ليلة جنون تختصر “مآزق الحزب” الضاحية تحت وابل الهمجية والأوهام

ليلة من الرعب والترويع عاشها سكان المناطق المحيطة بالضاحية الجنوبية، من عين الرمانة والحدث و كفرشيما وصولاً الى بعبدا والحازمية المنصورية، أثارتها احتفالات خرقاء بنصر موهوم احتفى به “حزب الله” بالنار في مختلف أحياء الضاحية الجنوبية. قذائف “b7″ و”آربيجي” هزت أركان البيوت في المناطق المذكورة معيدة إلى الأذهان المترقبة و القلوب المرتجفة أصداء القصف الإسرائيلي بصواريخه ومسيراته و قذائفه. مفرقعات نارية أضاءت سماء الضاحية المغبرة من ركام البنايات المدمرة ورصاص خطاط أحمر اخترق ليل الضاحية الأسود مع زخات رصاص الابتهاج الغبي ليصيب بشظاياه القاتلة شخصين ويسلبهما حياتها.
حفلة من الجنون الخالص انطلقت عند منتصف الليل، مع بدء سريان وقف إطلاق النار، واستمرت لمدة ساعة لتهدأ من بعدها و كأن ثمة من كبس زر الانطلاق ليعود ويكبس بعده زر الانتهاء. فما حدث لم يكن عفويًا وغزارة إطلاق النيران، الخفيفة والمتوسطة، لم تكن مجرد تعبير عن احتفاء بنصر مزعوم و لا فرحًا بعودة إلى بيوت وأحياء مهدمة هجرتها إنذارات شفهية قبل أن تهجرها غارات صاروخية… فلا النصر تحقق ولا الفرح وجد له منفذًا إلى القلوب المثقلة بالألم والفقدان. وما حصل في الليلة المجنونة كان تمويهًا مقصودًا لذر الرماد بالعيون و الإيحاء بمعنويات لا تزال عالية كما كان رسالة إلى الداخل. إلى الدولة وإلى اللبنانيين المعارضين لـ”الحزب” وسلاحه وحربه: نحن هنا وسلاحنا لا يزال هنا ويدنا لا تزال على الزناد لتطال القريب قبل الغريب ومن يتجرأ من أبناء الوطن قبل الأعداء.
في عين الرمانة تروي ميشا كيف اهتزت بها جدران البيت مع كل قذيفة كانت تطلق وكيف اضطرت للنزول مع أطفالها الثلاثة الى الطابق الأرضي خوفًا من رصاص طائش قد يخترق زجاج البيت في أي لحظة. “كانت أصوات الرصاص وأصداء الانفجارات تملأ المنطقة من كل صوب لتقابلها في عين الرمانة شتائم الناس ولعناتهم التي لم يعد بالإمكان احتوائها داخل النفوس درءاً للفتنة”. فتنة الرصاص الطائش المنطلق بلا لجام كانت أشد حدة من قذائف صاروخية عدوة وحدت أهل المنطقة بالإنسانية وجمعتهم في خوف واحد وقلق واحد على الحاضر والمستقبل. في الحدث عاشت ناهدة الخوف نفسه وانزوت في مطبخ البيت لساعتين وأكثر في خوف لم تشعر بمثيل له في عز القصف الإسرائيلي. “كنا نستعد للغارات حين نسمع الإنذار ونعرف أي حي ستسقصد أما في ليلة الجنون فما عدنا نعرف من أين يتصاعد دوي الأنفجارات الذي تهتز له الجدران. زخات الرصاص كانت كالمطر في مشهد لا يمكن لعاقل أن يستوعبه. اي نصر هذا ولم يمض أسبوع بعد على اربعاء جنوني قاتل شهدت فيه الضاحية أسوأ أيامها”. المواطنون في هذه المناطق لم يخشوا التعبير بصوت عال عن مخاوف وجودية حول العيش المشترك مع إخوة مفترضين لهم في الوطن يستبيحون السلم الداخلي ويروعون الناس مجاناً …
على طريق كفرشيما وقف عماد يتأمل بغضب زجاج سيارته الأمامي الذي اخترقته رصاصة طائشة وحولته كومة زجاج على الأرض فيما التف حوله الجيران يحمدون الله على سلامته وسلامتهم وكلّ يروي فظائع ما عاشه من رعب في ليل” الانتصار”. على اختلاف التعابير فكرة واحدة تتردد على ألسن هؤلاء: ألم يكن من الأفضل لو وجهوا هذا البارود المحروق عبثًا إلى بنت جبيل مثلاً أو احتفظوا به لتحرير قرى الجنوب التي عاد الإسرائيلي واحتلها؟ هل يكون سلاح المقاومة في الداخل بين الأحياء السكنية أم على الحدود مع العدو؟ أي نصر يتم الاحتفاء به وفي أي لحظة يمكن لوقف إطلاق النار أن ينهار؟ في بيروت ووفق مصادر إعلامية متفرقة لم يكن الوضع أفضل وقد تضررت العديد من ممتلكات المواطنين و أصيبت سيارات بعض النازحين العائدين جراء الرصاص الطائش الذي لم يتوقف رغم مناشدات الجيش والمراجع الأمنية والمدنية.
الضاحية المكسورة
مع مطلع النهار الأول بعد سريان وقف إطلاق النار في لبنان، لم يكن المشهد في الضاحية الجنوبية شبيهًا بما شهده ليلها، كما لم يكن مماثلًا على الإطلاق لما شهدته الضاحية في أواخر تشرين الثاني 2024 مع انتهاء الحرب الماضية، وجولة صباحية في بعض أحيائها كانت كافية لإبراز التناقض بين المشهدين. حينها وفي الصباح الأول بعد انتهاء الحرب كانت أرتال السيارات العائدة المحملة بالفرش والأمتعة تملأ الشوارع والدراجات النارية تجوب الشوارع رافعة الأعلام الصفراء ورافعة صور نصرالله وكانت الأناشيد الحزبية تصدح عالية في الطرقات. على الوجوه ورغم الألم كانت الابتسامات واضحة والأصابع مرفوعة بعلامات النصر وفي العيون تحد وثقة.
اليوم غابت هذه المشاهد عن شوارع الضاحية وإن ظهر بعض اكتظاظ في الشارع الرئيسي الممتد من غاليري سمعان إلى الغبيري. هنا وعلى مصلبية المشرفية شبه تجمع بدأ يتكون يعلو فيه علم كبير لـ”حزب الله” تتوسطه صورة نعيم قاسم. أعداد المراسلين الصحافيين أكبر من أعداد المتجمهرين والنية هي في الاتجاه “نحو الداخل” كما قال لنا أحدهم أي نحو الأحياء الداخلية لحارة حريك. الدمار على ضفتي الشارع أكبر من الحرب الماضية: بنايات عدة على الأرض وأخرى متضررة بشدة. على الجسر تتدلى صورة عملاقة “للشهيدين” نصرالله وخامنيئي وعليها عبارة: “قريبًا سترون نعال السيدين الشهيدين نصرالله والخامنئي فوق رأس الأحمقين نتنياهو وترامب”. لكن على الأرض نعال الناس تتنقل بين الدمار، تحصي الأضرار وتتحسر على رزق ضاع…
الشباب بـ”تيشرتاتهم” الداكنة عادوا ليحتلوا الزوايا والفسحات تحت الجسور ويتجمعوا أمام دكاكين ومقاه ومحلات مناقيش اعتادو قبل الحروب التجمع عندها. بينهم بلا شك شباب من “الحزب” يراقبون بصمت الحركة نعرفهم من سماتهم و من هدوء لا يشبه صخب شبان الموتوسيكلات… لا أعلام صفراء على السيارات ولا علامات نصر تخرج من الشبابيك ولا مارة يتوقفون على البسطات عند نواصي الشوارع لشراء أعلام الحزب التي ترتفع جنبًا إلى جنب مع الأعلام الإيرانية أو بضعة أعلام لبنانية هجينة تتوسطها صورة نصرالله وأعلام سوداء تتوسطهها عبارة “إنّ حزب الله هم الغالبون”.
في الشوارع الداخلية تختلف الصورة عما هي عليه في الشوارع الرئيسية. من كنيسة مار مخايل باتجاه شارع الجاموس وصولاً إلى منطقة السانت تريز تتكشف صور الدمار. بنايات منهارة على الأرض تفوق بأعدادها ما شهدته الحرب الماضية، سيارات قليلة تعبر الشارع، لا حمولات على ظهورها ولا تكدس للعائلات داخلها ولا زمامير حماس تعلو منها… إنه الحذر لا يزال مسيطرًا على الأجواء كما تسيطر رائحة الردم والغبار المتصاعد منها في هذا اليوم الربيعي الحار. العودة التي نقلت محطات التلفزيون صورًا لها بدءًا من منتصف الليل لا يبدو لها أثر مع تقدم ساعات النهار. بنايات مشلعة، ستائر خارجية تحولت أشلاء، جدران متصدعة تهاوى بعضها على بعض، زجاج تناثر أكوامًا على الأرصفة وسكون مخيف… لافت خلو الشوارع من الناس ولافت امتناع سكان الأحياء عن العودة لتفقد منازلهم وكأن وقف إطلاق النار لم يتسلل إلى أذهانهم بعد، هم الذين لدغوا من الجحر مرات، وصدى البيان الذي اطلقه الرئيس نبيه بري في التريث بالعودة يرن في آذانهم. فقد دعا الرئيس بري الذين اضطروا إلى مغادرة “الأرض المباركة” سواء في الجنوب أو البقاع أو الضاحية الجنوبية إلى التريث في العودة رغم تفهمه لـ”وجع الشوق ومرارة الانتظار”، مؤكدًا أن الحفاظ على السلامة و الأرواح يبقى أولى الواجبات و اصدق وفاء للأرض.
المشاهدات من شوارع الضاحية مؤلمة: هنا ثلاث سيدات ينظرن بأعين دامعة إلى مبنى محترق بالكامل ويشرن بالأصبع الى طابق علوي ربما كان يختزن حياتهن وذكرياتهن وآمالهن. هناك رجل و ابنه المراهق يكنسان أكوام الزجاج و بقايا الأحلام بمستقبل مشرق من أمام محلهم… وفي كل الأمكنة حزن وألم وصمت لا يخرقه سوى أزيز الموتوسيكلات التي استعادت دورها وحضورها في شوارع الضاحية. هنا النصر المحتفى به بالقذائف والرصاص لا يجد له أصداء وسط الدمار والركام الذي لا يزال بعضه يحتضن أشلاء ضحايا سقطوا عبثًا وتحولوا “شهداء” رغمًا عنهم.
وتستمر الجولة في أحياء الضاحية الجنوبية ومع كل شارع نتقدم نحوه تترسخ صورة الهزيمة أكثر فأكثر: هزيمة الناس والآمال و الأحلام والمستقبل. هؤلاء أهل الضاحية الطيبون، الناس الذين لم يصابوا بلوثة العقيدة الغريبة يصرخون في السر والعلن: تعبنا، هزمنا ما ذنبنا لندفع ثمن حروب إيران على أرضنا من أرواحنا وأرزاقنا وآمالنا؟
ليلة جنون تختصر “مآزق الحزب” الضاحية تحت وابل الهمجية والأوهام

ليلة من الرعب والترويع عاشها سكان المناطق المحيطة بالضاحية الجنوبية، من عين الرمانة والحدث و كفرشيما وصولاً الى بعبدا والحازمية المنصورية، أثارتها احتفالات خرقاء بنصر موهوم احتفى به “حزب الله” بالنار في مختلف أحياء الضاحية الجنوبية. قذائف “b7″ و”آربيجي” هزت أركان البيوت في المناطق المذكورة معيدة إلى الأذهان المترقبة و القلوب المرتجفة أصداء القصف الإسرائيلي بصواريخه ومسيراته و قذائفه. مفرقعات نارية أضاءت سماء الضاحية المغبرة من ركام البنايات المدمرة ورصاص خطاط أحمر اخترق ليل الضاحية الأسود مع زخات رصاص الابتهاج الغبي ليصيب بشظاياه القاتلة شخصين ويسلبهما حياتها.
حفلة من الجنون الخالص انطلقت عند منتصف الليل، مع بدء سريان وقف إطلاق النار، واستمرت لمدة ساعة لتهدأ من بعدها و كأن ثمة من كبس زر الانطلاق ليعود ويكبس بعده زر الانتهاء. فما حدث لم يكن عفويًا وغزارة إطلاق النيران، الخفيفة والمتوسطة، لم تكن مجرد تعبير عن احتفاء بنصر مزعوم و لا فرحًا بعودة إلى بيوت وأحياء مهدمة هجرتها إنذارات شفهية قبل أن تهجرها غارات صاروخية… فلا النصر تحقق ولا الفرح وجد له منفذًا إلى القلوب المثقلة بالألم والفقدان. وما حصل في الليلة المجنونة كان تمويهًا مقصودًا لذر الرماد بالعيون و الإيحاء بمعنويات لا تزال عالية كما كان رسالة إلى الداخل. إلى الدولة وإلى اللبنانيين المعارضين لـ”الحزب” وسلاحه وحربه: نحن هنا وسلاحنا لا يزال هنا ويدنا لا تزال على الزناد لتطال القريب قبل الغريب ومن يتجرأ من أبناء الوطن قبل الأعداء.
