«الارتطام الكبير» بدأ

المؤشرات خطرة جداً. وعلى الأرجح، لم يدرك المعنيّون في لبنان أنّ البلد لم يعُد اليوم على حافة الهاوية كما يُقال دائماً، بل إنّه دخل فعلياً حالة «السقوط الحرّ» في المجهول. فالأزمة التي كانت تُقاس بالأشهر والسنوات، تحوَّلت إلى سباق محموم بالأسابيع، وربما بالأيام.
بين «أجندة» الرئيس الأميركي دونالد ترامب السياسية القاسية، التي ستزداد قسوةً بالتأكيد، و»أجندة» رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو العسكرية التي تتأهّب للدخول في وضع أكثر شراسة وكارثية، يبدو لبنان واقفاً كتمثال شمع، لا يتحرَّك بسبب الإعاقات الداخلية المريعة. وربما يتعرّض تمثال الشمع إلى خطر داهم، تحت ضغط اللهب الذي يرتفع جنوباً، وقد يتصاعد بقوّة ويتسع. وثمة مَن يعتقد أنّ لبنان الدولة والكيان دخل فعلاً في نقطة التقاطعات الصعبة، وسيكون توقيت 11 أيار، إذا كان ترامب قد قرّر فعلاً دعوة بنيامين نتنياهو والرئيس جوزاف عون إلى مواجهة ثنائية مباشرة في ضيافته، منعطفاً مفصلياً في تاريخ لبنان وأزمته.
حتى الآن، تبدو القوى اللبنانية وكأنّها تعيش في غيبوبة سياسية، ويتعاطى بعضها مع الزلزال المقبل بأدوات «التشاطر» البالية التي لم تعُد تُجدي نفعاً في زمن التحوُّلات الاستراتيجية الكبرى. ففي الواقع، ما يفعله نتنياهو اليوم في الجنوب أخطر بكثير من حجم المناكفات والحرتقات السخيفة التي يتعاطى بها بعض المعنيِّين بالصراع في الداخل، والتي لا تدرك أنّ نتنياهو الذي يلتزم اليوم نسبياً واستنسابياً بـ«الهدنة» خارج الجنوب فقط، ينتظر الفرصة في أي لحظة، ليسترجع الحرب الواسعة على مساحة واسعة في قلب لبنان، من الخط الأزرق ولا تتوقف في الضاحية وعمق بيروت والبقاع والجبل، علماً أنّ ضرباته قرعت أمس أبواب البقاع.
سيجتمع رؤساء الجمهورية والمجلس والحكومة غداً، للبحث عن مخرج. لكنّ المناخات لا توحي بأنّ مستوى التفاهم والصراحة والجرأة يمكن أن يُجنِّب لبنان تداعيات الدعوة التي «يُجهِّزها» ترامب، للقاء بين عون ونتنياهو، بعد أسبوعَين إذا صحّت التقديرات. ولذلك، سيكون هذا اللقاء بمثابة «مقصلة سياسية» تضع رئاسة الجمهورية والدولة ككل في «مكمن» مزدوج:
إمّا الموافقة على اللقاء مع نتنياهو، ما يعني استدراج انفجار داخلي فوري في البلد المنتفخ باحتقانات طائفية ومذهبية لا تتحمّل أدنى احتكاك سياسي، وهو ما قد يُشرِّع الأبواب أمام سيناريوهات مقلقة ظهرت بعض ملامحها في الشارع قبل أيام، وحادثة ساقية الجنزير أحد النماذج. وبالتأكيد، سيكون صعباً كبح التوترات إذا خرجت عن ضوابطها.
وإمّا رفض الدعوة، ما يعني انتحاراً سياسياً وديبلوماسياً للبنان، وهو سيمنح إسرائيل ذريعة وضوءاً أخضر أميركياً لاستكمال حربها في الجنوب وخارجه بلا ضوابط، ورفع آخر سواتر الحماية الدولية عن مؤسسات الدولة، بما في ذلك المساعدات المالية، ما يضع الواقع الاقتصادي والمالي والنقدي أيضاً أمام تحدّيات مثيرة.
المشكلة أنّ غالبية القوى في لبنان غائبة عن الوعي، ولم تخرج بعد من منطق التعاطي القديم إلى مستوى الاستعجال الطارئ والتوثب لإحداث خرق إنقاذي. فالدولة عموماً لا تزال تراهن على منطق كسب الوقت، في لحظة انتهى فيها الوقت تماماً. و«حزب الله» لا يزال يرفض استيعاب أنّ قواعد الاشتباك مع الداخل اللبناني يجب أن تتغيّر جذرياً قبل فوات الأوان. فيما تكتفي الأحزاب والطوائف بانتظار «معجزة» عوضاً عن التحرُّك الطارئ وبقوّة لإحداث الخرق. وهذا التعاطي مع الواقع الحالي بالمنطق التقليدي هو نوع من «العمى الاستراتيجي» الذي لا ينتهي إلّا في الهاوية. فالوضع الطارئ يفرض انقلاباً شاملاً في استراتيجيات التعاطي. والفشل في الحسم الآن يعني الانزلاق أكثر فأكثر في كارثة لا يمكن تقدير تداعياتها على الدولة والكيان.
وفي أي حال، ما يُسمّى «هدنة» لا يسري اليوم إطلاقاً على الجنوب، حيث تتكفّل مقاتلات نتنياهو ومسيّراته ومدافعه ودباباته وآلات النسف والجرف الممنهجة برسم الحدود بالدم والبارود. ومن الواضح أنّ إسرائيل تستخدم هدنة الأسابيع الثلاثة لتثبيت واقع جغرافي يحوّل الجنوب «منطقة محرّمة» ومفرّغة من سكانها. ومن حسن حظ نتنياهو أنّه يلعب ورقة عجز الدولة اللبنانية عن تنفيذ شرط نزع السلاح، ويستثمر في هذا العجز لشرعنة بقاء جيشه وتوسيع سيطرته. وأمّا لبنان الرسمي، فيكتفي بمراقبة أوتوسترادات النبطية وصور وهي تغصّ بالنازحين، ويصدر التقارير عن أرقام الضحايا، لكنّه يعجز عن اتخاذ قرار بالحسم، لعلّه يستبق الإنهيار الكبير.
هل يمكن أن يكون اجتماع غد بين عون وبري وسلام فرصة أخيرة لانتزاع قرار حقيقي، بعيداً من التشاطر اللبناني المعهود؟
لا مؤشرات توحي بتفاؤل حتى الآن. فالحراك اللبناني بطيء جداً فيما التحوُّلات في العالم صاروخية. فواشنطن وتل أبيب سترفضان المماطلة اللبنانية مجدّداً، وإطلاق الوعود. ولذلك، إذا لم يمتلك لبنان الجرأة للتعاطي بوضوح مع التحدّيات التي بدأت تلقي بثقلها منذ لحظة الاجتماع بين السفيرَين اللبنانية والإسرائيلي، بحضور وزير خارجية واشنطن ماركو روبيو ثم ترامب شخصياً، فإنّ الأحداث ستواصل جرفه نحو المجهول. والحقيقة التي لم يتمّ استيعابها في الداخل، هي أنّ الارتطام الكبير في لبنان صار واقعاً محتوماً، وأنّ الكلام اللبناني المعسول لن يوقف زحف الجرافات في الجنوب، ولا الضغط في اتجاه خيارات حاسمة في البيت الأبيض.
«الارتطام الكبير» بدأ

المؤشرات خطرة جداً. وعلى الأرجح، لم يدرك المعنيّون في لبنان أنّ البلد لم يعُد اليوم على حافة الهاوية كما يُقال دائماً، بل إنّه دخل فعلياً حالة «السقوط الحرّ» في المجهول. فالأزمة التي كانت تُقاس بالأشهر والسنوات، تحوَّلت إلى سباق محموم بالأسابيع، وربما بالأيام.
بين «أجندة» الرئيس الأميركي دونالد ترامب السياسية القاسية، التي ستزداد قسوةً بالتأكيد، و»أجندة» رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو العسكرية التي تتأهّب للدخول في وضع أكثر شراسة وكارثية، يبدو لبنان واقفاً كتمثال شمع، لا يتحرَّك بسبب الإعاقات الداخلية المريعة. وربما يتعرّض تمثال الشمع إلى خطر داهم، تحت ضغط اللهب الذي يرتفع جنوباً، وقد يتصاعد بقوّة ويتسع. وثمة مَن يعتقد أنّ لبنان الدولة والكيان دخل فعلاً في نقطة التقاطعات الصعبة، وسيكون توقيت 11 أيار، إذا كان ترامب قد قرّر فعلاً دعوة بنيامين نتنياهو والرئيس جوزاف عون إلى مواجهة ثنائية مباشرة في ضيافته، منعطفاً مفصلياً في تاريخ لبنان وأزمته.
حتى الآن، تبدو القوى اللبنانية وكأنّها تعيش في غيبوبة سياسية، ويتعاطى بعضها مع الزلزال المقبل بأدوات «التشاطر» البالية التي لم تعُد تُجدي نفعاً في زمن التحوُّلات الاستراتيجية الكبرى. ففي الواقع، ما يفعله نتنياهو اليوم في الجنوب أخطر بكثير من حجم المناكفات والحرتقات السخيفة التي يتعاطى بها بعض المعنيِّين بالصراع في الداخل، والتي لا تدرك أنّ نتنياهو الذي يلتزم اليوم نسبياً واستنسابياً بـ«الهدنة» خارج الجنوب فقط، ينتظر الفرصة في أي لحظة، ليسترجع الحرب الواسعة على مساحة واسعة في قلب لبنان، من الخط الأزرق ولا تتوقف في الضاحية وعمق بيروت والبقاع والجبل، علماً أنّ ضرباته قرعت أمس أبواب البقاع.
سيجتمع رؤساء الجمهورية والمجلس والحكومة غداً، للبحث عن مخرج. لكنّ المناخات لا توحي بأنّ مستوى التفاهم والصراحة والجرأة يمكن أن يُجنِّب لبنان تداعيات الدعوة التي «يُجهِّزها» ترامب، للقاء بين عون ونتنياهو، بعد أسبوعَين إذا صحّت التقديرات. ولذلك، سيكون هذا اللقاء بمثابة «مقصلة سياسية» تضع رئاسة الجمهورية والدولة ككل في «مكمن» مزدوج:
إمّا الموافقة على اللقاء مع نتنياهو، ما يعني استدراج انفجار داخلي فوري في البلد المنتفخ باحتقانات طائفية ومذهبية لا تتحمّل أدنى احتكاك سياسي، وهو ما قد يُشرِّع الأبواب أمام سيناريوهات مقلقة ظهرت بعض ملامحها في الشارع قبل أيام، وحادثة ساقية الجنزير أحد النماذج. وبالتأكيد، سيكون صعباً كبح التوترات إذا خرجت عن ضوابطها.
وإمّا رفض الدعوة، ما يعني انتحاراً سياسياً وديبلوماسياً للبنان، وهو سيمنح إسرائيل ذريعة وضوءاً أخضر أميركياً لاستكمال حربها في الجنوب وخارجه بلا ضوابط، ورفع آخر سواتر الحماية الدولية عن مؤسسات الدولة، بما في ذلك المساعدات المالية، ما يضع الواقع الاقتصادي والمالي والنقدي أيضاً أمام تحدّيات مثيرة.
المشكلة أنّ غالبية القوى في لبنان غائبة عن الوعي، ولم تخرج بعد من منطق التعاطي القديم إلى مستوى الاستعجال الطارئ والتوثب لإحداث خرق إنقاذي. فالدولة عموماً لا تزال تراهن على منطق كسب الوقت، في لحظة انتهى فيها الوقت تماماً. و«حزب الله» لا يزال يرفض استيعاب أنّ قواعد الاشتباك مع الداخل اللبناني يجب أن تتغيّر جذرياً قبل فوات الأوان. فيما تكتفي الأحزاب والطوائف بانتظار «معجزة» عوضاً عن التحرُّك الطارئ وبقوّة لإحداث الخرق. وهذا التعاطي مع الواقع الحالي بالمنطق التقليدي هو نوع من «العمى الاستراتيجي» الذي لا ينتهي إلّا في الهاوية. فالوضع الطارئ يفرض انقلاباً شاملاً في استراتيجيات التعاطي. والفشل في الحسم الآن يعني الانزلاق أكثر فأكثر في كارثة لا يمكن تقدير تداعياتها على الدولة والكيان.
وفي أي حال، ما يُسمّى «هدنة» لا يسري اليوم إطلاقاً على الجنوب، حيث تتكفّل مقاتلات نتنياهو ومسيّراته ومدافعه ودباباته وآلات النسف والجرف الممنهجة برسم الحدود بالدم والبارود. ومن الواضح أنّ إسرائيل تستخدم هدنة الأسابيع الثلاثة لتثبيت واقع جغرافي يحوّل الجنوب «منطقة محرّمة» ومفرّغة من سكانها. ومن حسن حظ نتنياهو أنّه يلعب ورقة عجز الدولة اللبنانية عن تنفيذ شرط نزع السلاح، ويستثمر في هذا العجز لشرعنة بقاء جيشه وتوسيع سيطرته. وأمّا لبنان الرسمي، فيكتفي بمراقبة أوتوسترادات النبطية وصور وهي تغصّ بالنازحين، ويصدر التقارير عن أرقام الضحايا، لكنّه يعجز عن اتخاذ قرار بالحسم، لعلّه يستبق الإنهيار الكبير.
هل يمكن أن يكون اجتماع غد بين عون وبري وسلام فرصة أخيرة لانتزاع قرار حقيقي، بعيداً من التشاطر اللبناني المعهود؟
لا مؤشرات توحي بتفاؤل حتى الآن. فالحراك اللبناني بطيء جداً فيما التحوُّلات في العالم صاروخية. فواشنطن وتل أبيب سترفضان المماطلة اللبنانية مجدّداً، وإطلاق الوعود. ولذلك، إذا لم يمتلك لبنان الجرأة للتعاطي بوضوح مع التحدّيات التي بدأت تلقي بثقلها منذ لحظة الاجتماع بين السفيرَين اللبنانية والإسرائيلي، بحضور وزير خارجية واشنطن ماركو روبيو ثم ترامب شخصياً، فإنّ الأحداث ستواصل جرفه نحو المجهول. والحقيقة التي لم يتمّ استيعابها في الداخل، هي أنّ الارتطام الكبير في لبنان صار واقعاً محتوماً، وأنّ الكلام اللبناني المعسول لن يوقف زحف الجرافات في الجنوب، ولا الضغط في اتجاه خيارات حاسمة في البيت الأبيض.










