حرب القناعات في لبنان: أوهام منتصرة وحقائق مدمّرة

الكاتب: خضر نجدي | المصدر: نداء الوطن
19 نيسان 2026

في المجتمعات التي تعيش أزمات متكررة، يفترض أن تتحول التجربة إلى ذاكرة، والذاكرة إلى وعي، والوعي إلى سياسات تمنع تكرار الكارثة. هذه هي القاعدة التي تميز الإنسان عن سائر الكائنات بقدرته على التعلم لمواجهة تحديات الخطر.

لكن في لبنان، يبدو أن هذه القاعدة معطّلة. فبدل أن تكون التجارب المتراكمة رافعة لتصحيح المسار، تتحول القناعات إلى جبهات صلبة تتواجه خارج معيار المصلحة العامة، حتى عندما تثبت التجربة كلفتها الكارثية. وكترجمة لما تقدم فان الدول التي تتعلم من تاريخها، تتحول الحروب إلى دروس، والهزائم إلى مراجعات، والتجارب القاسية إلى سياسات تمنع تكرارها. هذه القاعدة البديهية، تبدو في الحالة اللبنانية معطّلة إلى حدّ خطير. فبدل أن تقود الكوارث إلى إعادة النظر، تتحول إلى مادة إضافية لتصلّب القناعات، حيث يتمسك كل طرف بسرديته بوصفها الحقيقة الكاملة، حتى لو كان الثمن انهيار المجتمع والدولة معًا.

المشكلة في لبنان ليست في تعدد الآراء أو القناعات، فهذا أمر طبيعي في أي مجتمع تعددي، بل في تحوّل هذه القناعات إلى منظومات مغلقة لا تقبل المراجعة، وتتعامل مع الوقائع فقط بقدر ما تؤكد صوابها. عند هذه النقطة، تفقد القناعة طابعها السياسي لتتحول إلى هوية، ويصبح التراجع عنها أشبه بالتخلّي عن الذات. وهنا تحديدًا تنقلب المعادلة: بدل أن تؤدي الكارثة إلى مراجعة، تصبح دليلاً إضافيًا على “الصواب”، ويغدو الألم نفسه أداة لتكريس القناعة لا لتصحيحها.

هذه الظاهرة ليست جديدة في التجربة اللبنانية. ففي سياق الصراع مع إسرائيل، شكّل الدعم الشعبي للقضية الفلسطينية حالة شبه جامعة في بداياتها، لكن ممارسة حاملي لواء القضية على الأرض، خصوصًا بعد اتفاق القاهرة عام 1969، أدخلت لبنان في واقع مختلف، حيث نشأت وقائع أمنية وسياسية خارج إطار الدولة. هذا التحول لم يُنتج قراءة وطنية موحّدة، بل انقسامًا حادًا بين من استمر في النظر إلى المسألة من زاوية الحق المطلق، ومن بدأ يقرأها من زاوية كلفة الداخل وتفكك الدولة التي تحفظ مصالحها ، بدل ان تبنى على عدالة الجميع. بلغ هذا التناقض ذروته مع الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، حين ظهرت مفارقة تاريخية تمثلت في تعامل بعض الفئات وحمل السلاح، لا سيما في الجنوب، مع الاجتياح بداية كخلاص من واقع داخلي مأزوم، بسبب تلمس تلك الفئة قهر القناعة الواحدة التي لا تقبل النقد والتغير، قبل أن تتحول هذه الجماعات لاحقًا إلى مقاومة الاحتلال. هذه التحولات لا تعكس تناقضًا بقدر ما تكشف أن القناعات، مهما بدت صلبة، تتبدل تحت ضغط التجربة، لكن المشكلة أنها تتبدل متأخرة، بعد أن يكون الثمن قد دُفع بالكامل.

