكومة والمصرف المركزي، يرفض تقديم هذا الأمر لباسيل من دون صفقة متكاملة، كما أن أي توافق بين باسيل والحزب يحتاج إلى بري لإنجاز انتخاب الرئيس، وان كانت القوى الأخرى المعارضة قادرة أيضاً على وقف مفعول أي صفقة من هذا النوع، إلا إذا حدثت تغطية إقليمية ودولية لها. ولذا تُطرح تساؤلات عما إذا كان ممكناً إقرار ما يطالب به باسيل، إذ أن أي تفاهم يحتاج الى وقت وترتيبات، أم أن رئيس التيار الوطني الحر يراهن على استمرار الوضع الحالي حتى انتهاء ولاية قائد الجيش .

يتبين من خلال التطورات السياسية أن أي تفاهم على قاعدة الحوار يحتاج إلى وقت ورافعة إقليمية ودولية للوصول إلى نتائج. ولذا تُظهر جولة لودريان أن وجهة الخماسية ليست كافية لفتح أفق جديد في الاستحقاقات اللبنانية، وإن كانت يمكن أن تتفاوض على اساسه مع المحور الإقليمي الآخرالذي تمثله إيران. وهذه الوجهة لا تزال وليدة وتحتاج إلى مراكمة خطوات للتوصل إلى أي تسوية أو صيغة تلاقي لإنجازالاستحقاق الرئاسي. ووفق السياسي اللبناني من السابق لأوانه البناء على إمكان إحداث خرق خارجي في وقت قريب، حتى مع الحوار، ما لم يترافق مع تطورات إقليمية تنعكس على لبنان، قبل أن تتدحرج الأوضاع الداخلية الى تطورات أمنية وانهيارات لا يعود معها الحديث عن التسوية ممكناً.

وفي الانتظار يعود “حزب الله” إلى محاولة استثمار قوته، وهو ما عبر عنه نائب الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم لافتاً الى اننا “نرى اليوم إشعاع ضوء هو المقاومة الصادقة المضحية التي حررت الأرض والثروة النفطية ورسمت الحدود البحرية بثلاثي الجيش والشعب والمقاومة. وعلينا أن نحتضن هذا الاتجاه الإيجابي لنتوفق في نتائجنا الأخرى التي نعمل عليها”.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار