المخيمات الفلسطينية والمدن السنّية: التخريب والاستتباع ومحو “الاعتدال”

عاصمة الجنوب
تمثّل أحداث المخيم امتداداً لمسار طويل من انكسارات كثيرة لجماعة أو أكثر. بعيداً من التفاصيل اليومية، والتي أصبحت معروفة في محاكاة الاشتباكات ووقائعها. فالمخيم يقع ضمن منطقة جغرافية ذات بعدين، بعد ضيق ومحلي هو البعد الصيداوي، وبعد أوسع وذات مدى أبعد باعتبار صيدا عاصمة الجنوب. وهذا جزء من صراع لطالما تجذّر في كل من بيروت وصيدا، بوصف الأولى العاصمة التي تحتضن الجميع، لكنه احتضان كان على حساب أهلها الذين هجروها باتجاه مناطق الأطراف. وبوصف الثانية عاصمة الجنوب، وبوابته واحتضانها أيضاً لفئات اجتماعية من مكونات مختلفة، بالتزامن مع تغذية نزعات متطرفة مناطقية أو دينية أو مذهبية أو حتى داخل المذهب الواحد، في انقسامات متعددة سياسية وغير سياسية. وكان آخرها الحفلة المعيبة والمهينة في الاعتراض على المايوه.
يقع مخيم عين الحلوة بين كل هذه الوقائع والهواجس الاجتماعية. وهو في الداخل يضج بأحداث مشابهة، تتخذ طابعاً أعنف، وذات بعدي سياسي وأمني وعسكري وعقائدي، أو ذات بعد استثماري بعقائد كثيرة من قبل أجهزة أكثر. والحالة الاجتماعية المترهلة في صيدا، المتجلية في الصراع المستمر على كيفية إدارة ملف النفايات مثلاً، والفشل الدائم في ذلك، الذي دفع برئيس بلديتها إلى الاستقالة، له ما يقابله من صراعات داخل المخيم بين الفصائل المتنوعة أو داخل الفصيل الواحد. في السياسة والأمن، الأكيد أن ما يجري يهدف إلى كسر حركة فتح المنخورة من الداخل وتتجاذبها صراعات كثيرة. فيما تجد القوى الإسلامية فرصتها لشد عضدها وبسط نفوذها وتوسيعه. لكن ذلك كله يبقى تفصيلاً، فلا بد من العودة إلى الصورة الأوسع.
إلى غزة وجنين
وهنا ثمة مفارقتان سورياليتان، الأولى أن لا يكون الجيش قادراً على التدخل على غرار عجزه في أحداث 7 أيار 2008. والثانية، أن منظمة التحرير الفلسطينية والتي كانت إلى جانبه في أحداث نهر البارد، لا تجد من يقف إلى جانبها في مواجهة هذه الأحداث أمام صراع الداخل فيها، وصراعها مع تنظيمات إسلامية أخرى.
من شأن أحداث عين الحلوة أن تضعف المخيم أكثر، وتهز منظمة التحرير او السلطة الرسمية الفلسطينية، وتسهم في تهشيم فتح. لكن النتيجة الأبعد والأعم هي أن نتائج الاشتباكات ستؤدي إلى تطويع صيدا، وهي التي تتوه بين المايوه والنفايات، فيغادرها رئيس بلديتها. وللمصادفة أن بعد استقالته بأيام جاءت استقالة رئيس بلدية بيروت، بغض النظر عن الموقف منه، لكن السياق يأتي على وقع مطالب مرفوعة بتقسيم بيروت، وصراع بين جمعيات ونواب على مساحة عامة في الجميزة على الجهة الشرقية، أو صراعات مع البلدية من الجهة الغربية على تخريب البلدية لمساحات عامة كحديقة المفتي حسن خالد. وقبلهما كانت الأزمات المتوالية التي عاشتها مدينة طرابلس مع بلديتها، والصراع على الرئاسة والاشتباك المستمر مع المحافظ، كما هو الحال الأزلي بين بلدية بيروت ومحافظها.
الانهيارات الكبرى
في مقابل التضعضع، والضياع، الانهزام والانقسام، تستمر الجماعات الأخرى في تأطير نفسها، بعضها بالانغلاق كما هو حال البيئة المسيحية، والتي تجتمع على اختلافاتها السياسية حول مسألة اللامركزية الإدارية والمالية الموسعة. وبعضها الآخر بالسعي إلى التوسع والانفلاش جغرافياً بالمعاني الأمنية أو العسكرية أو الاجتماعية، وكذلك السياسية، من خلال تقديم الخدمات المالية والاجتماعية ورفع شعارات تمكنها من الاستقطاب، كما هو الحال بالنسبة إلى مصطلح وحدة الساحات، والذي يلقى صداه في لبنان كما في سوريا وفلسطين. ولشدة تأثير المصطلح، يتجه حزب الله إلى تأسيس مجموعة جديدة مشابهة لسرايا المقاومة، يطلق عليها اسم “شباب وحدة الساحات”، غايتها استقطاب شبان من طوائف مختلفة، لا سيما السنة والدروز، وخصوصاً في الجنوب، انطلاقاً من مشاهد تكريس معادلة جيش وشعب ومقاومة على الحدود، بالتظاهرات المتوالية أو بالمطالبة بانسحاب الاحتلال الاسرائيلي من الأراضي المحتلة. وهو ما سيكون له امتداده من الجنوب إلى بيروت، وطرابلس وعكار مروراً بصيدا، بمفعول رجعي، لمساعدات طبية، مالية، ومحروقات.. جهد الحزب على توزيعها طوال السنوات الفائتة، وقد وصل المازوت الايراني إلى عكار التي كُلمت في حادثة التليل، فخصص الحزب لأهالي الضحايا مبالغ مالية شهرية.
المخيمات الفلسطينية والمدن السنّية: التخريب والاستتباع ومحو “الاعتدال”

عاصمة الجنوب
تمثّل أحداث المخيم امتداداً لمسار طويل من انكسارات كثيرة لجماعة أو أكثر. بعيداً من التفاصيل اليومية، والتي أصبحت معروفة في محاكاة الاشتباكات ووقائعها. فالمخيم يقع ضمن منطقة جغرافية ذات بعدين، بعد ضيق ومحلي هو البعد الصيداوي، وبعد أوسع وذات مدى أبعد باعتبار صيدا عاصمة الجنوب. وهذا جزء من صراع لطالما تجذّر في كل من بيروت وصيدا، بوصف الأولى العاصمة التي تحتضن الجميع، لكنه احتضان كان على حساب أهلها الذين هجروها باتجاه مناطق الأطراف. وبوصف الثانية عاصمة الجنوب، وبوابته واحتضانها أيضاً لفئات اجتماعية من مكونات مختلفة، بالتزامن مع تغذية نزعات متطرفة مناطقية أو دينية أو مذهبية أو حتى داخل المذهب الواحد، في انقسامات متعددة سياسية وغير سياسية. وكان آخرها الحفلة المعيبة والمهينة في الاعتراض على المايوه.
يقع مخيم عين الحلوة بين كل هذه الوقائع والهواجس الاجتماعية. وهو في الداخل يضج بأحداث مشابهة، تتخذ طابعاً أعنف، وذات بعدي سياسي وأمني وعسكري وعقائدي، أو ذات بعد استثماري بعقائد كثيرة من قبل أجهزة أكثر. والحالة الاجتماعية المترهلة في صيدا، المتجلية في الصراع المستمر على كيفية إدارة ملف النفايات مثلاً، والفشل الدائم في ذلك، الذي دفع برئيس بلديتها إلى الاستقالة، له ما يقابله من صراعات داخل المخيم بين الفصائل المتنوعة أو داخل الفصيل الواحد. في السياسة والأمن، الأكيد أن ما يجري يهدف إلى كسر حركة فتح المنخورة من الداخل وتتجاذبها صراعات كثيرة. فيما تجد القوى الإسلامية فرصتها لشد عضدها وبسط نفوذها وتوسيعه. لكن ذلك كله يبقى تفصيلاً، فلا بد من العودة إلى الصورة الأوسع.
إلى غزة وجنين
وهنا ثمة مفارقتان سورياليتان، الأولى أن لا يكون الجيش قادراً على التدخل على غرار عجزه في أحداث 7 أيار 2008. والثانية، أن منظمة التحرير الفلسطينية والتي كانت إلى جانبه في أحداث نهر البارد، لا تجد من يقف إلى جانبها في مواجهة هذه الأحداث أمام صراع الداخل فيها، وصراعها مع تنظيمات إسلامية أخرى.
من شأن أحداث عين الحلوة أن تضعف المخيم أكثر، وتهز منظمة التحرير او السلطة الرسمية الفلسطينية، وتسهم في تهشيم فتح. لكن النتيجة الأبعد والأعم هي أن نتائج الاشتباكات ستؤدي إلى تطويع صيدا، وهي التي تتوه بين المايوه والنفايات، فيغادرها رئيس بلديتها. وللمصادفة أن بعد استقالته بأيام جاءت استقالة رئيس بلدية بيروت، بغض النظر عن الموقف منه، لكن السياق يأتي على وقع مطالب مرفوعة بتقسيم بيروت، وصراع بين جمعيات ونواب على مساحة عامة في الجميزة على الجهة الشرقية، أو صراعات مع البلدية من الجهة الغربية على تخريب البلدية لمساحات عامة كحديقة المفتي حسن خالد. وقبلهما كانت الأزمات المتوالية التي عاشتها مدينة طرابلس مع بلديتها، والصراع على الرئاسة والاشتباك المستمر مع المحافظ، كما هو الحال الأزلي بين بلدية بيروت ومحافظها.
الانهيارات الكبرى
في مقابل التضعضع، والضياع، الانهزام والانقسام، تستمر الجماعات الأخرى في تأطير نفسها، بعضها بالانغلاق كما هو حال البيئة المسيحية، والتي تجتمع على اختلافاتها السياسية حول مسألة اللامركزية الإدارية والمالية الموسعة. وبعضها الآخر بالسعي إلى التوسع والانفلاش جغرافياً بالمعاني الأمنية أو العسكرية أو الاجتماعية، وكذلك السياسية، من خلال تقديم الخدمات المالية والاجتماعية ورفع شعارات تمكنها من الاستقطاب، كما هو الحال بالنسبة إلى مصطلح وحدة الساحات، والذي يلقى صداه في لبنان كما في سوريا وفلسطين. ولشدة تأثير المصطلح، يتجه حزب الله إلى تأسيس مجموعة جديدة مشابهة لسرايا المقاومة، يطلق عليها اسم “شباب وحدة الساحات”، غايتها استقطاب شبان من طوائف مختلفة، لا سيما السنة والدروز، وخصوصاً في الجنوب، انطلاقاً من مشاهد تكريس معادلة جيش وشعب ومقاومة على الحدود، بالتظاهرات المتوالية أو بالمطالبة بانسحاب الاحتلال الاسرائيلي من الأراضي المحتلة. وهو ما سيكون له امتداده من الجنوب إلى بيروت، وطرابلس وعكار مروراً بصيدا، بمفعول رجعي، لمساعدات طبية، مالية، ومحروقات.. جهد الحزب على توزيعها طوال السنوات الفائتة، وقد وصل المازوت الايراني إلى عكار التي كُلمت في حادثة التليل، فخصص الحزب لأهالي الضحايا مبالغ مالية شهرية.








