إزميرالدا لن تخدع الجميع

الكاتب: اسعد بشارة | المصدر: نداء الوطن
1 أيار 2026

يصل نبيه بري إلى نهاية لعبةٍ أتقنها طويلا: لعبة «بيضة القبان» وادّعاء الضمانة، والقدرة على العزف على تناقضات الداخل والخارج، برجلٍ في البور وأخرى في الفلاحة. لكن هذه المعادلة التي صنعت نفوذه لعقود، تبدو اليوم في طور الانكشاف، لا بل في لحظة سقوط تدريجيّ تحت ثقل الوقائع.

بالأمس، حين واجه جوزاف عون، خرج برّي عن صمته التقليديّ، وقال ما كان يحرص دائمًا على إخفائه: «لا أملك قرار السلاح». عبارة تختصر مسارًا كاملا من التماهي القسري مع ميزان قوى لم يعد يملك القدرة على التأثير فيه، بل بات محكومًا به.

لطالما راهنت أطراف عربية، وفي مقدّمها السعودية، على بري باعتباره «الممر الإلزامي» لأي تفاهم داخل الطائفة الشيعية، أو حتى بوابة العبور إلى تسويات أوسع في لبنان. غير أن هذا الرهان يصطدم اليوم بحقيقة صلبة: برّي لا يملك القرار، ولا القدرة على إنتاجه. هو يدير الهوامش، فيما القرار في مكان آخر.

فضح اتصال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ببرّي هذا الالتباس. بدا المشهد كأن الرجل يُستدعى لتبليغه لا لمشاورته، وكأن دوره ينحصر في تدوير الزوايا، لا في رسمها. هنا تحديدًا يسقط قناع «الضمانة»، ويتحوّل إلى مجرّد موقع وظيفيّ في معادلة أكبر منه.

في الصورة البعيدة، يظهر بري كأنه إزميرالدا في رواية فيكتور هوغو: شخصيّة تسعى كلّ الأطراف إلى نيل رضاها، وتتقاطع عندها الرغبات والتناقضات. لكن في العمق، الفارق كبير. إزميرالدا كانت حرّة في موقعها، أمّا برّي فمحاصر بسلاح «حزب اللّه» من جهة، وبضغوط عربية ودولية متزايدة من جهة أخرى، تطالبه بموقف واضح لن يكون قادرًا على اتخاذه.

هنا تبرز النصيحة القاسية التي يهمس بها مرجع سياسي: اختر بين إنقاذ الطائفة الشيعية أو إنقاذ «حزب اللّه». معادلة صادمة، لكنها تعكس واقعًا لم يعد يقبل المواربة. فالجمع بين الاثنين بات مستحيلا في ظلّ التحوّلات الإقليمية العميقة.

لكن بري، ابن المدرسة البراغماتية، لا يزال يراهن على الوقت. يستثمر في الانتظار، ويعلّق الآمال على تبدّل في موازين المنطقة قد يعيد خلط الأوراق لصالحه. غير أن هذا الرهان نفسه قد يكون آخر أوراقه.

المشكلة أن الوقت لم يعد حليفًا. اللعبة تغيّرت، وقواعدها كذلك. لم يعد ممكنًا الوقوف في الوسط طويلا، ولا الاكتفاء بإدارة التناقضات. لحظة الاختيار تقترب، ومعها تتلاشى قدرة إزميرالدا السياسية على إرضاء الجميع.

ينقل عن برّي قوله: «بين إيران وإسرائيل أنا مع إيران، بين إيران والعرب أنا مع العرب، بين الفتنة وأي خيار أنا ضد الفتنة». هكذا يقول، وهكذا يحاول أن يرسم لنفسه موقع التوازن. غير أن هذه المعادلة الكلامية لم تعد كافية لإخفاء حقيقة أن هامش المناورة يضيق إلى حدّه الأدنى، وأن قدرته على الجمع بين التناقضات تتآكل بسرعة. عمليًا، يقف اليوم في أضيق زاوية سياسية منذ دخوله الحياة العامة، محاصرًا بمعادلات لا يملك تغييرها، وبخيارات لا يستطيع حسمها، فيما الوقت الذي لطالما استثمره يتحوّل إلى عامل ضغط عليه لا لصالحه.

إزميرالدا لن تخدع الجميع

الكاتب: اسعد بشارة | المصدر: نداء الوطن
1 أيار 2026

يصل نبيه بري إلى نهاية لعبةٍ أتقنها طويلا: لعبة «بيضة القبان» وادّعاء الضمانة، والقدرة على العزف على تناقضات الداخل والخارج، برجلٍ في البور وأخرى في الفلاحة. لكن هذه المعادلة التي صنعت نفوذه لعقود، تبدو اليوم في طور الانكشاف، لا بل في لحظة سقوط تدريجيّ تحت ثقل الوقائع.

بالأمس، حين واجه جوزاف عون، خرج برّي عن صمته التقليديّ، وقال ما كان يحرص دائمًا على إخفائه: «لا أملك قرار السلاح». عبارة تختصر مسارًا كاملا من التماهي القسري مع ميزان قوى لم يعد يملك القدرة على التأثير فيه، بل بات محكومًا به.

لطالما راهنت أطراف عربية، وفي مقدّمها السعودية، على بري باعتباره «الممر الإلزامي» لأي تفاهم داخل الطائفة الشيعية، أو حتى بوابة العبور إلى تسويات أوسع في لبنان. غير أن هذا الرهان يصطدم اليوم بحقيقة صلبة: برّي لا يملك القرار، ولا القدرة على إنتاجه. هو يدير الهوامش، فيما القرار في مكان آخر.

فضح اتصال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ببرّي هذا الالتباس. بدا المشهد كأن الرجل يُستدعى لتبليغه لا لمشاورته، وكأن دوره ينحصر في تدوير الزوايا، لا في رسمها. هنا تحديدًا يسقط قناع «الضمانة»، ويتحوّل إلى مجرّد موقع وظيفيّ في معادلة أكبر منه.

في الصورة البعيدة، يظهر بري كأنه إزميرالدا في رواية فيكتور هوغو: شخصيّة تسعى كلّ الأطراف إلى نيل رضاها، وتتقاطع عندها الرغبات والتناقضات. لكن في العمق، الفارق كبير. إزميرالدا كانت حرّة في موقعها، أمّا برّي فمحاصر بسلاح «حزب اللّه» من جهة، وبضغوط عربية ودولية متزايدة من جهة أخرى، تطالبه بموقف واضح لن يكون قادرًا على اتخاذه.

هنا تبرز النصيحة القاسية التي يهمس بها مرجع سياسي: اختر بين إنقاذ الطائفة الشيعية أو إنقاذ «حزب اللّه». معادلة صادمة، لكنها تعكس واقعًا لم يعد يقبل المواربة. فالجمع بين الاثنين بات مستحيلا في ظلّ التحوّلات الإقليمية العميقة.

لكن بري، ابن المدرسة البراغماتية، لا يزال يراهن على الوقت. يستثمر في الانتظار، ويعلّق الآمال على تبدّل في موازين المنطقة قد يعيد خلط الأوراق لصالحه. غير أن هذا الرهان نفسه قد يكون آخر أوراقه.

المشكلة أن الوقت لم يعد حليفًا. اللعبة تغيّرت، وقواعدها كذلك. لم يعد ممكنًا الوقوف في الوسط طويلا، ولا الاكتفاء بإدارة التناقضات. لحظة الاختيار تقترب، ومعها تتلاشى قدرة إزميرالدا السياسية على إرضاء الجميع.

ينقل عن برّي قوله: «بين إيران وإسرائيل أنا مع إيران، بين إيران والعرب أنا مع العرب، بين الفتنة وأي خيار أنا ضد الفتنة». هكذا يقول، وهكذا يحاول أن يرسم لنفسه موقع التوازن. غير أن هذه المعادلة الكلامية لم تعد كافية لإخفاء حقيقة أن هامش المناورة يضيق إلى حدّه الأدنى، وأن قدرته على الجمع بين التناقضات تتآكل بسرعة. عمليًا، يقف اليوم في أضيق زاوية سياسية منذ دخوله الحياة العامة، محاصرًا بمعادلات لا يملك تغييرها، وبخيارات لا يستطيع حسمها، فيما الوقت الذي لطالما استثمره يتحوّل إلى عامل ضغط عليه لا لصالحه.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار