الدولة العميقة تخنق الاقتصاد اللبناني

لا تبدو المعركة الحالية منفصلة عن الصراع الأوسع على صورة الدولة اللبنانية نفسها. فكل انتقال نحو اقتصاد منظم وشفاف يعني تلقائياً تقليص قدرة المنظومة السياسية والأمنية والمالية التي استفادت طوال أعوام من غياب الرقابة، ومن تضخم الاقتصاد النقدي الموازي.
لم تكن أزمة لبنان يوماً أزمة أرقام فحسب، بل أزمة نظام سياسي بنى نفوذه على تعطيل الدولة وتحويل الاقتصاد إلى أداة ابتزاز وإخضاع. فمنذ أعوام طويلة لم تكن المشكلة أن القرارات لا تُتخذ، بل إن أي قرار إصلاحي أو سيادي أو مالي يولد محاصراً داخل شبكة مصالح مترابطة، سرعان ما تعمل على تفريغه من مضمونه أو تعطيله أو تحويله إلى مادة نزاع سياسي. هكذا جرى مع محاولات استعادة الدولة لقرارها السيادي، وهكذا حصل مع مشاريع الإصلاح الحكومية، وهكذا يتكرر المشهد اليوم مع أية محاولة لإعادة بناء النظام المالي اللبناني على قواعد مختلفة عن تلك التي أوصلت البلاد إلى الانهيار.
في لبنان، السياسة لم تكن في خدمة الاقتصاد، بل الاقتصاد وضع بالكامل في خدمة المنظومة السياسية. وكلما ازداد الانهيار، ازدادت قدرة هذه المنظومة على الإمساك بالمجتمع والدولة معاً. لذلك كان سقوط النموذج الاقتصادي اللبناني نتيجة طبيعية لمسار طويل من إدارة البلاد بعقلية النفوذ والمحاصصة والاقتصاد الريعي والارتهان السياسي.
لبنان الذي نجح لعقود في بناء قطاع مصرفي ضخم ودور مالي وخدماتي متقدم على مستوى المنطقة، خسر تدريجاً كل عناصر قوته. القطاع المصرفي الذي كان يشكل إحدى أهم ركائز الاقتصاد في الشرق الأوسط تحول إلى أحد أبرز ضحايا المنظومة السياسية والمالية. والقطاع التعليمي الذي كان يشكل علامة فارقة للبنان تعرض للاستنزاف والهجرة والانهيار. والقطاع الصحي الذي كان مصدر فخر للبنانيين دخل مرحلة إنهاك خطرة. وحتى الإدارات التي امتلكت يوماً حداً أدنى من الكفاءة جرى تفكيكها لمصلحة شبكات النفوذ والزبائنية السياسية.
الاقتصاد اللبناني لم يسقط لأن البلد يفتقر إلى الإمكانات، بل لأن السياسة دمرت كل القطاعات التي كانت تشكل رأس مال لبنان الحقيقي.
ومع الانهيار المالي الكبير، تحول لبنان تدريجاً إلى اقتصاد نقدي أو ما يعرف بـ”الكاش إيكونومي”، وهو نموذج لم ينشأ فقط بسبب فقدان الثقة بالمصارف، بل لأن هذا الواقع خدم شبكات كاملة من المصالح المرتبطة بالاقتصاد الموازي وتبييض الأموال والتهريب والكبتاغون والتمويل غير الشرعي. فعندما يغيب النظام المالي المنظم تتحول الدولة تلقائياً إلى بيئة مثالية للاقتصاد الأسود، وهذا ما جعل لبنان أكثر عزلة عن النظام المالي العالمي وأكثر إثارة للقلق بالنسبة إلى المستثمرين والدول والمؤسسات الدولية.
فأي مستثمر يريد أن يدخل إلى بلد تغيب فيه الشفافية، ويستخدم فيه الكاش على نطاق واسع، وتفتقر مؤسساته القضائية والرقابية إلى القدرة على حماية الأموال والاستثمارات؟ وأية دولة يمكن أن تضخ دعماً فعلياً في اقتصاد لا تزال فيه الحدود بين الشرعي وغير الشرعي شبه مفقودة؟
من هنا تحديداً بدأت المعركة الجديدة. فمنذ انطلاق العهد الجديد والتغيرات الإقليمية التي رافقته، ظهرت قناعة داخلية وخارجية بأن لبنان يملك فرصة، ولو محدودة، لاستعادة جزء من دوره الاقتصادي والمالي إذا توافرت له بيئة سياسية مستقرة ومسار إصلاحي فعلي. وفي هذا الإطار برزت محاولات داخل مصرف لبنان لإعادة بناء قواعد النظام المالي، والانطلاق من فكرة أساس تقول إن الأزمة ليست غامضة ولا معقدة كما جرى تصويرها طوال الأعوام الماضية، بل هي نتيجة مباشرة لغياب الانضباط المالي، وسوء الإدارة النقدية، وسوء استخدام مدخرات اللبنانيين ضمن نموذج سياسي – مصرفي متكامل قاد البلاد إلى الانهيار.
هذه المقاربة شكلت بحد ذاتها صدمة للمنظومة. لأن الاعتراف الحقيقي بطبيعة الأزمة يعني تلقائياً فتح باب المساءلة، وأيضاً الاعتراف بالخسائر تمهيداً لتوزيعها، بدل الاستمرار في سياسة الإنكار والتسويف التي اعتمدت منذ عام 2019.
ومن هنا يمكن فهم حجم الاستهداف السياسي والإعلامي الذي يواجهه كريم سعيد. فالرجل لا يستهدف بسبب قرار تقني أو إجراء مالي فحسب، بل لأن ما يطرحه يضرب جوهر النموذج الذي استفادت منه القوى النافذة طوال عقود. فعندما يطرح الحديث عن إعادة هيكلة فعلية للقطاع المصرفي، وعن ضرورة إعادة رسملته أو تقليص حجمه ليتناسب مع الواقع الاقتصادي الجديد، فهذا يعني تلقائياً إعادة رسم النفوذ المالي والسياسي في البلاد. وعندما يطرح تشديد الرقابة على الاقتصاد النقدي غير الشرعي، فهذا يعني ضرب جزء أساس من منظومة المصالح التي تعيش أصلاً خارج الاقتصاد الرسمي.
وهنا تحديداً تظهر حساسية المواجهة الدائرة حالياً داخل الدولة اللبنانية. فخلال الأسابيع الماضية عاد الجدل حول نشاط مؤسسات مالية موازية تعمل خارج الإطار المصرفي الرسمي، في وقت بدأت تطرح داخل مؤسسات الدولة، وضمن اجتماعات رسمية مرتبطة بالرقابة المالية والمعايير الدولية، أسئلة مرتبطة بطبيعة هذا النشاط وتأثيره في صورة لبنان المالية وعلاقته بالنظام المصرفي العالمي. هذا النقاش لم يكن تقنياً فحسب، بل كشف مرة جديدة حجم التعقيد الذي تعيشه الدولة عندما تحاول الاقتراب من الملفات المرتبطة بالاقتصاد الموازي والسلاح والنفوذ السياسي.
وفي هذا السياق، تشير المعطيات السياسية والمالية إلى أن رئيس الجمهورية جوزاف عون يحاول منذ بداية العهد الفصل بين الصراعات السياسية ومسار إعادة بناء الاقتصاد، انطلاقاً من قناعة بأن أي نهوض مالي لن يكون ممكناً إذا بقيت المؤسسات الاقتصادية رهينة الحسابات الحزبية والمحاور الإقليمية. ولذلك، ثمة توجه واضح لإعطاء المؤسسات القضائية والرقابية الدور الأساس في التعامل مع الملفات المالية الحساسة، بعيداً من منطق التسويات السياسية التقليدية التي حكمت البلاد لعقود. هذا المناخ نفسه ينسحب على المقاربة المعتمدة تجاه مصرف لبنان، إذ يبدو أن هناك غطاءً سياسياً لتحرك المؤسسات المتخصصة ضمن الأطر القانونية والقضائية، باعتبار أن استعادة الثقة الداخلية والخارجية بالنظام المالي تبدأ من إعادة فرض سلطة الدولة على كامل القطاع المالي والنقدي.
لكن هنا أيضاً تظهر معضلة الدولة العميقة. فكما واجهت محاولات جوزاف عون السياسية بالعراقيل والتعطيل داخل الإدارة والمؤسسات، تواجه اليوم المقاربة الاقتصادية والمالية بالمقاومة نفسها. لأن جزءاً كبيراً من مؤسسات الدولة، بما فيها بعض المفاصل القضائية والإدارية والرقابية، لا يزال متداخلاً مع شبكة المصالح التي تشكلت خلال العقود الماضية، وهي شبكة ترى في أي إصلاح جدي تهديداً مباشراً لبنيتها ونفوذها ومصادر قوتها. ولذلك يصبح التعطيل الإداري والقضائي جزءاً من معركة أوسع تهدف إلى منع انتقال لبنان من اقتصاد الفوضى إلى اقتصاد المؤسسات.
فالواقع أن أحد أكبر التحديات التي تواجه أية محاولة لإعادة بناء الاقتصاد اللبناني لا يرتبط فقط بالخسائر المالية أو بإعادة هيكلة المصارف، بل بوجود اقتصاد موازٍ كامل نما خلال أعوام الانهيار والحروب والعقوبات، وأصبح يمتلك شبكاته الخاصة وآلياته النقدية الخاصة وقدرته على العمل خارج مؤسسات الدولة. وهذا تحديداً ما يثير قلق المؤسسات الدولية والهيئات الرقابية المعنية بمكافحة تبييض الأموال وتمويل الأنشطة غير الشرعية، ويجعل أي مسار إصلاحي في لبنان مرتبطاً حكماً بقدرة الدولة على استعادة السيطرة على النظام المالي والنقدي.
ولهذا السبب، لا تبدو المعركة الحالية منفصلة عن الصراع الأوسع على صورة الدولة اللبنانية نفسها. فكل انتقال نحو اقتصاد منظم وشفاف يعني تلقائياً تقليص قدرة المنظومة السياسية والأمنية والمالية التي استفادت طوال أعوام من غياب الرقابة، ومن تضخم الاقتصاد النقدي الموازي.
وفي خضم هذا المشهد، عاد الاقتصاد اللبناني ليدفع مرة جديدة ثمن الحرب التي اندلعت بعد قرار “حزب الله” فتح المواجهة مع إسرائيل، وما تبعها من رد إسرائيلي واسع ومدمر. الحرب لم يقررها لبنان الرسمي، لكن الدولة اللبنانية والاقتصاد اللبناني والمواطن اللبناني تحملوا كامل كلفتها. تراجعت الصادرات، وتقلصت الواردات، وانخفضت التحويلات المالية، وتراجعت الثقة الدولية أكثر من أي وقت مضى، فيما ازدادت الضغوط على مصرف لبنان لتأمين الدولارات اللازمة لدفع رواتب القطاع العام وتأمين الحد الأدنى من الاستقرار النقدي.
لكن بدل طرح السؤال الأساس حول من يقرر الحرب ومن يتحمل مسؤوليتها، جرى تحويل النقاش باتجاه مصرف لبنان وكأن المشكلة الأساس تكمن في السياسة النقدية لا في القرار السياسي الذي وضع البلاد مجدداً على حافة الانهيار.
وفي لبنان، هذه ليست تفصيلة. فالمسؤولية تنقل دائماً من الفاعلين الحقيقيين إلى المؤسسات التي تحاول إدارة نتائج الكارثة. تعفى القوى التي صنعت الانهيار بينما تحاصر الجهات التي تحاول منع السقوط الكامل. ولذلك ظهرت تدريجاً حملات تتحدث عن “تحرير الليرة”، وعن سيناريوهات انهيار سعر الصرف إلى مستويات خيالية، في محاولة واضحة لصناعة حال خوف عامة تسمح بالضغط على مصرف لبنان واستخدام ما تبقى من احتياطات في تمويل المرحلة المقبلة وإعادة الإعمار.
لكن الحقيقة أن الحديث عن تحرير كامل لسعر الصرف بهذه الصورة ليس واقعياً أصلاً في ظل غياب قطاع مصرفي عامل بصورة طبيعية، وفي ظل اقتصاد أصبح بمعظمه مدولراً. فالليرة اللبنانية لم تعد فعلياً عملة الاقتصاد الحقيقي، بل تحولت إلى عملة الإدارة العامة والرسوم والضرائب، بينما تتم غالبية العمليات النقدية بالدولار الأميركي.
ما يجري إذاً ليس مجرد نقاش اقتصادي، بل معركة على من يملك القرار المالي في لبنان. هل يبقى الاقتصاد رهينة التحالف القائم بين الفساد السياسي والسلاح غير الشرعي واقتصاد الكاش، أم ينتقل تدريجاً نحو نموذج أكثر شفافية وانتظاماً؟
ولهذا تحديداً، تبدو المعركة الحالية أعمق بكثير من شخص أو موقع أو منصب. إنها مواجهة بين نموذجين، نموذج يريد إعادة إنتاج النظام نفسه الذي أوصل لبنان إلى الانهيار، ونموذج آخر يحاول، ولو ببطء شديد، إعادة بناء الحد الأدنى من الدولة الطبيعية والمؤسساتية.
لكن المشكلة الأساس تبقى أن الاقتصاد، مهما امتلك من خطط أو وصفات أو مشاريع إصلاح، لا يستطيع النهوض وحده. فالأزمة اللبنانية ليست أزمة مالية فحسب، بل أزمة قرار سياسي. ولذلك، فإن أية محاولة للتعافي ستبقى ناقصة ما دامت الدولة عاجزة عن فرض الاستقرار، وعن حماية الاقتصاد من كلفة الحروب والصراعات والمحاور، وعن منع تحويل المؤسسات إلى أدوات تمويل دائمة لمنظومة استنزفت البلاد لعقود.
وفي النهاية، لا يبدو السؤال الحقيقي اليوم مرتبطاً فقط بسعر الصرف أو بإعادة هيكلة المصارف أو بالاتفاق مع صندوق النقد الدولي، بل بسؤال أكبر بكثير هو هل تسمح الدولة العميقة أصلاً بقيام اقتصاد لبناني طبيعي ومستقر وشفاف، أم أن بقاء الفوضى والانهيار والاقتصاد الموازي يشكل بالنسبة إليها شرطاً أساساً لبقاء نفوذها وسيطرتها؟
الدولة العميقة تخنق الاقتصاد اللبناني

لا تبدو المعركة الحالية منفصلة عن الصراع الأوسع على صورة الدولة اللبنانية نفسها. فكل انتقال نحو اقتصاد منظم وشفاف يعني تلقائياً تقليص قدرة المنظومة السياسية والأمنية والمالية التي استفادت طوال أعوام من غياب الرقابة، ومن تضخم الاقتصاد النقدي الموازي.
لم تكن أزمة لبنان يوماً أزمة أرقام فحسب، بل أزمة نظام سياسي بنى نفوذه على تعطيل الدولة وتحويل الاقتصاد إلى أداة ابتزاز وإخضاع. فمنذ أعوام طويلة لم تكن المشكلة أن القرارات لا تُتخذ، بل إن أي قرار إصلاحي أو سيادي أو مالي يولد محاصراً داخل شبكة مصالح مترابطة، سرعان ما تعمل على تفريغه من مضمونه أو تعطيله أو تحويله إلى مادة نزاع سياسي. هكذا جرى مع محاولات استعادة الدولة لقرارها السيادي، وهكذا حصل مع مشاريع الإصلاح الحكومية، وهكذا يتكرر المشهد اليوم مع أية محاولة لإعادة بناء النظام المالي اللبناني على قواعد مختلفة عن تلك التي أوصلت البلاد إلى الانهيار.
في لبنان، السياسة لم تكن في خدمة الاقتصاد، بل الاقتصاد وضع بالكامل في خدمة المنظومة السياسية. وكلما ازداد الانهيار، ازدادت قدرة هذه المنظومة على الإمساك بالمجتمع والدولة معاً. لذلك كان سقوط النموذج الاقتصادي اللبناني نتيجة طبيعية لمسار طويل من إدارة البلاد بعقلية النفوذ والمحاصصة والاقتصاد الريعي والارتهان السياسي.
لبنان الذي نجح لعقود في بناء قطاع مصرفي ضخم ودور مالي وخدماتي متقدم على مستوى المنطقة، خسر تدريجاً كل عناصر قوته. القطاع المصرفي الذي كان يشكل إحدى أهم ركائز الاقتصاد في الشرق الأوسط تحول إلى أحد أبرز ضحايا المنظومة السياسية والمالية. والقطاع التعليمي الذي كان يشكل علامة فارقة للبنان تعرض للاستنزاف والهجرة والانهيار. والقطاع الصحي الذي كان مصدر فخر للبنانيين دخل مرحلة إنهاك خطرة. وحتى الإدارات التي امتلكت يوماً حداً أدنى من الكفاءة جرى تفكيكها لمصلحة شبكات النفوذ والزبائنية السياسية.
الاقتصاد اللبناني لم يسقط لأن البلد يفتقر إلى الإمكانات، بل لأن السياسة دمرت كل القطاعات التي كانت تشكل رأس مال لبنان الحقيقي.
ومع الانهيار المالي الكبير، تحول لبنان تدريجاً إلى اقتصاد نقدي أو ما يعرف بـ”الكاش إيكونومي”، وهو نموذج لم ينشأ فقط بسبب فقدان الثقة بالمصارف، بل لأن هذا الواقع خدم شبكات كاملة من المصالح المرتبطة بالاقتصاد الموازي وتبييض الأموال والتهريب والكبتاغون والتمويل غير الشرعي. فعندما يغيب النظام المالي المنظم تتحول الدولة تلقائياً إلى بيئة مثالية للاقتصاد الأسود، وهذا ما جعل لبنان أكثر عزلة عن النظام المالي العالمي وأكثر إثارة للقلق بالنسبة إلى المستثمرين والدول والمؤسسات الدولية.
فأي مستثمر يريد أن يدخل إلى بلد تغيب فيه الشفافية، ويستخدم فيه الكاش على نطاق واسع، وتفتقر مؤسساته القضائية والرقابية إلى القدرة على حماية الأموال والاستثمارات؟ وأية دولة يمكن أن تضخ دعماً فعلياً في اقتصاد لا تزال فيه الحدود بين الشرعي وغير الشرعي شبه مفقودة؟
من هنا تحديداً بدأت المعركة الجديدة. فمنذ انطلاق العهد الجديد والتغيرات الإقليمية التي رافقته، ظهرت قناعة داخلية وخارجية بأن لبنان يملك فرصة، ولو محدودة، لاستعادة جزء من دوره الاقتصادي والمالي إذا توافرت له بيئة سياسية مستقرة ومسار إصلاحي فعلي. وفي هذا الإطار برزت محاولات داخل مصرف لبنان لإعادة بناء قواعد النظام المالي، والانطلاق من فكرة أساس تقول إن الأزمة ليست غامضة ولا معقدة كما جرى تصويرها طوال الأعوام الماضية، بل هي نتيجة مباشرة لغياب الانضباط المالي، وسوء الإدارة النقدية، وسوء استخدام مدخرات اللبنانيين ضمن نموذج سياسي – مصرفي متكامل قاد البلاد إلى الانهيار.
هذه المقاربة شكلت بحد ذاتها صدمة للمنظومة. لأن الاعتراف الحقيقي بطبيعة الأزمة يعني تلقائياً فتح باب المساءلة، وأيضاً الاعتراف بالخسائر تمهيداً لتوزيعها، بدل الاستمرار في سياسة الإنكار والتسويف التي اعتمدت منذ عام 2019.
ومن هنا يمكن فهم حجم الاستهداف السياسي والإعلامي الذي يواجهه كريم سعيد. فالرجل لا يستهدف بسبب قرار تقني أو إجراء مالي فحسب، بل لأن ما يطرحه يضرب جوهر النموذج الذي استفادت منه القوى النافذة طوال عقود. فعندما يطرح الحديث عن إعادة هيكلة فعلية للقطاع المصرفي، وعن ضرورة إعادة رسملته أو تقليص حجمه ليتناسب مع الواقع الاقتصادي الجديد، فهذا يعني تلقائياً إعادة رسم النفوذ المالي والسياسي في البلاد. وعندما يطرح تشديد الرقابة على الاقتصاد النقدي غير الشرعي، فهذا يعني ضرب جزء أساس من منظومة المصالح التي تعيش أصلاً خارج الاقتصاد الرسمي.
وهنا تحديداً تظهر حساسية المواجهة الدائرة حالياً داخل الدولة اللبنانية. فخلال الأسابيع الماضية عاد الجدل حول نشاط مؤسسات مالية موازية تعمل خارج الإطار المصرفي الرسمي، في وقت بدأت تطرح داخل مؤسسات الدولة، وضمن اجتماعات رسمية مرتبطة بالرقابة المالية والمعايير الدولية، أسئلة مرتبطة بطبيعة هذا النشاط وتأثيره في صورة لبنان المالية وعلاقته بالنظام المصرفي العالمي. هذا النقاش لم يكن تقنياً فحسب، بل كشف مرة جديدة حجم التعقيد الذي تعيشه الدولة عندما تحاول الاقتراب من الملفات المرتبطة بالاقتصاد الموازي والسلاح والنفوذ السياسي.
وفي هذا السياق، تشير المعطيات السياسية والمالية إلى أن رئيس الجمهورية جوزاف عون يحاول منذ بداية العهد الفصل بين الصراعات السياسية ومسار إعادة بناء الاقتصاد، انطلاقاً من قناعة بأن أي نهوض مالي لن يكون ممكناً إذا بقيت المؤسسات الاقتصادية رهينة الحسابات الحزبية والمحاور الإقليمية. ولذلك، ثمة توجه واضح لإعطاء المؤسسات القضائية والرقابية الدور الأساس في التعامل مع الملفات المالية الحساسة، بعيداً من منطق التسويات السياسية التقليدية التي حكمت البلاد لعقود. هذا المناخ نفسه ينسحب على المقاربة المعتمدة تجاه مصرف لبنان، إذ يبدو أن هناك غطاءً سياسياً لتحرك المؤسسات المتخصصة ضمن الأطر القانونية والقضائية، باعتبار أن استعادة الثقة الداخلية والخارجية بالنظام المالي تبدأ من إعادة فرض سلطة الدولة على كامل القطاع المالي والنقدي.
لكن هنا أيضاً تظهر معضلة الدولة العميقة. فكما واجهت محاولات جوزاف عون السياسية بالعراقيل والتعطيل داخل الإدارة والمؤسسات، تواجه اليوم المقاربة الاقتصادية والمالية بالمقاومة نفسها. لأن جزءاً كبيراً من مؤسسات الدولة، بما فيها بعض المفاصل القضائية والإدارية والرقابية، لا يزال متداخلاً مع شبكة المصالح التي تشكلت خلال العقود الماضية، وهي شبكة ترى في أي إصلاح جدي تهديداً مباشراً لبنيتها ونفوذها ومصادر قوتها. ولذلك يصبح التعطيل الإداري والقضائي جزءاً من معركة أوسع تهدف إلى منع انتقال لبنان من اقتصاد الفوضى إلى اقتصاد المؤسسات.
فالواقع أن أحد أكبر التحديات التي تواجه أية محاولة لإعادة بناء الاقتصاد اللبناني لا يرتبط فقط بالخسائر المالية أو بإعادة هيكلة المصارف، بل بوجود اقتصاد موازٍ كامل نما خلال أعوام الانهيار والحروب والعقوبات، وأصبح يمتلك شبكاته الخاصة وآلياته النقدية الخاصة وقدرته على العمل خارج مؤسسات الدولة. وهذا تحديداً ما يثير قلق المؤسسات الدولية والهيئات الرقابية المعنية بمكافحة تبييض الأموال وتمويل الأنشطة غير الشرعية، ويجعل أي مسار إصلاحي في لبنان مرتبطاً حكماً بقدرة الدولة على استعادة السيطرة على النظام المالي والنقدي.
ولهذا السبب، لا تبدو المعركة الحالية منفصلة عن الصراع الأوسع على صورة الدولة اللبنانية نفسها. فكل انتقال نحو اقتصاد منظم وشفاف يعني تلقائياً تقليص قدرة المنظومة السياسية والأمنية والمالية التي استفادت طوال أعوام من غياب الرقابة، ومن تضخم الاقتصاد النقدي الموازي.
وفي خضم هذا المشهد، عاد الاقتصاد اللبناني ليدفع مرة جديدة ثمن الحرب التي اندلعت بعد قرار “حزب الله” فتح المواجهة مع إسرائيل، وما تبعها من رد إسرائيلي واسع ومدمر. الحرب لم يقررها لبنان الرسمي، لكن الدولة اللبنانية والاقتصاد اللبناني والمواطن اللبناني تحملوا كامل كلفتها. تراجعت الصادرات، وتقلصت الواردات، وانخفضت التحويلات المالية، وتراجعت الثقة الدولية أكثر من أي وقت مضى، فيما ازدادت الضغوط على مصرف لبنان لتأمين الدولارات اللازمة لدفع رواتب القطاع العام وتأمين الحد الأدنى من الاستقرار النقدي.
لكن بدل طرح السؤال الأساس حول من يقرر الحرب ومن يتحمل مسؤوليتها، جرى تحويل النقاش باتجاه مصرف لبنان وكأن المشكلة الأساس تكمن في السياسة النقدية لا في القرار السياسي الذي وضع البلاد مجدداً على حافة الانهيار.
وفي لبنان، هذه ليست تفصيلة. فالمسؤولية تنقل دائماً من الفاعلين الحقيقيين إلى المؤسسات التي تحاول إدارة نتائج الكارثة. تعفى القوى التي صنعت الانهيار بينما تحاصر الجهات التي تحاول منع السقوط الكامل. ولذلك ظهرت تدريجاً حملات تتحدث عن “تحرير الليرة”، وعن سيناريوهات انهيار سعر الصرف إلى مستويات خيالية، في محاولة واضحة لصناعة حال خوف عامة تسمح بالضغط على مصرف لبنان واستخدام ما تبقى من احتياطات في تمويل المرحلة المقبلة وإعادة الإعمار.
لكن الحقيقة أن الحديث عن تحرير كامل لسعر الصرف بهذه الصورة ليس واقعياً أصلاً في ظل غياب قطاع مصرفي عامل بصورة طبيعية، وفي ظل اقتصاد أصبح بمعظمه مدولراً. فالليرة اللبنانية لم تعد فعلياً عملة الاقتصاد الحقيقي، بل تحولت إلى عملة الإدارة العامة والرسوم والضرائب، بينما تتم غالبية العمليات النقدية بالدولار الأميركي.
ما يجري إذاً ليس مجرد نقاش اقتصادي، بل معركة على من يملك القرار المالي في لبنان. هل يبقى الاقتصاد رهينة التحالف القائم بين الفساد السياسي والسلاح غير الشرعي واقتصاد الكاش، أم ينتقل تدريجاً نحو نموذج أكثر شفافية وانتظاماً؟
ولهذا تحديداً، تبدو المعركة الحالية أعمق بكثير من شخص أو موقع أو منصب. إنها مواجهة بين نموذجين، نموذج يريد إعادة إنتاج النظام نفسه الذي أوصل لبنان إلى الانهيار، ونموذج آخر يحاول، ولو ببطء شديد، إعادة بناء الحد الأدنى من الدولة الطبيعية والمؤسساتية.
لكن المشكلة الأساس تبقى أن الاقتصاد، مهما امتلك من خطط أو وصفات أو مشاريع إصلاح، لا يستطيع النهوض وحده. فالأزمة اللبنانية ليست أزمة مالية فحسب، بل أزمة قرار سياسي. ولذلك، فإن أية محاولة للتعافي ستبقى ناقصة ما دامت الدولة عاجزة عن فرض الاستقرار، وعن حماية الاقتصاد من كلفة الحروب والصراعات والمحاور، وعن منع تحويل المؤسسات إلى أدوات تمويل دائمة لمنظومة استنزفت البلاد لعقود.
وفي النهاية، لا يبدو السؤال الحقيقي اليوم مرتبطاً فقط بسعر الصرف أو بإعادة هيكلة المصارف أو بالاتفاق مع صندوق النقد الدولي، بل بسؤال أكبر بكثير هو هل تسمح الدولة العميقة أصلاً بقيام اقتصاد لبناني طبيعي ومستقر وشفاف، أم أن بقاء الفوضى والانهيار والاقتصاد الموازي يشكل بالنسبة إليها شرطاً أساساً لبقاء نفوذها وسيطرتها؟









