نزعُ السلاح أو الفوضى!

الكاتب: طوني عيسى | المصدر: هنا لبنان
23 نيسان 2026

استحقاق نزع السلاح لا يمكن للدولة أو “الحزب” الالتفاف عليه بالوسائل الدبلوماسية التقليدية. والرهان على أنّ الخارج سيقدم حلولاً جاهزة من دون اضطرار الدولة إلى خوض “جراحة سيادية” داخلية سقط أمام واقع “الخط الأصفر”

كشف قادة الأمن والسياسة في إسرائيل، وبالتفصيل، ما يريدون تنفيذه في لبنان. ولم يعد لدى أي كان من اللبنانيين، سواء “حزب الله” أو بعض مسؤولي الدولة، أي عذر في مواصلة تجاهل الواقع والقول لاحقاً: “لو كنت أعلم”. والأبرز أخيراً أنّ وزير الأمن الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، وضع أطراً زمنية دقيقة لما سيجري في لبنان خلال المرحلة المقبلة، ما يؤسس لواقع يربط سيادة الدولة اللبنانية بجدول زمني وآليات تنفيذية محددة.

ففي البرمجة العسكرية الإسرائيلية، تم تقسيم الأراضي اللبنانية أمنياً وعسكرياً إلى ثلاث دوائر نفوذ: ​دائرة السيطرة الكاملة أي “الخط الأصفر”، وتليها ​دائرة الاختبار الأمني من الخط الأصفر إلى خط الليطاني، حيث أعطيت الدولة اللبنانية فرصة لنزع السلاح فيها، وإلا فستقوم إسرائيل نفسها بتنفيذ المهمة. وهذا معناه احتمال دمج هذه المنطقة بالخط الأصفر لتصبح البقعة الواقعة بين الحدود الدولية والليطاني منطقة عسكرية وأمنية واحدة.

وأما في الدائرة الثالثة، أي باقي لبنان، وتشمل العمق: بيروت، الجبل، والبقاع والشمال، فلم يعلن الإسرائيليون أنهم سيتولون فيها مهمة نزع السلاح كما خلف الليطاني، لكنهم سيواصلون ضرب الترسانة الصاروخية. وفي هذه المنطقة، أعطيت الدولة اللبنانية فرصة لتقوم هي بنزع السلاح، وتفكيك بنية “حزب الله”. فإذا حققت ذلك، تنسحب إسرائيل من الجنوب. وإذا لم تفعل، فبكل بساطة، ستبقى إسرائيل جنوباً وتنتظر إلى مواعيد غير محددة. ويعني هذا أنّ تفكيك بنية الحزب العسكرية والأمنية في هذه الدائرة تحديداً هو المفتاح الوحيد لإعادة الدولة إلى الجنوب.

إذاً، وبوضوح، إخلاء إسرائيل لمنطقة “الخط الأصفر” وربما خط الليطاني لاحقاً مشروط بجدية الدولة في التحرك وتنفيذ خطة نزع السلاح، فعلاً لا على الورق. وإلا فثمن التهاون هو ضياع أجزاء من الأرض. وبميزان الربح والخسارة، يتبين أنّ قيام الدولة بدورها لفرض سلطة القانون ونزع السلاح في التوقيت الحالي يبقى الأقل كلفة، بناءً على المعطيات الآتية:

1- تحظى الدولة اللبنانية اليوم بمستوى عالٍ من الدعم الدولي والعربي يسمح لها بالتحرك لبسط سلطتها. لكنها لاحقاً، إذا تمادت في تجاهل اليد التي تمدّ إليها، فقد تصبح في عزلة دولية وعربية.

2- “الحزب” هو اليوم في حالة إنهاك عسكري وبنيوي بعد الحرب. وعلى رغم السقوف التي يرفعها، فإنه على الأرجح سيقبل التسوية، وقبول إيران اضطراري، إذا شعر بأنّ الدولة عازمة فعلاً على حسم أمورها، وهو لن يجازف بعزل نفسه تماماً عن البلد ومواجهة غالبية اللبنانيين.

3- الضغط الديموغرافي، أي النزوح، لا يزال اليوم في طوره الأول ومن الممكن إدارته. ولكنه، لاحقاً، هو قد يولد انفجاراً لأزمات اجتماعية داخلية نتيجة طول المدة والاحتقانات على اختلاف أنواعها.

4- اليوم، ربما هناك فرصة حقيقية لاستعادة الجنوب بمجرد تنفيذ قرار نزع السلاح، فيما التمادي سيهدّد بتحوّل الجنوب بالكامل إلى منطقة عازلة بشكل دائم.

بناءً على ذلك، استحقاق نزع السلاح لا يمكن للدولة أو “الحزب” الالتفاف عليه بالوسائل الدبلوماسية التقليدية. والرهان على أنّ الخارج سيقدم حلولاً جاهزة من دون اضطرار الدولة إلى خوض “جراحة سيادية” داخلية سقط أمام واقع “الخط الأصفر”. وإذا لم تبدأ الدولة الآن في تنفيذ التزاماتها الدولية بنزع السلاح، فإنها لن تواجه “حزب الله” لاحقاً فحسب، بل ستواجه مخاطر تلاشي الكيان ككل، مع ارتفاع هائل في الأكلاف البشرية والسياسية التي لن تعود قادرة على تحملها بمفردها.

وعن هذا الواقع، يقول دبلوماسي مخضرم إنّ خيار الدولة اليوم محكوم بمعادلة: “نزع السلاح أو الفوضى”، تماماً كما كان خيار لبنان عندما أبلغته القوى الدولية ذات يوم: “مخايل الضاهر أو الفوضى”. ولا ضرورة لاستكمال بقية الحكاية.

نزعُ السلاح أو الفوضى!

الكاتب: طوني عيسى | المصدر: هنا لبنان
23 نيسان 2026

استحقاق نزع السلاح لا يمكن للدولة أو “الحزب” الالتفاف عليه بالوسائل الدبلوماسية التقليدية. والرهان على أنّ الخارج سيقدم حلولاً جاهزة من دون اضطرار الدولة إلى خوض “جراحة سيادية” داخلية سقط أمام واقع “الخط الأصفر”

كشف قادة الأمن والسياسة في إسرائيل، وبالتفصيل، ما يريدون تنفيذه في لبنان. ولم يعد لدى أي كان من اللبنانيين، سواء “حزب الله” أو بعض مسؤولي الدولة، أي عذر في مواصلة تجاهل الواقع والقول لاحقاً: “لو كنت أعلم”. والأبرز أخيراً أنّ وزير الأمن الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، وضع أطراً زمنية دقيقة لما سيجري في لبنان خلال المرحلة المقبلة، ما يؤسس لواقع يربط سيادة الدولة اللبنانية بجدول زمني وآليات تنفيذية محددة.

ففي البرمجة العسكرية الإسرائيلية، تم تقسيم الأراضي اللبنانية أمنياً وعسكرياً إلى ثلاث دوائر نفوذ: ​دائرة السيطرة الكاملة أي “الخط الأصفر”، وتليها ​دائرة الاختبار الأمني من الخط الأصفر إلى خط الليطاني، حيث أعطيت الدولة اللبنانية فرصة لنزع السلاح فيها، وإلا فستقوم إسرائيل نفسها بتنفيذ المهمة. وهذا معناه احتمال دمج هذه المنطقة بالخط الأصفر لتصبح البقعة الواقعة بين الحدود الدولية والليطاني منطقة عسكرية وأمنية واحدة.

وأما في الدائرة الثالثة، أي باقي لبنان، وتشمل العمق: بيروت، الجبل، والبقاع والشمال، فلم يعلن الإسرائيليون أنهم سيتولون فيها مهمة نزع السلاح كما خلف الليطاني، لكنهم سيواصلون ضرب الترسانة الصاروخية. وفي هذه المنطقة، أعطيت الدولة اللبنانية فرصة لتقوم هي بنزع السلاح، وتفكيك بنية “حزب الله”. فإذا حققت ذلك، تنسحب إسرائيل من الجنوب. وإذا لم تفعل، فبكل بساطة، ستبقى إسرائيل جنوباً وتنتظر إلى مواعيد غير محددة. ويعني هذا أنّ تفكيك بنية الحزب العسكرية والأمنية في هذه الدائرة تحديداً هو المفتاح الوحيد لإعادة الدولة إلى الجنوب.

إذاً، وبوضوح، إخلاء إسرائيل لمنطقة “الخط الأصفر” وربما خط الليطاني لاحقاً مشروط بجدية الدولة في التحرك وتنفيذ خطة نزع السلاح، فعلاً لا على الورق. وإلا فثمن التهاون هو ضياع أجزاء من الأرض. وبميزان الربح والخسارة، يتبين أنّ قيام الدولة بدورها لفرض سلطة القانون ونزع السلاح في التوقيت الحالي يبقى الأقل كلفة، بناءً على المعطيات الآتية:

1- تحظى الدولة اللبنانية اليوم بمستوى عالٍ من الدعم الدولي والعربي يسمح لها بالتحرك لبسط سلطتها. لكنها لاحقاً، إذا تمادت في تجاهل اليد التي تمدّ إليها، فقد تصبح في عزلة دولية وعربية.

2- “الحزب” هو اليوم في حالة إنهاك عسكري وبنيوي بعد الحرب. وعلى رغم السقوف التي يرفعها، فإنه على الأرجح سيقبل التسوية، وقبول إيران اضطراري، إذا شعر بأنّ الدولة عازمة فعلاً على حسم أمورها، وهو لن يجازف بعزل نفسه تماماً عن البلد ومواجهة غالبية اللبنانيين.

3- الضغط الديموغرافي، أي النزوح، لا يزال اليوم في طوره الأول ومن الممكن إدارته. ولكنه، لاحقاً، هو قد يولد انفجاراً لأزمات اجتماعية داخلية نتيجة طول المدة والاحتقانات على اختلاف أنواعها.

4- اليوم، ربما هناك فرصة حقيقية لاستعادة الجنوب بمجرد تنفيذ قرار نزع السلاح، فيما التمادي سيهدّد بتحوّل الجنوب بالكامل إلى منطقة عازلة بشكل دائم.

بناءً على ذلك، استحقاق نزع السلاح لا يمكن للدولة أو “الحزب” الالتفاف عليه بالوسائل الدبلوماسية التقليدية. والرهان على أنّ الخارج سيقدم حلولاً جاهزة من دون اضطرار الدولة إلى خوض “جراحة سيادية” داخلية سقط أمام واقع “الخط الأصفر”. وإذا لم تبدأ الدولة الآن في تنفيذ التزاماتها الدولية بنزع السلاح، فإنها لن تواجه “حزب الله” لاحقاً فحسب، بل ستواجه مخاطر تلاشي الكيان ككل، مع ارتفاع هائل في الأكلاف البشرية والسياسية التي لن تعود قادرة على تحملها بمفردها.

وعن هذا الواقع، يقول دبلوماسي مخضرم إنّ خيار الدولة اليوم محكوم بمعادلة: “نزع السلاح أو الفوضى”، تماماً كما كان خيار لبنان عندما أبلغته القوى الدولية ذات يوم: “مخايل الضاهر أو الفوضى”. ولا ضرورة لاستكمال بقية الحكاية.

مزيد من الأخبار