«الخط الأصفر» على وشك التوسّع

خبر عادي، مرّ في لبنان وكأنّه من يوميات الحرب «الروتينية» في الجنوب، هو الآتي: أعلن الجيش الإسرائيلي أنّه «قضى على مسلح خرق الخط الأصفر، خط دفاعنا في جنوب لبنان». وفي المزيد، هدّد الجيش بأنّه سيعمل على منع دخول «المخرّبين» وعلى «تطهير» المنطقة تماماً. فهذا الخبر له رمزية تاريخية، لأنّه الأول من نوعه، وهو يفتتح مرحلة جديدة من الحرب، قامت فيها إسرائيل بنقل «مستوى أمانها» من الخط الأزرق الحدودي إلى الخط الأصفر في داخل لبنان. فهل من أحد يستطيع منعها من التوسع، ومن تطبيق ترتيبات عسكرية لاحقة، من نوع التسييج والبوابات لمنع «الخرق»، فتصبح المنطقة الواقعة تحت السيطرة معزولة تماماً وبكل معاني الكلمة عن لبنان؟
يقول وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس، إنّ «الخط الأصفر» يجب أن يتوسع ليغطّي «مدى مضادات الدروع»، أي مدى النيران التي يمكن أن تبلغها قاذفات الصواريخ المحمولة على الأقل. وهذا الأمر يفاقم مخاطر السيطرة العسكرية الإسرائيلية بقوّة. ففي المصطلح العسكري الإسرائيلي، يمثل «الخط الأصفر» خط السيطرة الفعلي الذي وصلت إليه القوات البرية. أي هو الشريط الذي بلغته «الميركافا» الآن، والذي يراوح عمقه بين 2 كلم و5 كلم من الحدود الدولية. وتكمن القفزة الإضافية في أنّ السلاح الأساسي الذي يخشاه الإسرائيليّون هو صاروخ «الكورنيت» بنسخه المختلفة. ويبلغ مدى «الكورنيت» التقليدي نحو 5,5 كلم، فيما تصل النسخ المتطوّرة مثل «كورنيت-D» إلى 8 كلم و10 كلم.
وهذا يعني أنّ ما يقصده كاتس هو أنّ بقاء الجيش عند «الخط الأصفر» الحالي غير كافٍ، لأنّ مقاتل «حزب الله» يستطيع الوقوف على مسافة 6 كلم أو 7 كلم (أي خارج نطاق السيطرة البرية الحالية) وإطلاق الصواريخ على القوات الإسرائيلية الموجودة داخل منطقة «الخط الأصفر».
الترجمة العملانية هي أنّ الإسرائيليِّين أعلنوا الخط الأصفر، لكن هذه هي الجرعة الأولى من السيطرة في داخل الجنوب اللبناني، وهم يتركون للعالم أن يهضمها، قبل أن يتقدّموا إلى خط جديد. هذا هو النموذج الذي اعتمدوه في غزة. فكاتس يطالب عملياً بأن يكون للجيش الإسرائيلي «الحق في السيطرة» (بالنار أو بالتقدُّم البري على الأرجح) على عمق يصل إلى 8 كلم أو 10 كلم. وهذا يعني الدخول إلى «الصف الثاني» من القرى اللبنانية التي لم تدخلها الدبابات بعد بشكل كامل. وفي تقدير خبراء عسكريِّين، أنّ إسرائيل تريد تدمير أي مبنى أو تلة كاشفة تقع ضمن هذا المدى (8 كلم)، حتى لو لم تكن قواتها متمركزة فيها، لمنع وجود أي «منصة إطلاق» ترى الجليل أو تشرف على الخط الأمامي للجيش بالعين المجرّدة أو المنظار.
هذا الكلام يفسّر لماذا تستعجل إسرائيل عمليات النسف والجرف في عشرات القرى والبلدات الواقعة داخل الخط الأصفر. فهي تريد إخلاءها تماماً من أي عائق بصري. كما أنّ وجود الأهالي يشكّل «غطاءً محتملاً» لمضادات الدروع. لذلك، يراد جعل المنطقة خالية من السكان.
وهذا يعني بالتأكيد أنّ الإسرائيليِّين يخطّطون لتحويل «الخط الأصفر» من خط ثابت إلى منطقة تتحرَّك ديناميكياً وفقاً للمقتضيات ويصل عمقها إلى ما بين 8 و10 كلم. وهم يقولون للدولة اللبنانية إنّ وقف النار لا يسري على أي شيء يتحرَّك في هذا العمق، أو يشكّل «خطراً بصرياً» على جنودهم.
إنّه مأزق قاتل للبنان. وما يقوم به رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام هو البحث عن السبل الأقل كلفة لمنع إسرائيل من «تطوير» سيطرتها الأمنية وتوسيعها جغرافياً لتبلغ الليطاني أو حتى الزهراني، وما بعد بعد الزهراني. وكأس المفاوضات هو أحد الخيارات، لأنّ القدرة على مواجهة إسرائيل وإحباط مخططاتها بقوّة النار غير متوافرة أبداً. لكنّ المأزق يبقى نفسه: إيران تضع لبنان أمام 4 استحالات قاتلة:
– عدم قدرة «حزب الله» على دحر إسرائيل ومنعها من احتلال ما تريد من أرض لبنان.
– رفض وقف النار في لبنان، إذا كان الحليف الإقليمي يحتاج إليها كـ»حرب مساندة» له.
– رفض تسليم السلاح وقرار الحرب والسلم إلى الدولة.
– التصدّي لخيار الدولة دخول مفاوضات تمنح الأمل بتحرير الأرض وتجنّب الأسوأ.
لذلك، جزء من لبنان بات اليوم تحت الاحتلال، بسبب عجز الدولة عن بسط سلطتها في الداخل وعن مواجهة إسرائيل وعن امتلاك خيار الحرب والسلم والتفاوض. وإذا استمر الوضع على حاله، فالأرجح أنّ أجزاءً أخرى من لبنان مرشحة لتنضمّ إلى المنطقة المحتلة، وفي المدى القريب.
«الخط الأصفر» على وشك التوسّع

خبر عادي، مرّ في لبنان وكأنّه من يوميات الحرب «الروتينية» في الجنوب، هو الآتي: أعلن الجيش الإسرائيلي أنّه «قضى على مسلح خرق الخط الأصفر، خط دفاعنا في جنوب لبنان». وفي المزيد، هدّد الجيش بأنّه سيعمل على منع دخول «المخرّبين» وعلى «تطهير» المنطقة تماماً. فهذا الخبر له رمزية تاريخية، لأنّه الأول من نوعه، وهو يفتتح مرحلة جديدة من الحرب، قامت فيها إسرائيل بنقل «مستوى أمانها» من الخط الأزرق الحدودي إلى الخط الأصفر في داخل لبنان. فهل من أحد يستطيع منعها من التوسع، ومن تطبيق ترتيبات عسكرية لاحقة، من نوع التسييج والبوابات لمنع «الخرق»، فتصبح المنطقة الواقعة تحت السيطرة معزولة تماماً وبكل معاني الكلمة عن لبنان؟
يقول وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس، إنّ «الخط الأصفر» يجب أن يتوسع ليغطّي «مدى مضادات الدروع»، أي مدى النيران التي يمكن أن تبلغها قاذفات الصواريخ المحمولة على الأقل. وهذا الأمر يفاقم مخاطر السيطرة العسكرية الإسرائيلية بقوّة. ففي المصطلح العسكري الإسرائيلي، يمثل «الخط الأصفر» خط السيطرة الفعلي الذي وصلت إليه القوات البرية. أي هو الشريط الذي بلغته «الميركافا» الآن، والذي يراوح عمقه بين 2 كلم و5 كلم من الحدود الدولية. وتكمن القفزة الإضافية في أنّ السلاح الأساسي الذي يخشاه الإسرائيليّون هو صاروخ «الكورنيت» بنسخه المختلفة. ويبلغ مدى «الكورنيت» التقليدي نحو 5,5 كلم، فيما تصل النسخ المتطوّرة مثل «كورنيت-D» إلى 8 كلم و10 كلم.
وهذا يعني أنّ ما يقصده كاتس هو أنّ بقاء الجيش عند «الخط الأصفر» الحالي غير كافٍ، لأنّ مقاتل «حزب الله» يستطيع الوقوف على مسافة 6 كلم أو 7 كلم (أي خارج نطاق السيطرة البرية الحالية) وإطلاق الصواريخ على القوات الإسرائيلية الموجودة داخل منطقة «الخط الأصفر».
الترجمة العملانية هي أنّ الإسرائيليِّين أعلنوا الخط الأصفر، لكن هذه هي الجرعة الأولى من السيطرة في داخل الجنوب اللبناني، وهم يتركون للعالم أن يهضمها، قبل أن يتقدّموا إلى خط جديد. هذا هو النموذج الذي اعتمدوه في غزة. فكاتس يطالب عملياً بأن يكون للجيش الإسرائيلي «الحق في السيطرة» (بالنار أو بالتقدُّم البري على الأرجح) على عمق يصل إلى 8 كلم أو 10 كلم. وهذا يعني الدخول إلى «الصف الثاني» من القرى اللبنانية التي لم تدخلها الدبابات بعد بشكل كامل. وفي تقدير خبراء عسكريِّين، أنّ إسرائيل تريد تدمير أي مبنى أو تلة كاشفة تقع ضمن هذا المدى (8 كلم)، حتى لو لم تكن قواتها متمركزة فيها، لمنع وجود أي «منصة إطلاق» ترى الجليل أو تشرف على الخط الأمامي للجيش بالعين المجرّدة أو المنظار.
هذا الكلام يفسّر لماذا تستعجل إسرائيل عمليات النسف والجرف في عشرات القرى والبلدات الواقعة داخل الخط الأصفر. فهي تريد إخلاءها تماماً من أي عائق بصري. كما أنّ وجود الأهالي يشكّل «غطاءً محتملاً» لمضادات الدروع. لذلك، يراد جعل المنطقة خالية من السكان.
وهذا يعني بالتأكيد أنّ الإسرائيليِّين يخطّطون لتحويل «الخط الأصفر» من خط ثابت إلى منطقة تتحرَّك ديناميكياً وفقاً للمقتضيات ويصل عمقها إلى ما بين 8 و10 كلم. وهم يقولون للدولة اللبنانية إنّ وقف النار لا يسري على أي شيء يتحرَّك في هذا العمق، أو يشكّل «خطراً بصرياً» على جنودهم.
إنّه مأزق قاتل للبنان. وما يقوم به رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام هو البحث عن السبل الأقل كلفة لمنع إسرائيل من «تطوير» سيطرتها الأمنية وتوسيعها جغرافياً لتبلغ الليطاني أو حتى الزهراني، وما بعد بعد الزهراني. وكأس المفاوضات هو أحد الخيارات، لأنّ القدرة على مواجهة إسرائيل وإحباط مخططاتها بقوّة النار غير متوافرة أبداً. لكنّ المأزق يبقى نفسه: إيران تضع لبنان أمام 4 استحالات قاتلة:
– عدم قدرة «حزب الله» على دحر إسرائيل ومنعها من احتلال ما تريد من أرض لبنان.
– رفض وقف النار في لبنان، إذا كان الحليف الإقليمي يحتاج إليها كـ»حرب مساندة» له.
– رفض تسليم السلاح وقرار الحرب والسلم إلى الدولة.
– التصدّي لخيار الدولة دخول مفاوضات تمنح الأمل بتحرير الأرض وتجنّب الأسوأ.
لذلك، جزء من لبنان بات اليوم تحت الاحتلال، بسبب عجز الدولة عن بسط سلطتها في الداخل وعن مواجهة إسرائيل وعن امتلاك خيار الحرب والسلم والتفاوض. وإذا استمر الوضع على حاله، فالأرجح أنّ أجزاءً أخرى من لبنان مرشحة لتنضمّ إلى المنطقة المحتلة، وفي المدى القريب.









