ال”حزب” يستعدّ لمرحلة ما بعد غزة ويوجّه ومحوره رسائل في أكثر من اتّجاه

الكاتب: ابراهيم بيرم | المصدر: النهار
19 آذار 2024

على رغم ارتفاع منسوب التفاؤل بنتائج الجولة الأخيرة من المفاوضات الدائرة حالياً في الدوحة بهدف التوصل الى اتفاق يضع حداً لجولة العنف التي تعصف بغزة وقطاعها منذ السابع من تشرين الاول الماضي، والمقرون بعملية ممنهجة لتظهير الخلاف والتباين بين واشنطن من جهة وحكومة بنيامين نتنياهو من جهة أخرى، فإن “محور المقاومة” بكل ألوانه ما زال مقيماً على حذره ولم يغادر بعد خشيته انطلاقاً من مسلّمة طالما كرّرها نتنياهو نفسه مراراً وفحواها أن أي اتفاق لوقف الحرب الإسرائيلية على غزة وحركة “حماس” في هذا التوقيت وفي مثل هذه الشروط والنتائج معناه خسارة موصوفة له ولحكومته ولإسرائيل ومشروعها.

لذا فإن القناعة الراسخة لدى هذا المحور تنطلق من أن ما سُجّل خلال الساعات الماضية من حماوة في الاتصالات واللقاءات وحركة الموفدين وأطر التفاهم، لا يتعدّى كونه مناورة سياسية إسرائيلية –أميركية مشتركة ومنسّقة لأن كليهما لم يجنحا بعد الى إقرار تفاهم يكون مفتاحه وقف نار دائماً.

وبناءً على ذلك فإن “محور المقاومة” ولا سيما ركنه الأساس أي “حزب الله” ما زال يتصرّف على أساس أن المواجهات الضارية التي انطلقت في غزة منذ السابع من تشرين الأول الماضي، والمعارك التي بدأت على طول الحدود اللبنانية مع إسرائيل بعدها بيوم واحد فقط، مستمرة وتتوالى فصولاً وأنه لم يحن الوقت الذي تستطيع فيه واشنطن ممارسة ضغوط حاسمة وجدية على نتنياهو لوقف حربه المفتوحة على غزة بشراً وحجراً.

وأكثر من ذلك، يقول الخبير الاستراتيجي العميد الركن الياس فرحات، إن “محور المقاومة يمضي قدماً في سياسة تعزيز دفاعاته من جهة وفي تطوير أساليب هجماته الردعية من جهة أخرى، انطلاقاً من فرضية كامنة لدى هذا المحور ومفادها أن المعركة مع إسرائيل لم تضع أوزارها بعد، وأن نتنياهو استطراداً ما زال يعرف تمام المعرفة أن ما حققته حربه المفتوحة على غزة تحديداً وعلى الجنوب اللبناني امتداداً، من نتائج ميدانية، غير كافية إطلاقاً لتوفر له فرصة الخروج بصورة نصر يباهي بها، ولتؤمن له ما يجنّبه السقوط النهائي وخسارة أحلامه المعروفة بأن يصير واحداً من عداد القادة التاريخيين لبلاده”. ويتحدث العميد فرحات عن “ثلاث خطوات خطاها المحور في إطار سياسة تعزيز دفاعاته وهجماته في الأيام القليلة الماضية وهي:
الأولى: اللقاء الذي عُقد بين ممثلين عن جماعة “أنصار الله” اليمنية (الحوثيين) ومندوبين عن ثلاثة فصائل فلسطينية أساسية هي “حماس” و”الجهاد الإسلامي” و”الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين”. وفي تقديري إن القيمة الأساسية المضافة لهذا النبأ تتمثل في أمور ثلاثة، الأول انعقاده في بيروت بالذات، والثاني في إيصال خبر الاجتماع الى وكالات الأنباء العالمية لكي يأخذ هذا الحجم من التداول، والثالث أن البحث بين الأطراف الثلاثة المنضوين في محور واحد (كما ورد في البيان) تركّز على مسألة تنسيق الجهود وتكاملها لردع العدوان الإسرائيلي المستمر”.
الثانية: تتمثل في إعلان فصائل الحشد الشعبي في العراق (وهي أيضاً في محور المقاومة) أنها قررت توجيه صواريخها ومسيّراتها في اتجاه القواعد والمواقع العسكرية الإسرائيلية في الجولان وفي الداخل الإسرائيلي فقط والكفّ عن مهاجمة القواعد الأميركية في العراق وسوريا والأردن على غرار ما فعلته سابقاً مراراً.

أما الخطوة الثالثة فتتمثل في كلام وزير الدفاع الإيراني بعد لقائه بنظيره السوري في طهران، والذي أعلن فيه أن بلاده وسوريا باتتا تضعان في حساباتهما الرد على الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على الاراضي السورية.

وخلص العميد فرحات الى “أن إجراء أي ربط بين هذه المستجدات الثلاثة يطلق استنتاجاً جوهره أن قرار المحور يقضي بعدم الركون الى هدنة وتبريد قريبين والاستعداد في المقابل لمواجهات مع العدوانية الإسرائيلية مع ما يقتضي ذلك من زيادة الضغوط على إسرائيل لكي لا تتمادى في عدوانيتها.

وفي كل الأحوال فإن “حزب الله” وشركاء المواجهة ما زالوا ولا شك يذكرون التصريح الذي أطلقه الموفد الأميركي الخاص الى لبنان آموس هوكشتاين إبان زيارته الأخيرة لبيروت، إذ تعمّد في حينه أن يطلق على منبر عين التينة بالذات كلاماً فحواه أن أي وقف لإطلاق النار في غزة قد لا ينسحب بالضرورة تلقائياً على جبهة الجنوب المشتعلة.

وإن كان عند الحزب وشركاء المحور تشخيص مختلف لواقع الحال على الحدود واحتمالاته يستبعد إمكانية أن تواصل إسرائيل حربها على الجنوب إذا ما نجحت المفاوضات في تكريس هدنة في غزة، وهو يبني استنتاجه هذا على قرارات وحسابات استراتيجية – سياسية، فإنه (الحزب) قد تعامل ولا ريب مع كلام هوكشتاين على أساس أنه رسالة تهديد أميركية تصبّ في سياق كل جهود واشنطن الرامية الى خفض منسوب التوتر على الحدود للحيلولة دون توسّع إطار المواجهات على الحدود وتفتح أبواب حرب بلا سقوف ولا حدود. ورغم محورية هذا الأمر فإن الحزب وجد نفسه مضطراً لأن يعدّ رداً خشناً على هذا التحذير الأميركي الناعم عبر رسائل مضادة من العيار الثقيل”.

وهكذا يتضح أن رسائل بيروت وصنعاء وطهران هي رسائل مطلوبة بإلحاح سواء اتجهت الأمور نحو تبريد وتهدئة أو إسرائيل نفذت تهديداتها المتكررة بأن حسابها مع لبنان و”حزب الله” مختلف عن حسابها مع غزة.

ال”حزب” يستعدّ لمرحلة ما بعد غزة ويوجّه ومحوره رسائل في أكثر من اتّجاه

الكاتب: ابراهيم بيرم | المصدر: النهار
19 آذار 2024

على رغم ارتفاع منسوب التفاؤل بنتائج الجولة الأخيرة من المفاوضات الدائرة حالياً في الدوحة بهدف التوصل الى اتفاق يضع حداً لجولة العنف التي تعصف بغزة وقطاعها منذ السابع من تشرين الاول الماضي، والمقرون بعملية ممنهجة لتظهير الخلاف والتباين بين واشنطن من جهة وحكومة بنيامين نتنياهو من جهة أخرى، فإن “محور المقاومة” بكل ألوانه ما زال مقيماً على حذره ولم يغادر بعد خشيته انطلاقاً من مسلّمة طالما كرّرها نتنياهو نفسه مراراً وفحواها أن أي اتفاق لوقف الحرب الإسرائيلية على غزة وحركة “حماس” في هذا التوقيت وفي مثل هذه الشروط والنتائج معناه خسارة موصوفة له ولحكومته ولإسرائيل ومشروعها.

لذا فإن القناعة الراسخة لدى هذا المحور تنطلق من أن ما سُجّل خلال الساعات الماضية من حماوة في الاتصالات واللقاءات وحركة الموفدين وأطر التفاهم، لا يتعدّى كونه مناورة سياسية إسرائيلية –أميركية مشتركة ومنسّقة لأن كليهما لم يجنحا بعد الى إقرار تفاهم يكون مفتاحه وقف نار دائماً.

وبناءً على ذلك فإن “محور المقاومة” ولا سيما ركنه الأساس أي “حزب الله” ما زال يتصرّف على أساس أن المواجهات الضارية التي انطلقت في غزة منذ السابع من تشرين الأول الماضي، والمعارك التي بدأت على طول الحدود اللبنانية مع إسرائيل بعدها بيوم واحد فقط، مستمرة وتتوالى فصولاً وأنه لم يحن الوقت الذي تستطيع فيه واشنطن ممارسة ضغوط حاسمة وجدية على نتنياهو لوقف حربه المفتوحة على غزة بشراً وحجراً.

وأكثر من ذلك، يقول الخبير الاستراتيجي العميد الركن الياس فرحات، إن “محور المقاومة يمضي قدماً في سياسة تعزيز دفاعاته من جهة وفي تطوير أساليب هجماته الردعية من جهة أخرى، انطلاقاً من فرضية كامنة لدى هذا المحور ومفادها أن المعركة مع إسرائيل لم تضع أوزارها بعد، وأن نتنياهو استطراداً ما زال يعرف تمام المعرفة أن ما حققته حربه المفتوحة على غزة تحديداً وعلى الجنوب اللبناني امتداداً، من نتائج ميدانية، غير كافية إطلاقاً لتوفر له فرصة الخروج بصورة نصر يباهي بها، ولتؤمن له ما يجنّبه السقوط النهائي وخسارة أحلامه المعروفة بأن يصير واحداً من عداد القادة التاريخيين لبلاده”. ويتحدث العميد فرحات عن “ثلاث خطوات خطاها المحور في إطار سياسة تعزيز دفاعاته وهجماته في الأيام القليلة الماضية وهي:
الأولى: اللقاء الذي عُقد بين ممثلين عن جماعة “أنصار الله” اليمنية (الحوثيين) ومندوبين عن ثلاثة فصائل فلسطينية أساسية هي “حماس” و”الجهاد الإسلامي” و”الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين”. وفي تقديري إن القيمة الأساسية المضافة لهذا النبأ تتمثل في أمور ثلاثة، الأول انعقاده في بيروت بالذات، والثاني في إيصال خبر الاجتماع الى وكالات الأنباء العالمية لكي يأخذ هذا الحجم من التداول، والثالث أن البحث بين الأطراف الثلاثة المنضوين في محور واحد (كما ورد في البيان) تركّز على مسألة تنسيق الجهود وتكاملها لردع العدوان الإسرائيلي المستمر”.
الثانية: تتمثل في إعلان فصائل الحشد الشعبي في العراق (وهي أيضاً في محور المقاومة) أنها قررت توجيه صواريخها ومسيّراتها في اتجاه القواعد والمواقع العسكرية الإسرائيلية في الجولان وفي الداخل الإسرائيلي فقط والكفّ عن مهاجمة القواعد الأميركية في العراق وسوريا والأردن على غرار ما فعلته سابقاً مراراً.

أما الخطوة الثالثة فتتمثل في كلام وزير الدفاع الإيراني بعد لقائه بنظيره السوري في طهران، والذي أعلن فيه أن بلاده وسوريا باتتا تضعان في حساباتهما الرد على الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على الاراضي السورية.

وخلص العميد فرحات الى “أن إجراء أي ربط بين هذه المستجدات الثلاثة يطلق استنتاجاً جوهره أن قرار المحور يقضي بعدم الركون الى هدنة وتبريد قريبين والاستعداد في المقابل لمواجهات مع العدوانية الإسرائيلية مع ما يقتضي ذلك من زيادة الضغوط على إسرائيل لكي لا تتمادى في عدوانيتها.

وفي كل الأحوال فإن “حزب الله” وشركاء المواجهة ما زالوا ولا شك يذكرون التصريح الذي أطلقه الموفد الأميركي الخاص الى لبنان آموس هوكشتاين إبان زيارته الأخيرة لبيروت، إذ تعمّد في حينه أن يطلق على منبر عين التينة بالذات كلاماً فحواه أن أي وقف لإطلاق النار في غزة قد لا ينسحب بالضرورة تلقائياً على جبهة الجنوب المشتعلة.

وإن كان عند الحزب وشركاء المحور تشخيص مختلف لواقع الحال على الحدود واحتمالاته يستبعد إمكانية أن تواصل إسرائيل حربها على الجنوب إذا ما نجحت المفاوضات في تكريس هدنة في غزة، وهو يبني استنتاجه هذا على قرارات وحسابات استراتيجية – سياسية، فإنه (الحزب) قد تعامل ولا ريب مع كلام هوكشتاين على أساس أنه رسالة تهديد أميركية تصبّ في سياق كل جهود واشنطن الرامية الى خفض منسوب التوتر على الحدود للحيلولة دون توسّع إطار المواجهات على الحدود وتفتح أبواب حرب بلا سقوف ولا حدود. ورغم محورية هذا الأمر فإن الحزب وجد نفسه مضطراً لأن يعدّ رداً خشناً على هذا التحذير الأميركي الناعم عبر رسائل مضادة من العيار الثقيل”.

وهكذا يتضح أن رسائل بيروت وصنعاء وطهران هي رسائل مطلوبة بإلحاح سواء اتجهت الأمور نحو تبريد وتهدئة أو إسرائيل نفذت تهديداتها المتكررة بأن حسابها مع لبنان و”حزب الله” مختلف عن حسابها مع غزة.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار