بري يناقض اتفاقًا كتبه بنفسه

مقاربة بري ليست تفصيلًا. إنها تكريس لسرديّة تقوم على دفن الرأس في الرمال، ومحاولة لشراء الوقت في لحظة لا وقت فيها. والأسوأ أن هذه السردية تتصادم بشكل مباشر مع سرديّة “حزب الله” الذي يتباهى باستعادة الجهوزية، وكأن البلاد تتحضر لبروفة جديدة من حرب 2006، بينما “الحزب” يعيش إنكارًا مزدوجًا: إنكار الخسارة العسكرية والسياسية التي مُني بها، وإنكار أن الظروف تغيّرت جذريًا، وأن ما كان ممكنًا في 2006 لم يعد متاحًا اليوم، لا إقليميًا ولا دوليًا ولا لبنانيًا.
في الواقع، يتصرّف “الحزب” كمن يعيد ترتيب صفوفه لخوض حرب يعتبرها حتمية، فيما الوقائع على الأرض تكشف أن إسرائيل عادت إلى قرع طبول الحرب، وأن أي احتكاك قد يتحول إلى مواجهة واسعة لا قدرة للبنان على تحمّلها. وبينما يوحي بري بأنه يمسك بخيوط اللعبة السياسية، يتقدّم “الحزب” بخطابٍ تعبويّ منفصل تمامًا عن الوقائع، ويستعيد نبرة “توازن الردع” في لحظة لم يعد فيها أي توازن قائمًا.
تعيين سيمون كرم مفاوضًا شكّل بحد ذاته “إبرة أوكسيجين” للبنان، خطوة صغيرة في محاولة لتثبيت خيار التفاوض وفتح نافذة سياسية قبل الانفجار. لكن عمر هذه الإبرة قد لا يطول. فالمعادلة الجديدة التي تُطرح على الطاولة أميركيًا وإسرائيليًا لم تعد تفصل بين التفاوض واستئناف الحرب. بل تُقَدّم المسارين كخيارين متوازيين: إمّا تسوية واضحة ونهائية تفرض تطبيق اتفاق وقف إطلاق النار بلا استثناءات، وإمّا العودة إلى الحرب لفرض التطبيق بالقوة.
في هذا المشهد، يصبح كلام بري أقرب إلى محاولة التفلت من المسؤولية، لا إلى محاولة إنقاذ. فتجاهل حقائق الاتفاق، وإعادة تدوير مقولات فقدت صلاحيتها، لا ينقذان لبنان من حرب محتملة، ولا يعيدان ضبط العلاقة بين الدولة و”الحزب”. بل يعمّقان مأزق المؤسسات ويُضعفان قدرة الدولة على التفاوض، ويجعلان لبنان يبدو كمن يفاوض على تفاصيل صغيرة بينما الأسئلة الكبرى تُحدَّد في الخارج وتُفرَض كوقائع لا مهرب منها.
بري يناقض اتفاقًا كتبه بنفسه

مقاربة بري ليست تفصيلًا. إنها تكريس لسرديّة تقوم على دفن الرأس في الرمال، ومحاولة لشراء الوقت في لحظة لا وقت فيها. والأسوأ أن هذه السردية تتصادم بشكل مباشر مع سرديّة “حزب الله” الذي يتباهى باستعادة الجهوزية، وكأن البلاد تتحضر لبروفة جديدة من حرب 2006، بينما “الحزب” يعيش إنكارًا مزدوجًا: إنكار الخسارة العسكرية والسياسية التي مُني بها، وإنكار أن الظروف تغيّرت جذريًا، وأن ما كان ممكنًا في 2006 لم يعد متاحًا اليوم، لا إقليميًا ولا دوليًا ولا لبنانيًا.
في الواقع، يتصرّف “الحزب” كمن يعيد ترتيب صفوفه لخوض حرب يعتبرها حتمية، فيما الوقائع على الأرض تكشف أن إسرائيل عادت إلى قرع طبول الحرب، وأن أي احتكاك قد يتحول إلى مواجهة واسعة لا قدرة للبنان على تحمّلها. وبينما يوحي بري بأنه يمسك بخيوط اللعبة السياسية، يتقدّم “الحزب” بخطابٍ تعبويّ منفصل تمامًا عن الوقائع، ويستعيد نبرة “توازن الردع” في لحظة لم يعد فيها أي توازن قائمًا.
تعيين سيمون كرم مفاوضًا شكّل بحد ذاته “إبرة أوكسيجين” للبنان، خطوة صغيرة في محاولة لتثبيت خيار التفاوض وفتح نافذة سياسية قبل الانفجار. لكن عمر هذه الإبرة قد لا يطول. فالمعادلة الجديدة التي تُطرح على الطاولة أميركيًا وإسرائيليًا لم تعد تفصل بين التفاوض واستئناف الحرب. بل تُقَدّم المسارين كخيارين متوازيين: إمّا تسوية واضحة ونهائية تفرض تطبيق اتفاق وقف إطلاق النار بلا استثناءات، وإمّا العودة إلى الحرب لفرض التطبيق بالقوة.
في هذا المشهد، يصبح كلام بري أقرب إلى محاولة التفلت من المسؤولية، لا إلى محاولة إنقاذ. فتجاهل حقائق الاتفاق، وإعادة تدوير مقولات فقدت صلاحيتها، لا ينقذان لبنان من حرب محتملة، ولا يعيدان ضبط العلاقة بين الدولة و”الحزب”. بل يعمّقان مأزق المؤسسات ويُضعفان قدرة الدولة على التفاوض، ويجعلان لبنان يبدو كمن يفاوض على تفاصيل صغيرة بينما الأسئلة الكبرى تُحدَّد في الخارج وتُفرَض كوقائع لا مهرب منها.