اليوم، وبعد عقود من هذه التجارب، تتكرر الحروب والمواجهات العسكرية تحت عناوين جديدة، ضمن مضامين الخطاب إيّاه، لتعاد المعادلة نفسها، لكن بكلفة أعلى بكثير. فقد خسر لبنان منذ عام 2019 أكثر من 38% من ناتجه المحلي، في واحدة من أسوأ الأزمات الاقتصادية عالميًا، فيما تشير التقديرات إلى أن الخسائر الناتجة عن جولات المواجهة الأخيرة بلغت نحو عشرات مليارات الدولارات ، بين أضرار مباشرة وخسائر اقتصادية. وفي موازاة ذلك، ارتفعت معدلات الفقر إلى نحو 44% من السكان، فيما يرزح ما يقارب 80% تحت الفقر متعدد الأبعاد، مع بطالة مرشحة لتجاوز 30%، ونزوح داخلي تجاوز مئات آلاف الأشخاص، إضافة إلى تضرر عشرات آلاف المباني والمؤسسات. هذه الأرقام لا تعبّر فقط عن أزمة اقتصادية، بل عن نتيجة مباشرة لتكرار الخيارات نفسها دون مراجعة حقيقية، حيث تتقدم القناعات على الحسابات الوطنية، ويُترك المجتمع ليدفع الكلفة.

ما يزيد من خطورة هذا الواقع أن تكرار التجارب والمواجهات، لاسيما مع العدو الاسرائيلي، لا يعود إلى غياب المعرفة، بل إلى آليات متجذرة تمنع التعلم. فالذاكرة الجماعية في لبنان انتقائية، تستعيد ما يخدم السردية وتتجاهل ما يناقضها، فيما تتحول القناعة إلى ما يشبه المقدس الذي لا يُمسّ. وفي ظل ضعف الدولة، تغيب المرجعية القادرة على فرض قراءة مشتركة للمصلحة العامة، ويصبح الإعلام في كثير من الأحيان صدى للانقسام بدل أن يكون أداة نقد وتفكيك. وهكذا، تتكرس حلقة مغلقة: تجربة قاسية، ثم تفسيرها بما يخدم القناعة، ثم إعادة إنتاجها في الواقع.

المفارقة أن هذا المسار يتناقض مع أبسط عوامل اختلاف الانسان عن الكائنات الاخرى، ما أكد امتلاكه العقل الذي يراكم السلوك ويميز اختلافاته ، والا استمر يمارس نفس السلوك منذ ولادته حتى الآن ، ويتناقض ايضا مع شروط تطور الإنسان، الذي بنى حضارته على التعلم من السلوك السابق ، ومعرفة المخاطر من الأمان في كل ما يواجهه، من الطبيعة ومن الحروب ومن الكوارث. أما حين تفشل المجتمعات في تحويل التجربة إلى معرفة، فإنها تفقد إحدى أهم ميزات بقائها. في الحالة اللبنانية، لا يبدو أن المشكلة في نقص التجارب، بل في فائضها، من دون القدرة على استخلاص العبر منها، ما يجعل كل جولة جديدة أكثر كلفة من سابقتها.

ما يجري اليوم ليس إلا امتدادًا لهذا النمط، لكن في ظروف أكثر هشاشة ، هجرة واسعة، ومجتمع يزداد انقسامًا. ومع ذلك، يستمر الخطاب نفسه، وتُعاد إنتاج القناعات ذاتها، وكأن شيئًا لم يحدث. هذا الإصرار لا يمكن تفسيره فقط بالسياسة، بل يعكس خللاً عميقًا في العلاقة بين القناعة والتجربة، حيث تنفصل الأولى عن الثانية، وتتحول إلى مرجعية قائمة بذاتها.

الخروج من هذه الحلقة لا يكون بإلغاء القناعات، بل بإخضاعها لمعيار أعلى هو المصلحة العامة. أي قناعة لا تُقاس بكلفتها على المجتمع، ولا تخضع للمراجعة بعد التجربة، تتحول إلى خطر. المطلوب ليس توحيد اللبنانيين حول رأي واحد، بل بناء حد أدنى من الاتفاق على أن حماية المجتمع والدولة تتقدم على أي سردية، وأن التجربة، لا الخطاب، هي المعيار النهائي للحكم على الخيارات.

في النهاية، لم يعد السؤال من على حق، بل من يدفع الثمن، والثمن في لبنان بات واضحًا: انهيار اقتصادي، تفكك اجتماعي، وهجرة مستمرة. القناعات، حين لا تخضع للواقع، تتحول من قوة دافعة إلى عبء قاتل، وحين تتواجه خارج إطار المصلحة العامة، لا تنتج توازنًا، بل تفتح الباب أمام تكرار الكارثة. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم، بإلحاح غير مسبوق، ليس أي قناعة يجب أن تنتصر، بل كم مرة يجب أن ينهار البلد قبل أن تصبح المراجعة شرطًا للبقاء، لا خيارًا مؤجلاً.

حرب القناعات في لبنان: أوهام منتصرة وحقائق مدمّرة

الكاتب: خضر نجدي | المصدر: نداء الوطن
19 نيسان 2026

في المجتمعات التي تعيش أزمات متكررة، يفترض أن تتحول التجربة إلى ذاكرة، والذاكرة إلى وعي، والوعي إلى سياسات تمنع تكرار الكارثة. هذه هي القاعدة التي تميز الإنسان عن سائر الكائنات بقدرته على التعلم لمواجهة تحديات الخطر.

لكن في لبنان، يبدو أن هذه القاعدة معطّلة. فبدل أن تكون التجارب المتراكمة رافعة لتصحيح المسار، تتحول القناعات إلى جبهات صلبة تتواجه خارج معيار المصلحة العامة، حتى عندما تثبت التجربة كلفتها الكارثية. وكترجمة لما تقدم فان الدول التي تتعلم من تاريخها، تتحول الحروب إلى دروس، والهزائم إلى مراجعات، والتجارب القاسية إلى سياسات تمنع تكرارها. هذه القاعدة البديهية، تبدو في الحالة اللبنانية معطّلة إلى حدّ خطير. فبدل أن تقود الكوارث إلى إعادة النظر، تتحول إلى مادة إضافية لتصلّب القناعات، حيث يتمسك كل طرف بسرديته بوصفها الحقيقة الكاملة، حتى لو كان الثمن انهيار المجتمع والدولة معًا.

المشكلة في لبنان ليست في تعدد الآراء أو القناعات، فهذا أمر طبيعي في أي مجتمع تعددي، بل في تحوّل هذه القناعات إلى منظومات مغلقة لا تقبل المراجعة، وتتعامل مع الوقائع فقط بقدر ما تؤكد صوابها. عند هذه النقطة، تفقد القناعة طابعها السياسي لتتحول إلى هوية، ويصبح التراجع عنها أشبه بالتخلّي عن الذات. وهنا تحديدًا تنقلب المعادلة: بدل أن تؤدي الكارثة إلى مراجعة، تصبح دليلاً إضافيًا على “الصواب”، ويغدو الألم نفسه أداة لتكريس القناعة لا لتصحيحها.

هذه الظاهرة ليست جديدة في التجربة اللبنانية. ففي سياق الصراع مع إسرائيل، شكّل الدعم الشعبي للقضية الفلسطينية حالة شبه جامعة في بداياتها، لكن ممارسة حاملي لواء القضية على الأرض، خصوصًا بعد اتفاق القاهرة عام 1969، أدخلت لبنان في واقع مختلف، حيث نشأت وقائع أمنية وسياسية خارج إطار الدولة. هذا التحول لم يُنتج قراءة وطنية موحّدة، بل انقسامًا حادًا بين من استمر في النظر إلى المسألة من زاوية الحق المطلق، ومن بدأ يقرأها من زاوية كلفة الداخل وتفكك الدولة التي تحفظ مصالحها ، بدل ان تبنى على عدالة الجميع. بلغ هذا التناقض ذروته مع الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، حين ظهرت مفارقة تاريخية تمثلت في تعامل بعض الفئات وحمل السلاح، لا سيما في الجنوب، مع الاجتياح بداية كخلاص من واقع داخلي مأزوم، بسبب تلمس تلك الفئة قهر القناعة الواحدة التي لا تقبل النقد والتغير، قبل أن تتحول هذه الجماعات لاحقًا إلى مقاومة الاحتلال. هذه التحولات لا تعكس تناقضًا بقدر ما تكشف أن القناعات، مهما بدت صلبة، تتبدل تحت ضغط التجربة، لكن المشكلة أنها تتبدل متأخرة، بعد أن يكون الثمن قد دُفع بالكامل.

اليوم، وبعد عقود من هذه التجارب، تتكرر الحروب والمواجهات العسكرية تحت عناوين جديدة، ضمن مضامين الخطاب إيّاه، لتعاد المعادلة نفسها، لكن بكلفة أعلى بكثير. فقد خسر لبنان منذ عام 2019 أكثر من 38% من ناتجه المحلي، في واحدة من أسوأ الأزمات الاقتصادية عالميًا، فيما تشير التقديرات إلى أن الخسائر الناتجة عن جولات المواجهة الأخيرة بلغت نحو عشرات مليارات الدولارات ، بين أضرار مباشرة وخسائر اقتصادية. وفي موازاة ذلك، ارتفعت معدلات الفقر إلى نحو 44% من السكان، فيما يرزح ما يقارب 80% تحت الفقر متعدد الأبعاد، مع بطالة مرشحة لتجاوز 30%، ونزوح داخلي تجاوز مئات آلاف الأشخاص، إضافة إلى تضرر عشرات آلاف المباني والمؤسسات. هذه الأرقام لا تعبّر فقط عن أزمة اقتصادية، بل عن نتيجة مباشرة لتكرار الخيارات نفسها دون مراجعة حقيقية، حيث تتقدم القناعات على الحسابات الوطنية، ويُترك المجتمع ليدفع الكلفة.

ما يزيد من خطورة هذا الواقع أن تكرار التجارب والمواجهات، لاسيما مع العدو الاسرائيلي، لا يعود إلى غياب المعرفة، بل إلى آليات متجذرة تمنع التعلم. فالذاكرة الجماعية في لبنان انتقائية، تستعيد ما يخدم السردية وتتجاهل ما يناقضها، فيما تتحول القناعة إلى ما يشبه المقدس الذي لا يُمسّ. وفي ظل ضعف الدولة، تغيب المرجعية القادرة على فرض قراءة مشتركة للمصلحة العامة، ويصبح الإعلام في كثير من الأحيان صدى للانقسام بدل أن يكون أداة نقد وتفكيك. وهكذا، تتكرس حلقة مغلقة: تجربة قاسية، ثم تفسيرها بما يخدم القناعة، ثم إعادة إنتاجها في الواقع.

المفارقة أن هذا المسار يتناقض مع أبسط عوامل اختلاف الانسان عن الكائنات الاخرى، ما أكد امتلاكه العقل الذي يراكم السلوك ويميز اختلافاته ، والا استمر يمارس نفس السلوك منذ ولادته حتى الآن ، ويتناقض ايضا مع شروط تطور الإنسان، الذي بنى حضارته على التعلم من السلوك السابق ، ومعرفة المخاطر من الأمان في كل ما يواجهه، من الطبيعة ومن الحروب ومن الكوارث. أما حين تفشل المجتمعات في تحويل التجربة إلى معرفة، فإنها تفقد إحدى أهم ميزات بقائها. في الحالة اللبنانية، لا يبدو أن المشكلة في نقص التجارب، بل في فائضها، من دون القدرة على استخلاص العبر منها، ما يجعل كل جولة جديدة أكثر كلفة من سابقتها.

ما يجري اليوم ليس إلا امتدادًا لهذا النمط، لكن في ظروف أكثر هشاشة ، هجرة واسعة، ومجتمع يزداد انقسامًا. ومع ذلك، يستمر الخطاب نفسه، وتُعاد إنتاج القناعات ذاتها، وكأن شيئًا لم يحدث. هذا الإصرار لا يمكن تفسيره فقط بالسياسة، بل يعكس خللاً عميقًا في العلاقة بين القناعة والتجربة، حيث تنفصل الأولى عن الثانية، وتتحول إلى مرجعية قائمة بذاتها.

الخروج من هذه الحلقة لا يكون بإلغاء القناعات، بل بإخضاعها لمعيار أعلى هو المصلحة العامة. أي قناعة لا تُقاس بكلفتها على المجتمع، ولا تخضع للمراجعة بعد التجربة، تتحول إلى خطر. المطلوب ليس توحيد اللبنانيين حول رأي واحد، بل بناء حد أدنى من الاتفاق على أن حماية المجتمع والدولة تتقدم على أي سردية، وأن التجربة، لا الخطاب، هي المعيار النهائي للحكم على الخيارات.

في النهاية، لم يعد السؤال من على حق، بل من يدفع الثمن، والثمن في لبنان بات واضحًا: انهيار اقتصادي، تفكك اجتماعي، وهجرة مستمرة. القناعات، حين لا تخضع للواقع، تتحول من قوة دافعة إلى عبء قاتل، وحين تتواجه خارج إطار المصلحة العامة، لا تنتج توازنًا، بل تفتح الباب أمام تكرار الكارثة. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم، بإلحاح غير مسبوق، ليس أي قناعة يجب أن تنتصر، بل كم مرة يجب أن ينهار البلد قبل أن تصبح المراجعة شرطًا للبقاء، لا خيارًا مؤجلاً.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار