الخطاب المسلح و “عمائم الفتنة”

الكاتب: سامر زريق | المصدر: نداء الوطن
18 نيسان 2026

يختلف “حزب الله” عن الأحزاب السياسية الطبيعية في العالم، بأنه لا يحمل مشروعًا سياسيًا واضح المعالم يعكف على ترويجه، وتطبيقه حال وصوله إلى الحكم. فهو تنظيم عسكري لديه أجنحة سياسية وإعلامية وثقافية واجتماعية، وظف هيمنته لعسكرة المجتمع وحفر الأنفاق وتكديس الصواريخ تحت دور العبادة والمؤسسات التعليمية، والتعامل مع مؤسسات الدولة بنهج عدواني يرتكز على سياسات الاختراق والسيطرة.

يتبنى هذا التنظيم منذ نشأته خطابًا مسلحًا بسمات هجومية خالصة، ويستند إلى آلة إعلامية مؤثرة، بهدف تعبئة حاضنته وإبقائها في حالة توتر دائم وتحفّز للهجوم على الآخر، الذي يمكن أن يكون أي جهة أو شخصية، حتى ولو كان الرئيس نبيه بري في ساعة العسرة. حينما صعد نجمه في “جمهورية الطائف” واصل تبني الخطاب نفسه مع تطويره ورفده بأدوات الدعاية اللازمة للتوسع والتأثير.

آنذاك كان بطل الرواية الهجومية رفيق الحريري، نجم المرحلة، والنقيض الطبيعي لكل ما يجسده “حزب الله”. بعد اغتياله، ارتكب وريثه السياسي والرئيس فؤاد السنيورة خطأ قاتلًا بغض الطرف عن توزير شيعة من خارج نفوذ “الثنائي” في عز زخم “14 آذار”، والغطاء العربي والدولي الاستثنائي الذي كانت تتمتع به، في لحظة كان “حزب الله” فيها في وضعية انكفائية متوثبة، بينما كان مشعل الوصاية ينتقل من نظام الأسد إلى نظام الملالي.

تلك الخطوة كان بإمكانها إحداث خرق يمكن البناء عليه، أقله تكريس عرف سياسي يحول دون وصول “الحزب” إلى اختطاف الطائفة الشيعية وقرارها. بين “حرب تموز” والحرب الحالية عقدان توالى فيهما أبطال العداوة والخيانة في الخطاب المسلح. بدءًا بالرئيس فؤاد السنيورة الذي وصِمت حكومته بـ “حكومة فيلتمان”. مرورًا بـ “تيار المستقبل” وجناحه العسكري المتخيّل و “المحكمة الدولية” و”شهداء الزور”، وزعيم التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط.

مفهوم “أشرف الناس” الذي أطلقه السيد نصر الله في “خطاب الانتصار” على جمهور تنظيمه حمل كل سمات التمييز السياسي والطائفي والمذهبي، لأنه يعني أن كل من هم خارج دائرة الولاء فاقدو الشرف، وعقوبة جريمة الشرف في الشريعة الإسلامية معروفة. نتيجة هذا الخطاب كانت فتن وقلائل ودماء، من الاعتصام بوسط بيروت إلى انقلاب “القمصان السود”، وما بينهما من اشتباكات مذهبية، و “غزوة 7 أيار”.

وإذا كانت المصطلحات التي يطلقها “الحزب” في خطابه راهنًا على الرئيس نواف سلام نسخة طبق الأصل عن تلك التي وصِم بها السنيورة، وكذلك تخوين السلطة والطعن بمشروعيتها، فإن الصهيونية التي جعلها صنوًا لـ “القوات” في خطابه، بعدما استحالت إثر سقوط أوراق “14 آذار” حصنًا سياديًا يلتحف به المعارضون لنير الاستعمار الفكري لـ “الحزب”، والقمع الأمني للأجهزة الأمنية تحت وصايته، كان بطلها وليد جنبلاط وبنفس المصطلحات.

ناهيكم عن الخطبة الشهيرة “أنت ما هو تاريخك، وبالـ 82 أين كنت ومع من”، فإن السيد نصر الله في مؤتمر صحافي في اليوم التالي لـ “7 أيار” وصف جنبلاط بـ “القاتل” وأنه “موظف عند كوندوليزا رايس”، والحكومة بـ “اللاشرعية” والدولة بـ “العصابة”، وقال “من يريد أن يعتقلنا سنعتقله، ومن يطلق النار علينا سنطلق النار عليه”. ويزيد “التحالف الرباعي لن يروه لا في هذه الدنيا ولا في الآخرة، ولن نلتقي فيها على أي حال”، بمعنى أنه في الجنة وكل الباقين من خصوم سياسيين في النار. سبقه بيان رسمي صادر عن الجناح الإعلامي قال “لو تجسد الغدر رجلًا لكان اسمه وليد جنبلاط”.

أعقب ذلك خطاب مذهبي غير مسبوق في التاريخ المعاصر موجّه ضد السنة ترافق مع دخوله الاحتلالي إلى سوريا بشعارات “يا لثارات الحسين” و “لن تُسبى زينب مرتين”، ومصطلح “عمائم الفتنة” الذي استخدم للهجوم على رجال الدين السنة المعارضين لمشروع الملالي التوسعي المذهبي وعزلهم سياسيًا ودينيًا. والمفارقة أن المصطلح نفسه يستخدم اليوم من قبل بعض علماء دار الفتوى لتوصيف المشايخ الموالين للميليشيا لأسباب سياسية أو مالية.

أتبع بخطاب عدواني ضد السعودية ودول الخليج ترجم بتعميم هتافات العداء لآل سعود في التجمعات الجماهيرية. زد عليها اللمز والغمز بين الفينة والأخرى من شريك “الثنائية الشيعية” عبر مقالات أو بيانات. ربّ قائل أن إيقاظ الذاكرة غير مناسب لدواعٍ فتنوية، إلا أن المراد هو تبيان أن الفتنة هي ديدن “الحزب” في خطابه، وسلاحه الأثير في نهجه، كما عبّر بجلاء في الظهور الميليشياوي في الضاحية لترهيب بيروت وأهلها، والاعتداء على الصحافيين في حربه المفتوحة على الإعلام منابرَ وأشخاصًا.

ضمن مخاض التحرر من زمن الميليشيا، يواجه صناع القرار بصلابة وشجاعة تحدي عدم الركون إلى موجة التطبيع مع فائض الخوف من الفتنة التي زرعها ورسخها الخطاب المسلح في العقل الجمعي، وكأنه يحتكر “المطهر” الذي تحدث عنه دانتي في “الكوميديا الإلهية”. والحال أنه آن أوان عبور “المطهر” لا نحو الميليشيا إنما نحو الدولة التي تمتلك الوسائل اللازمة لجعلها تحت الضغط وليس العكس. قالت العرب قديمًا “نصف الناس أعداء لمن حكم، هذا إن عدل”، فيما هذا الخطاب المسلح يجعل أكثر من نصف الناس أعداءً لتنظيم ميليشياوي طغى وتجبّر.

الخطاب المسلح و “عمائم الفتنة”

الكاتب: سامر زريق | المصدر: نداء الوطن
18 نيسان 2026

يختلف “حزب الله” عن الأحزاب السياسية الطبيعية في العالم، بأنه لا يحمل مشروعًا سياسيًا واضح المعالم يعكف على ترويجه، وتطبيقه حال وصوله إلى الحكم. فهو تنظيم عسكري لديه أجنحة سياسية وإعلامية وثقافية واجتماعية، وظف هيمنته لعسكرة المجتمع وحفر الأنفاق وتكديس الصواريخ تحت دور العبادة والمؤسسات التعليمية، والتعامل مع مؤسسات الدولة بنهج عدواني يرتكز على سياسات الاختراق والسيطرة.

يتبنى هذا التنظيم منذ نشأته خطابًا مسلحًا بسمات هجومية خالصة، ويستند إلى آلة إعلامية مؤثرة، بهدف تعبئة حاضنته وإبقائها في حالة توتر دائم وتحفّز للهجوم على الآخر، الذي يمكن أن يكون أي جهة أو شخصية، حتى ولو كان الرئيس نبيه بري في ساعة العسرة. حينما صعد نجمه في “جمهورية الطائف” واصل تبني الخطاب نفسه مع تطويره ورفده بأدوات الدعاية اللازمة للتوسع والتأثير.

آنذاك كان بطل الرواية الهجومية رفيق الحريري، نجم المرحلة، والنقيض الطبيعي لكل ما يجسده “حزب الله”. بعد اغتياله، ارتكب وريثه السياسي والرئيس فؤاد السنيورة خطأ قاتلًا بغض الطرف عن توزير شيعة من خارج نفوذ “الثنائي” في عز زخم “14 آذار”، والغطاء العربي والدولي الاستثنائي الذي كانت تتمتع به، في لحظة كان “حزب الله” فيها في وضعية انكفائية متوثبة، بينما كان مشعل الوصاية ينتقل من نظام الأسد إلى نظام الملالي.

تلك الخطوة كان بإمكانها إحداث خرق يمكن البناء عليه، أقله تكريس عرف سياسي يحول دون وصول “الحزب” إلى اختطاف الطائفة الشيعية وقرارها. بين “حرب تموز” والحرب الحالية عقدان توالى فيهما أبطال العداوة والخيانة في الخطاب المسلح. بدءًا بالرئيس فؤاد السنيورة الذي وصِمت حكومته بـ “حكومة فيلتمان”. مرورًا بـ “تيار المستقبل” وجناحه العسكري المتخيّل و “المحكمة الدولية” و”شهداء الزور”، وزعيم التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط.

مفهوم “أشرف الناس” الذي أطلقه السيد نصر الله في “خطاب الانتصار” على جمهور تنظيمه حمل كل سمات التمييز السياسي والطائفي والمذهبي، لأنه يعني أن كل من هم خارج دائرة الولاء فاقدو الشرف، وعقوبة جريمة الشرف في الشريعة الإسلامية معروفة. نتيجة هذا الخطاب كانت فتن وقلائل ودماء، من الاعتصام بوسط بيروت إلى انقلاب “القمصان السود”، وما بينهما من اشتباكات مذهبية، و “غزوة 7 أيار”.

وإذا كانت المصطلحات التي يطلقها “الحزب” في خطابه راهنًا على الرئيس نواف سلام نسخة طبق الأصل عن تلك التي وصِم بها السنيورة، وكذلك تخوين السلطة والطعن بمشروعيتها، فإن الصهيونية التي جعلها صنوًا لـ “القوات” في خطابه، بعدما استحالت إثر سقوط أوراق “14 آذار” حصنًا سياديًا يلتحف به المعارضون لنير الاستعمار الفكري لـ “الحزب”، والقمع الأمني للأجهزة الأمنية تحت وصايته، كان بطلها وليد جنبلاط وبنفس المصطلحات.

ناهيكم عن الخطبة الشهيرة “أنت ما هو تاريخك، وبالـ 82 أين كنت ومع من”، فإن السيد نصر الله في مؤتمر صحافي في اليوم التالي لـ “7 أيار” وصف جنبلاط بـ “القاتل” وأنه “موظف عند كوندوليزا رايس”، والحكومة بـ “اللاشرعية” والدولة بـ “العصابة”، وقال “من يريد أن يعتقلنا سنعتقله، ومن يطلق النار علينا سنطلق النار عليه”. ويزيد “التحالف الرباعي لن يروه لا في هذه الدنيا ولا في الآخرة، ولن نلتقي فيها على أي حال”، بمعنى أنه في الجنة وكل الباقين من خصوم سياسيين في النار. سبقه بيان رسمي صادر عن الجناح الإعلامي قال “لو تجسد الغدر رجلًا لكان اسمه وليد جنبلاط”.

أعقب ذلك خطاب مذهبي غير مسبوق في التاريخ المعاصر موجّه ضد السنة ترافق مع دخوله الاحتلالي إلى سوريا بشعارات “يا لثارات الحسين” و “لن تُسبى زينب مرتين”، ومصطلح “عمائم الفتنة” الذي استخدم للهجوم على رجال الدين السنة المعارضين لمشروع الملالي التوسعي المذهبي وعزلهم سياسيًا ودينيًا. والمفارقة أن المصطلح نفسه يستخدم اليوم من قبل بعض علماء دار الفتوى لتوصيف المشايخ الموالين للميليشيا لأسباب سياسية أو مالية.

أتبع بخطاب عدواني ضد السعودية ودول الخليج ترجم بتعميم هتافات العداء لآل سعود في التجمعات الجماهيرية. زد عليها اللمز والغمز بين الفينة والأخرى من شريك “الثنائية الشيعية” عبر مقالات أو بيانات. ربّ قائل أن إيقاظ الذاكرة غير مناسب لدواعٍ فتنوية، إلا أن المراد هو تبيان أن الفتنة هي ديدن “الحزب” في خطابه، وسلاحه الأثير في نهجه، كما عبّر بجلاء في الظهور الميليشياوي في الضاحية لترهيب بيروت وأهلها، والاعتداء على الصحافيين في حربه المفتوحة على الإعلام منابرَ وأشخاصًا.

ضمن مخاض التحرر من زمن الميليشيا، يواجه صناع القرار بصلابة وشجاعة تحدي عدم الركون إلى موجة التطبيع مع فائض الخوف من الفتنة التي زرعها ورسخها الخطاب المسلح في العقل الجمعي، وكأنه يحتكر “المطهر” الذي تحدث عنه دانتي في “الكوميديا الإلهية”. والحال أنه آن أوان عبور “المطهر” لا نحو الميليشيا إنما نحو الدولة التي تمتلك الوسائل اللازمة لجعلها تحت الضغط وليس العكس. قالت العرب قديمًا “نصف الناس أعداء لمن حكم، هذا إن عدل”، فيما هذا الخطاب المسلح يجعل أكثر من نصف الناس أعداءً لتنظيم ميليشياوي طغى وتجبّر.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار