جنوب لبنان … سيناء أو الجولان؟

الكاتب: خيرالله خيرالله | المصدر: اساس ميديا
7 أيار 2026

قبل طرح خيار المفاوضات، لا مفرّ من التساؤل هل يريد لبنان أن يكون مصير جنوبه كمصير سيناء التي استعادتها مصر في العام 1979 في ظلّ شروط معيّنة… أو مصير الجولان السوري المحتل منذ 1967؟

 

من أجل الإجابة عن هذا التساؤل، من الضروري العودة إلى البديهيات. تبدأ العودة بالاعتراف، أوّلا، بأنّ لبنان هو من خرق اتفاق الهدنة الموقع مع إسرائيل في 1949 وأن الدولة العبرية لم تكن يوما جمعية خيريّة.

ينسى لبنان أنّ التوصل إلى إتفاق القاهرة مع منظمة التحرير الفلسطينية في خريف العام 1969 كان خرقا لإتفاق الهدنة ببنوده الواضحة. أي مصلحة كانت للبنان بخرق إتفاق الهدنة الذي يتحدث عنه الآن مسؤولون وسياسيون لبنانيون بعد 57 عاما على تخلي لبنان عنه؟

سقطت الأوهام؟

لا حاجة إلى العودة إلى الفرص التي أضاعها لبنان، بما في ذلك فرصة إتفاق 17 أيار 1983 وهي فرصة سيكون من الصعب عليه الحصول على مثيل لها في ضوء الظروف الإقليمية والدولية السائدة حاليًا. تبدو الظروف الراهنة غير ملائمة للبلد الذي بات عليه أن يحارب على جبهتي إسرائيل وإيران. إسرائيل تشنّ حربا عليه من منطلق أنّ “الحزب” يطلق صواريخ في اتجاهها ويهدّد سكان الجليل فيما حرب إيران، على لبنان، من نوع آخر. تقوم حرب إيران على رغبة في تكريس لبنان ورقة في يد “الجمهوريّة الإسلاميّة” في مفاوضاتها مع الولايات المتحدة.

آن أوان تحمّل لبنان لمسؤولياته بدءا بالاعتراف بأنّه كان وراء خرق اتفاق هدنة 1949 بعدما ذهب ضحية المزايدات السنّية المسؤولة وقتذاك وشبق زعماء الموارنة، باستثناء العميد ريمون إده، إلى موقع رئاسة الجمهوريّة!

عندما يتحمّل لبنان مسؤولياته ويحدّد أهدافه، لا يعود السؤال هل يفاوض إسرائيل مباشرة أو غير مباشرة. أي فارق بين المفاوضات المباشرة وغير المباشرة، فيما المطلوب الوصول إلى هدف معيّن بغض النظر عن شكل المفاوضات؟ المهم تحقيق الهدف المطلوب، أي الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان وعودة أهل الأرض، ومعظمهم من أبناء الطائفة الشيعية إليها. كلما استعجل لبنان في التفاوض، كلما كان ذلك أفضل له. يعود ذلك إلى أنّه لا يمتلك أي أوراق في مواجهة إسرائيل التي لم تتوقف عن تدمير القرى التي تحتلها مبدية رغبة واضحة في إنشاء منطقة عازلة في جنوب لبنان. مثل هذه المنطقة العازلة ستكون مرتبطة بمنطقة عازلة أخرى في سوريا حيث وسعت إسرائيل نطاق احتلالها للجولان.

في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي الذي تسببت به إيران من خلال أداتها اللبنانيّة المعروفة، يبدو الخيار اللبناني واضحاً، بعيداً عن أي نوع من الأوهام. قضى سقوط بنت جبيل نهائيا على هذه الأوهام وعلى أن في استطاعة “الحزب” المقاومة. كلّ ما في الأمر أنّ “الحزب” الذي خسر حرب صيف العام 2006، استطاع تحويل خسارته إلى انتصار. انتصر بالفعل على لبنان، وقتذاك، وفرض نفسه ممثلا للوصاية الإيرانيّة على البلد بعد خروج الجيش السوري من لبنان على دمّ رفيق الحريري.

الآن، في ضوء هزيمتين متلاحقتين في 2024 (حرب إسناد غزّة) و 2026 (حرب إسناد إيران)، صار “الحزب” عاريا. لم يعد في استطاعته تحقيق انتصار على لبنان واللبنانيين هذه المرّة. تعرّى راعيه أيضا بعدما خسر حرب إغلاق مضيق هرمز الإستراتيجي. أدى إغلاق المضيق إلى حصار أميركي على الموانئ الإيرانيّة. يؤكد الإفلاس الذي تعاني منه “الجمهوريّة الإسلاميّة” أنّها لم تجد ما ترد به على الحصار الأميركي غير مهاجمة دولة الإمارات العربيّة المتحدة وسلطنة عمان!

مغامرة لا بد منها؟

بدل الأسئلة التي لا معنى لها من نوع مفاوضات مباشرة أو غير مباشرة… أو العودة إلى اتفاق الهدنة وهل هذا ممكن، يبدو السؤال الذي يطرح نفسه هل يعتمد لبنان أسلوب أنور السادات أو حافظ الأسد؟ قال السادات أمام الكنيست الإسرائيلي في تشرين الثاني – نوفمبر 1977: “جئت اليكم حاملا سلام الشجعان وليس سلام المغلوب على أمره”. ما لبث أن دخل في مفاوضات مع إسرائيل توجت بقمة كامب ديفيد مع الرئيس جيمي كارتر ومناحيم بيغن في أيلول – سبتمبر 1978 تمهيدا لتوقيع معاهدة سلام مع إسرائيل في آذار – مارس 1979.

في المقابل، رفض حافظ الأسد كلّ العروض التي تلقاها بحجة الإصرار على إنسحاب إسرائيل إلى حدود الرابع من حزيران – يونيو 1967 بشكل كامل، علما أن هذه الحدود تغيرت في ضوء تراجع مستوى المياه في بحيرة طبريا.

استعاد السادات كل سيناء فيما لا يزال الجولان محتلا إلى اليوم منذ 1967.

توجد فرصة أمام لبنان. في أساس هذه الفرصة الاهتمام الأميركي به وبمصيره. إنّه إهتمام يعبّر عنه الرئيس دونالد ترامب شخصيّا. تدل تجارب الماضي القريب أنّ هذه الفرصة الأميركيّة لن تستمرّ طويلا. لذلك حذر البيان الصادر أخيرا عن السفارة الأميركيّة اللبنانيين من “التردد”. واضح أن الأميركيين يعرفون رئيسهم جيّدا وأن إهتمام ترامب بلبنان يمكن أن يصبح غدا موضع أخذ وردّ.

على الرغم من ذلك كلّه وعلى الرغم من الحملات التي يشنّها “الحزب” وإيران على جوزف وعون ونواف سلام، مع حفظ الألقاب، ليس أمام لبنان من خيار آخر غير خيار محاولة استعادة أرضه، بأي ثمن كان، مستفيدا من حاجة الرئيس الأميركي إلى انتصار من جهة ومن الحاجة إلى تفادي أن يكون مصير الجنوب مثل مصير الجولان من جهة أخرى.

لا وجود لخيار أسمى من إستعادة الأرض ومن عودة أهلها إليها… وإن بشروط معيّنة، هي الثمن الذي يتوجب على لبنان دفعه بسبب الحروب التي يشنّّها “الحزب” خدمة لإيران.

يمكن تسميّة خيار التفاوض مع إسرائيل مغامرة… لكن تفادي مصير الجولان يستحق خوض مثل هذه المغامرة!

جنوب لبنان … سيناء أو الجولان؟

الكاتب: خيرالله خيرالله | المصدر: اساس ميديا
7 أيار 2026

قبل طرح خيار المفاوضات، لا مفرّ من التساؤل هل يريد لبنان أن يكون مصير جنوبه كمصير سيناء التي استعادتها مصر في العام 1979 في ظلّ شروط معيّنة… أو مصير الجولان السوري المحتل منذ 1967؟

 

من أجل الإجابة عن هذا التساؤل، من الضروري العودة إلى البديهيات. تبدأ العودة بالاعتراف، أوّلا، بأنّ لبنان هو من خرق اتفاق الهدنة الموقع مع إسرائيل في 1949 وأن الدولة العبرية لم تكن يوما جمعية خيريّة.

ينسى لبنان أنّ التوصل إلى إتفاق القاهرة مع منظمة التحرير الفلسطينية في خريف العام 1969 كان خرقا لإتفاق الهدنة ببنوده الواضحة. أي مصلحة كانت للبنان بخرق إتفاق الهدنة الذي يتحدث عنه الآن مسؤولون وسياسيون لبنانيون بعد 57 عاما على تخلي لبنان عنه؟

سقطت الأوهام؟

لا حاجة إلى العودة إلى الفرص التي أضاعها لبنان، بما في ذلك فرصة إتفاق 17 أيار 1983 وهي فرصة سيكون من الصعب عليه الحصول على مثيل لها في ضوء الظروف الإقليمية والدولية السائدة حاليًا. تبدو الظروف الراهنة غير ملائمة للبلد الذي بات عليه أن يحارب على جبهتي إسرائيل وإيران. إسرائيل تشنّ حربا عليه من منطلق أنّ “الحزب” يطلق صواريخ في اتجاهها ويهدّد سكان الجليل فيما حرب إيران، على لبنان، من نوع آخر. تقوم حرب إيران على رغبة في تكريس لبنان ورقة في يد “الجمهوريّة الإسلاميّة” في مفاوضاتها مع الولايات المتحدة.

آن أوان تحمّل لبنان لمسؤولياته بدءا بالاعتراف بأنّه كان وراء خرق اتفاق هدنة 1949 بعدما ذهب ضحية المزايدات السنّية المسؤولة وقتذاك وشبق زعماء الموارنة، باستثناء العميد ريمون إده، إلى موقع رئاسة الجمهوريّة!

عندما يتحمّل لبنان مسؤولياته ويحدّد أهدافه، لا يعود السؤال هل يفاوض إسرائيل مباشرة أو غير مباشرة. أي فارق بين المفاوضات المباشرة وغير المباشرة، فيما المطلوب الوصول إلى هدف معيّن بغض النظر عن شكل المفاوضات؟ المهم تحقيق الهدف المطلوب، أي الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان وعودة أهل الأرض، ومعظمهم من أبناء الطائفة الشيعية إليها. كلما استعجل لبنان في التفاوض، كلما كان ذلك أفضل له. يعود ذلك إلى أنّه لا يمتلك أي أوراق في مواجهة إسرائيل التي لم تتوقف عن تدمير القرى التي تحتلها مبدية رغبة واضحة في إنشاء منطقة عازلة في جنوب لبنان. مثل هذه المنطقة العازلة ستكون مرتبطة بمنطقة عازلة أخرى في سوريا حيث وسعت إسرائيل نطاق احتلالها للجولان.

في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي الذي تسببت به إيران من خلال أداتها اللبنانيّة المعروفة، يبدو الخيار اللبناني واضحاً، بعيداً عن أي نوع من الأوهام. قضى سقوط بنت جبيل نهائيا على هذه الأوهام وعلى أن في استطاعة “الحزب” المقاومة. كلّ ما في الأمر أنّ “الحزب” الذي خسر حرب صيف العام 2006، استطاع تحويل خسارته إلى انتصار. انتصر بالفعل على لبنان، وقتذاك، وفرض نفسه ممثلا للوصاية الإيرانيّة على البلد بعد خروج الجيش السوري من لبنان على دمّ رفيق الحريري.

الآن، في ضوء هزيمتين متلاحقتين في 2024 (حرب إسناد غزّة) و 2026 (حرب إسناد إيران)، صار “الحزب” عاريا. لم يعد في استطاعته تحقيق انتصار على لبنان واللبنانيين هذه المرّة. تعرّى راعيه أيضا بعدما خسر حرب إغلاق مضيق هرمز الإستراتيجي. أدى إغلاق المضيق إلى حصار أميركي على الموانئ الإيرانيّة. يؤكد الإفلاس الذي تعاني منه “الجمهوريّة الإسلاميّة” أنّها لم تجد ما ترد به على الحصار الأميركي غير مهاجمة دولة الإمارات العربيّة المتحدة وسلطنة عمان!

مغامرة لا بد منها؟

بدل الأسئلة التي لا معنى لها من نوع مفاوضات مباشرة أو غير مباشرة… أو العودة إلى اتفاق الهدنة وهل هذا ممكن، يبدو السؤال الذي يطرح نفسه هل يعتمد لبنان أسلوب أنور السادات أو حافظ الأسد؟ قال السادات أمام الكنيست الإسرائيلي في تشرين الثاني – نوفمبر 1977: “جئت اليكم حاملا سلام الشجعان وليس سلام المغلوب على أمره”. ما لبث أن دخل في مفاوضات مع إسرائيل توجت بقمة كامب ديفيد مع الرئيس جيمي كارتر ومناحيم بيغن في أيلول – سبتمبر 1978 تمهيدا لتوقيع معاهدة سلام مع إسرائيل في آذار – مارس 1979.

في المقابل، رفض حافظ الأسد كلّ العروض التي تلقاها بحجة الإصرار على إنسحاب إسرائيل إلى حدود الرابع من حزيران – يونيو 1967 بشكل كامل، علما أن هذه الحدود تغيرت في ضوء تراجع مستوى المياه في بحيرة طبريا.

استعاد السادات كل سيناء فيما لا يزال الجولان محتلا إلى اليوم منذ 1967.

توجد فرصة أمام لبنان. في أساس هذه الفرصة الاهتمام الأميركي به وبمصيره. إنّه إهتمام يعبّر عنه الرئيس دونالد ترامب شخصيّا. تدل تجارب الماضي القريب أنّ هذه الفرصة الأميركيّة لن تستمرّ طويلا. لذلك حذر البيان الصادر أخيرا عن السفارة الأميركيّة اللبنانيين من “التردد”. واضح أن الأميركيين يعرفون رئيسهم جيّدا وأن إهتمام ترامب بلبنان يمكن أن يصبح غدا موضع أخذ وردّ.

على الرغم من ذلك كلّه وعلى الرغم من الحملات التي يشنّها “الحزب” وإيران على جوزف وعون ونواف سلام، مع حفظ الألقاب، ليس أمام لبنان من خيار آخر غير خيار محاولة استعادة أرضه، بأي ثمن كان، مستفيدا من حاجة الرئيس الأميركي إلى انتصار من جهة ومن الحاجة إلى تفادي أن يكون مصير الجنوب مثل مصير الجولان من جهة أخرى.

لا وجود لخيار أسمى من إستعادة الأرض ومن عودة أهلها إليها… وإن بشروط معيّنة، هي الثمن الذي يتوجب على لبنان دفعه بسبب الحروب التي يشنّّها “الحزب” خدمة لإيران.

يمكن تسميّة خيار التفاوض مع إسرائيل مغامرة… لكن تفادي مصير الجولان يستحق خوض مثل هذه المغامرة!

مزيد من الأخبار