في عين الرمانة تروي ميشا كيف اهتزت بها جدران البيت مع كل قذيفة كانت تطلق وكيف اضطرت للنزول مع أطفالها الثلاثة الى الطابق الأرضي خوفًا من رصاص طائش قد يخترق زجاج البيت في أي لحظة. “كانت أصوات الرصاص وأصداء الانفجارات تملأ المنطقة من كل صوب لتقابلها في عين الرمانة شتائم الناس ولعناتهم التي لم يعد بالإمكان احتوائها داخل النفوس درءاً للفتنة”. فتنة الرصاص الطائش المنطلق بلا لجام كانت أشد حدة من قذائف صاروخية عدوة وحدت أهل المنطقة بالإنسانية وجمعتهم في خوف واحد وقلق واحد على الحاضر والمستقبل. في الحدث عاشت ناهدة الخوف نفسه وانزوت في مطبخ البيت لساعتين وأكثر في خوف لم تشعر بمثيل له في عز القصف الإسرائيلي. “كنا نستعد للغارات حين نسمع الإنذار ونعرف أي حي ستسقصد أما في ليلة الجنون فما عدنا نعرف من أين يتصاعد دوي الأنفجارات الذي تهتز له الجدران. زخات الرصاص كانت كالمطر في مشهد لا يمكن لعاقل أن يستوعبه. اي نصر هذا ولم يمض أسبوع بعد على اربعاء جنوني قاتل شهدت فيه الضاحية أسوأ أيامها”. المواطنون في هذه المناطق لم يخشوا التعبير بصوت عال عن مخاوف وجودية حول العيش المشترك مع إخوة مفترضين لهم في الوطن يستبيحون السلم الداخلي ويروعون الناس مجاناً …
على طريق كفرشيما وقف عماد يتأمل بغضب زجاج سيارته الأمامي الذي اخترقته رصاصة طائشة وحولته كومة زجاج على الأرض فيما التف حوله الجيران يحمدون الله على سلامته وسلامتهم وكلّ يروي فظائع ما عاشه من رعب في ليل” الانتصار”. على اختلاف التعابير فكرة واحدة تتردد على ألسن هؤلاء: ألم يكن من الأفضل لو وجهوا هذا البارود المحروق عبثًا إلى بنت جبيل مثلاً أو احتفظوا به لتحرير قرى الجنوب التي عاد الإسرائيلي واحتلها؟ هل يكون سلاح المقاومة في الداخل بين الأحياء السكنية أم على الحدود مع العدو؟ أي نصر يتم الاحتفاء به وفي أي لحظة يمكن لوقف إطلاق النار أن ينهار؟ في بيروت ووفق مصادر إعلامية متفرقة لم يكن الوضع أفضل وقد تضررت العديد من ممتلكات المواطنين و أصيبت سيارات بعض النازحين العائدين جراء الرصاص الطائش الذي لم يتوقف رغم مناشدات الجيش والمراجع الأمنية والمدنية.
الضاحية المكسورة
مع مطلع النهار الأول بعد سريان وقف إطلاق النار في لبنان، لم يكن المشهد في الضاحية الجنوبية شبيهًا بما شهده ليلها، كما لم يكن مماثلًا على الإطلاق لما شهدته الضاحية في أواخر تشرين الثاني 2024 مع انتهاء الحرب الماضية، وجولة صباحية في بعض أحيائها كانت كافية لإبراز التناقض بين المشهدين. حينها وفي الصباح الأول بعد انتهاء الحرب كانت أرتال السيارات العائدة المحملة بالفرش والأمتعة تملأ الشوارع والدراجات النارية تجوب الشوارع رافعة الأعلام الصفراء ورافعة صور نصرالله وكانت الأناشيد الحزبية تصدح عالية في الطرقات. على الوجوه ورغم الألم كانت الابتسامات واضحة والأصابع مرفوعة بعلامات النصر وفي العيون تحد وثقة.
اليوم غابت هذه المشاهد عن شوارع الضاحية وإن ظهر بعض اكتظاظ في الشارع الرئيسي الممتد من غاليري سمعان إلى الغبيري. هنا وعلى مصلبية المشرفية شبه تجمع بدأ يتكون يعلو فيه علم كبير لـ”حزب الله” تتوسطه صورة نعيم قاسم. أعداد المراسلين الصحافيين أكبر من أعداد المتجمهرين والنية هي في الاتجاه “نحو الداخل” كما قال لنا أحدهم أي نحو الأحياء الداخلية لحارة حريك. الدمار على ضفتي الشارع أكبر من الحرب الماضية: بنايات عدة على الأرض وأخرى متضررة بشدة. على الجسر تتدلى صورة عملاقة “للشهيدين” نصرالله وخامنيئي وعليها عبارة: “قريبًا سترون نعال السيدين الشهيدين نصرالله والخامنئي فوق رأس الأحمقين نتنياهو وترامب”. لكن على الأرض نعال الناس تتنقل بين الدمار، تحصي الأضرار وتتحسر على رزق ضاع…
الشباب بـ”تيشرتاتهم” الداكنة عادوا ليحتلوا الزوايا والفسحات تحت الجسور ويتجمعوا أمام دكاكين ومقاه ومحلات مناقيش اعتادو قبل الحروب التجمع عندها. بينهم بلا شك شباب من “الحزب” يراقبون بصمت الحركة نعرفهم من سماتهم و من هدوء لا يشبه صخب شبان الموتوسيكلات… لا أعلام صفراء على السيارات ولا علامات نصر تخرج من الشبابيك ولا مارة يتوقفون على البسطات عند نواصي الشوارع لشراء أعلام الحزب التي ترتفع جنبًا إلى جنب مع الأعلام الإيرانية أو بضعة أعلام لبنانية هجينة تتوسطها صورة نصرالله وأعلام سوداء تتوسطهها عبارة “إنّ حزب الله هم الغالبون”.
في الشوارع الداخلية تختلف الصورة عما هي عليه في الشوارع الرئيسية. من كنيسة مار مخايل باتجاه شارع الجاموس وصولاً إلى منطقة السانت تريز تتكشف صور الدمار. بنايات منهارة على الأرض تفوق بأعدادها ما شهدته الحرب الماضية، سيارات قليلة تعبر الشارع، لا حمولات على ظهورها ولا تكدس للعائلات داخلها ولا زمامير حماس تعلو منها… إنه الحذر لا يزال مسيطرًا على الأجواء كما تسيطر رائحة الردم والغبار المتصاعد منها في هذا اليوم الربيعي الحار. العودة التي نقلت محطات التلفزيون صورًا لها بدءًا من منتصف الليل لا يبدو لها أثر مع تقدم ساعات النهار. بنايات مشلعة، ستائر خارجية تحولت أشلاء، جدران متصدعة تهاوى بعضها على بعض، زجاج تناثر أكوامًا على الأرصفة وسكون مخيف… لافت خلو الشوارع من الناس ولافت امتناع سكان الأحياء عن العودة لتفقد منازلهم وكأن وقف إطلاق النار لم يتسلل إلى أذهانهم بعد، هم الذين لدغوا من الجحر مرات، وصدى البيان الذي اطلقه الرئيس نبيه بري في التريث بالعودة يرن في آذانهم. فقد دعا الرئيس بري الذين اضطروا إلى مغادرة “الأرض المباركة” سواء في الجنوب أو البقاع أو الضاحية الجنوبية إلى التريث في العودة رغم تفهمه لـ”وجع الشوق ومرارة الانتظار”، مؤكدًا أن الحفاظ على السلامة و الأرواح يبقى أولى الواجبات و اصدق وفاء للأرض.
المشاهدات من شوارع الضاحية مؤلمة: هنا ثلاث سيدات ينظرن بأعين دامعة إلى مبنى محترق بالكامل ويشرن بالأصبع الى طابق علوي ربما كان يختزن حياتهن وذكرياتهن وآمالهن. هناك رجل و ابنه المراهق يكنسان أكوام الزجاج و بقايا الأحلام بمستقبل مشرق من أمام محلهم… وفي كل الأمكنة حزن وألم وصمت لا يخرقه سوى أزيز الموتوسيكلات التي استعادت دورها وحضورها في شوارع الضاحية. هنا النصر المحتفى به بالقذائف والرصاص لا يجد له أصداء وسط الدمار والركام الذي لا يزال بعضه يحتضن أشلاء ضحايا سقطوا عبثًا وتحولوا “شهداء” رغمًا عنهم.
وتستمر الجولة في أحياء الضاحية الجنوبية ومع كل شارع نتقدم نحوه تترسخ صورة الهزيمة أكثر فأكثر: هزيمة الناس والآمال و الأحلام والمستقبل. هؤلاء أهل الضاحية الطيبون، الناس الذين لم يصابوا بلوثة العقيدة الغريبة يصرخون في السر والعلن: تعبنا، هزمنا ما ذنبنا لندفع ثمن حروب إيران على أرضنا من أرواحنا وأرزاقنا وآمالنا؟










