عن موارنة إنقاذ الشيعة

عام 1989، ارتأت العبقريّة الاستراتيجيّة الاستثنائيّة للعماد ميشال عون، رئيس الحكومة العسكريّة آنذاك، أنّ الظروف مناسبة لإطلاق حرب تحرير لبنان من الاحتلال السوري. في الحقيقة، لم تكن الظروف مناسبة على الإطلاق. ولكن بغضّ النظر عن موازين القوى، هناك سؤال آخر كان ينبغي طرحه قبل إطلاق حرب التحرير: إذا كانت ضاحية بيروت الجنوبيّة – على سبيل المثال – راضية بالاحتلال السوري، بل تحارب معه عبر قواها الأساسيّة في “أمل” و “حزب الله”، فلماذا إخضاع الأشرفيّة لحمم المدافع السوريّة لتحرير الضاحية غصبًا عنها؟ ماذا لو أنّ أهل الضاحية رأوا النظام السوري آنذاك أقرب إليهم، بحكم الصلة المذهبيّة، من حكومة ميشال عون والقوّات اللبنانيّة؟ السؤال عينه صحيح لكلّ المناطق غير الضاحية التي ارتاحت للسوريّين، أو تواطأت معهم: لماذا كان ينبغي “إنقاذها” منهم غصبًا عنها بدل حصر الجهود بالمنطقة الشرقيّة، والعمل لتحويل حكمها الذاتي لنفسها بالأمر الواقع إلى حالة دائمة بعد تعديل الدستور اللبناني عند أوّل فرصة ممكنة؟
أطرح هذا النوع من الأسئلة على نفسي منذ سنوات طويلة. وفيها جوهر انحيازي ضدّ ميشال عون، وأيضًا خلافي مع من يرون تجربته كارثيّة فقط منذ وقّع تفاهم “مار مخايل” مع “حزب الله” عام 2006. أنا أراها كارثيّة قبل ذلك بسنوات، قبل التفاهم مع الميليشيا الشيعيّة، بل حتّى قبل حرب الإلغاء. عندي أنّ عون كسر المسيحيّين يوم شنّ حربًا كانت نتيجتها ستكون سيّئة ولو ربحتها “الشرقيّة” – لأنّها كانت ستعيدها إلى العناق الخانق مع تجربة لبنان الكبير المركزي – فكم بالحري أنّها خسرتها، وما كان يمكن أن تربحها آنذاك.
هناك شيء من هذا يتكرّر اليوم. من يتابع خطاب سياديّي الموارنة يراهم مصرّين على أنّ “حزب الله” لا يمثّل الشيعة، وأنّ الانتفاضة الشيعيّة الكبرى عليه لا ريب قادمة، وأنّ نبيه برّي يقترب من التمرّد عليه، وأنّ “الحزب” يرسل شبّانًا لبنانيّين إلى الموت كرمى قضيّة غير لبنانيّة. وتمامًا كما أراد ميشال عون عام 1989 تحرير من لم يكن يعتبر جيش حافظ الأسد احتلالا، ولم يطلب تاليًا من أحد “تحريره”، هناك سياديّون مصرّون اليوم على إنقاذ الشيعة من “حزب الله” غصبًا عنهم، ولو أنّ شيئًا عند هذه الجماعة اللبنانيّة لا يشي بأنّ تيارًا عريضًا فيها يطلب من قوى وشخصيّات غير شيعيّة “إنقاذها”. نتيجة إصرار عون على التحرير آنذاك كانت كارثيّة؛ ونتيجة إصرار السياديّين على الإنقاذ اليوم لا يمكن أن تكون أفضل.
في العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، شهدت منطقتنا فورة مثقّفين مسيحيّين مصرّين على العلمنة، والحداثة، ومنطق “الدين للّه، والوطن للجميع”. تلوح في البال هنا أسماء شبلي الشميّل، المعلّم بطرس البستاني، وكثر غيرهما. ماذا كانت نتيجة هذه المحاولات بعد 150 عامًا عليها؟ هل تصالح الإسلام مع العلمنة، والمواطنة، وقيم الغرب الليبرالي؟ الجواب ليس فقط أنّ لا، بل أيضًا أنّ شيئًا لا يشي بمصالحة قريبة. وليس بلا معنى في دول كمصر أو تونس أن يكون انقلاب عبد الفتّاح السيسي وقيس سعيّد على الديمقراطيّة الطريقة الوحيدة لإخراج الإسلاميّين من المشهد السياسي. الإسلاميّون يبقون الأقرب إلى قناعات مجتمعاتهم من أيّ تيّار آخر بعد 150 عامًا من التنظير الأقلّوي عن الحداثة، وهذا ما أظهرته التجارب الانتخابيّة القليلة الحرّة في العالم العربي مرّة بعد مرّة. ما خلاصة فشل رهان الشميّل والبستاني وأنطون سعادة وكثر غيرهم على علمنة المسلمين؟ الجواب أنّ أي جماعة تتغيّر، إذا تغيّرت، نتيجة ديناميكيّات داخليّة خاصّة بها. لا أحد يستطيع فرض أفكاره عليها من خارجها، ولو كانت نواياه تجاهها صادقة.
استطرادًا: الشخصيّات المسيحيّة المستنفرة اليوم لإنقاذ الشيعة من “حزب الله” تدين بوجودها السياسي لناخبيها، ولقواعدها الحزبيّة. من قال لهذه الشخصيّات إنّ قواعدها مهتمّة كثيرًا بإنقاذ غيرها، بينما مستقبلها هي على المحكّ، والمغتربات تبتلعها كل يوم أكثر؟ بوضوح: ماذا لو أنّ الشعب المسيحي يبحث عن فكّ الارتباط مع شيعة “أمل” و”حزب الله”، لا عن سبل تجديد الشراكة معهم؟ عند كلّ دورة انتخابيّة، يحصل “السياديّون” المسيحيّون على أصوات قواعدهم الشعبيّة، ثمّ يتابعون ممارسة السياسة التي تُبقي هذه القواعد أسرى نظام مركزي لم يعد شرعيًّا بنظرها. هذا النوع من النفاق السياسي يفضح نفسه كلّ يوم أكثر
عن موارنة إنقاذ الشيعة

عام 1989، ارتأت العبقريّة الاستراتيجيّة الاستثنائيّة للعماد ميشال عون، رئيس الحكومة العسكريّة آنذاك، أنّ الظروف مناسبة لإطلاق حرب تحرير لبنان من الاحتلال السوري. في الحقيقة، لم تكن الظروف مناسبة على الإطلاق. ولكن بغضّ النظر عن موازين القوى، هناك سؤال آخر كان ينبغي طرحه قبل إطلاق حرب التحرير: إذا كانت ضاحية بيروت الجنوبيّة – على سبيل المثال – راضية بالاحتلال السوري، بل تحارب معه عبر قواها الأساسيّة في “أمل” و “حزب الله”، فلماذا إخضاع الأشرفيّة لحمم المدافع السوريّة لتحرير الضاحية غصبًا عنها؟ ماذا لو أنّ أهل الضاحية رأوا النظام السوري آنذاك أقرب إليهم، بحكم الصلة المذهبيّة، من حكومة ميشال عون والقوّات اللبنانيّة؟ السؤال عينه صحيح لكلّ المناطق غير الضاحية التي ارتاحت للسوريّين، أو تواطأت معهم: لماذا كان ينبغي “إنقاذها” منهم غصبًا عنها بدل حصر الجهود بالمنطقة الشرقيّة، والعمل لتحويل حكمها الذاتي لنفسها بالأمر الواقع إلى حالة دائمة بعد تعديل الدستور اللبناني عند أوّل فرصة ممكنة؟
أطرح هذا النوع من الأسئلة على نفسي منذ سنوات طويلة. وفيها جوهر انحيازي ضدّ ميشال عون، وأيضًا خلافي مع من يرون تجربته كارثيّة فقط منذ وقّع تفاهم “مار مخايل” مع “حزب الله” عام 2006. أنا أراها كارثيّة قبل ذلك بسنوات، قبل التفاهم مع الميليشيا الشيعيّة، بل حتّى قبل حرب الإلغاء. عندي أنّ عون كسر المسيحيّين يوم شنّ حربًا كانت نتيجتها ستكون سيّئة ولو ربحتها “الشرقيّة” – لأنّها كانت ستعيدها إلى العناق الخانق مع تجربة لبنان الكبير المركزي – فكم بالحري أنّها خسرتها، وما كان يمكن أن تربحها آنذاك.
هناك شيء من هذا يتكرّر اليوم. من يتابع خطاب سياديّي الموارنة يراهم مصرّين على أنّ “حزب الله” لا يمثّل الشيعة، وأنّ الانتفاضة الشيعيّة الكبرى عليه لا ريب قادمة، وأنّ نبيه برّي يقترب من التمرّد عليه، وأنّ “الحزب” يرسل شبّانًا لبنانيّين إلى الموت كرمى قضيّة غير لبنانيّة. وتمامًا كما أراد ميشال عون عام 1989 تحرير من لم يكن يعتبر جيش حافظ الأسد احتلالا، ولم يطلب تاليًا من أحد “تحريره”، هناك سياديّون مصرّون اليوم على إنقاذ الشيعة من “حزب الله” غصبًا عنهم، ولو أنّ شيئًا عند هذه الجماعة اللبنانيّة لا يشي بأنّ تيارًا عريضًا فيها يطلب من قوى وشخصيّات غير شيعيّة “إنقاذها”. نتيجة إصرار عون على التحرير آنذاك كانت كارثيّة؛ ونتيجة إصرار السياديّين على الإنقاذ اليوم لا يمكن أن تكون أفضل.
في العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، شهدت منطقتنا فورة مثقّفين مسيحيّين مصرّين على العلمنة، والحداثة، ومنطق “الدين للّه، والوطن للجميع”. تلوح في البال هنا أسماء شبلي الشميّل، المعلّم بطرس البستاني، وكثر غيرهما. ماذا كانت نتيجة هذه المحاولات بعد 150 عامًا عليها؟ هل تصالح الإسلام مع العلمنة، والمواطنة، وقيم الغرب الليبرالي؟ الجواب ليس فقط أنّ لا، بل أيضًا أنّ شيئًا لا يشي بمصالحة قريبة. وليس بلا معنى في دول كمصر أو تونس أن يكون انقلاب عبد الفتّاح السيسي وقيس سعيّد على الديمقراطيّة الطريقة الوحيدة لإخراج الإسلاميّين من المشهد السياسي. الإسلاميّون يبقون الأقرب إلى قناعات مجتمعاتهم من أيّ تيّار آخر بعد 150 عامًا من التنظير الأقلّوي عن الحداثة، وهذا ما أظهرته التجارب الانتخابيّة القليلة الحرّة في العالم العربي مرّة بعد مرّة. ما خلاصة فشل رهان الشميّل والبستاني وأنطون سعادة وكثر غيرهم على علمنة المسلمين؟ الجواب أنّ أي جماعة تتغيّر، إذا تغيّرت، نتيجة ديناميكيّات داخليّة خاصّة بها. لا أحد يستطيع فرض أفكاره عليها من خارجها، ولو كانت نواياه تجاهها صادقة.
استطرادًا: الشخصيّات المسيحيّة المستنفرة اليوم لإنقاذ الشيعة من “حزب الله” تدين بوجودها السياسي لناخبيها، ولقواعدها الحزبيّة. من قال لهذه الشخصيّات إنّ قواعدها مهتمّة كثيرًا بإنقاذ غيرها، بينما مستقبلها هي على المحكّ، والمغتربات تبتلعها كل يوم أكثر؟ بوضوح: ماذا لو أنّ الشعب المسيحي يبحث عن فكّ الارتباط مع شيعة “أمل” و”حزب الله”، لا عن سبل تجديد الشراكة معهم؟ عند كلّ دورة انتخابيّة، يحصل “السياديّون” المسيحيّون على أصوات قواعدهم الشعبيّة، ثمّ يتابعون ممارسة السياسة التي تُبقي هذه القواعد أسرى نظام مركزي لم يعد شرعيًّا بنظرها. هذا النوع من النفاق السياسي يفضح نفسه كلّ يوم أكثر









