تفكيك “الحزب”: بالنّار أو بالتفاوض؟

الكاتب: طوني عيسى | المصدر: هنا لبنان
14 أيار 2026

الحكومة اللبنانية أمام خيارَيْن يؤدّيان إلى النتيجة ذاتها، أي تفكيك “الحزب”، ولكن بفارقٍ شاسعٍ في الكلفة البشرية والكيانية: إمّا ​أن تتحمّل مسؤوليّتها التاريخية وتلتزم تنفيذ قرار نزع السلاح سياديًّا، وهذا خيار صعب سياسيًّا في الداخل، لكنّه يحمي ما تبقّى من البلد. وإمّا ​خيار التردّد والاستسلام للحرب أي الدّمار الشامل، وفيه ستتولّى إسرائيل تنفيذ المهمة بالنّار وبدعم أميركي مفتوح.

 

​بانطلاق الجولة الثالثة من المفاوضات، يدخل لبنان مرحلةً حرجةً جدًّا بين المسار الدبلوماسي الذي ينطلق خجولًا في واشنطن، والمسار الميداني العنيف الذي تندفع إليه إسرائيل بديناميّة وتوسُّع متسارع في السيطرة الجغرافية، بحيث تبدو الهدنة خارج بيروت مجرّد حبرٍ على ورق. ويواجه لبنان حقيقةً استراتيجيّةً لم يعد ممكنًا التهرّب منها، إذ لم يعد السؤال: “هل سيتمّ نزع سلاح حزب الله وتفكيك بنيته العسكرية؟”، بل “بأيّ كلفة سيتمّ ذلك؟”. فمن الواضح أن هذا التفكيك أصبح أمرًا لا فكاك منه، سواء عبر طاولة التفاوض بثمنٍ يُمكن ضبطه، أو عبر سياسة “الأرض المحروقة” وأكلافٍ لا تُعرف حدودها.

​في الأيام الأخيرة، انتقلت إسرائيل من مرحلة الاستنزاف التي رسمها حزب الله على القياس الإيراني، إلى مرحلة أكثر عمقًا من شأنها أن تُعيد رسم خرائط السيطرة والتوزّع الجغرافي والدّيموغرافي. ويتجلّى ذلك بالتمدّد السريع شمالًا، بحيث تمّ تجاوز خط الليطاني. ويمكن إحصاء أكثر من 80 قريةً شملتها أوامر الإخلاء حتّى اليوم، ما يعني إنشاء منطقةٍ حدوديةٍ واسعةٍ، تحمل مواصفات العزل فيزيائيًّا وبشريًّا.

وعلى الرغم من تواجد ثلاث فرق عسكرية تعمل حاليًّا في الدّاخل اللبناني، فإنّ الجيش الإسرائيلي أعلن صراحةً نيّته توسيع العمليات البرية، حالما يتلقّى الضوء الأخضر من المستوى السياسي. ولوحظ أنّ الضربات العنيفة خرجت في الأيام الأخيرة من بقعة جنوب الليطاني، وتوسّعت إلى شماله، بل إلى شمال الأوّلي، ساحلًا وجبلًا، كما البقاع الغربي، ما يخلق واقعًا ميدانيًّا جديدًا يسهل بلوغ النتائج السياسية التي يعمل لها الإسرائيليّون.

​والتحدّي الأبرز الذي يواجهه لبنان هو أنّ واشنطن تتشارك، بقوةٍ، مع إسرائيل هدف تفكيك “حزب الله”. وفيما الوسيط الأميركي هو الوحيد الذي يمكن أن يلجأ إليه لبنان للاحتماء، فإنّ هذا الوسيط نفسه هو الذي يُمارس الضغوط الهائلة على الحكومة اللبنانية لانتزاع قبولها المُسبق بالنّتائج المعروفة التي يُراد بلوغها في المفاوضات، وأبرزها نزع سلاح “حزب الله” وتفكيك بُنيته العسكرية والأمنية. وظهر ذلك ​جليًّا بالضغط الذي يمارسه السفير ميشال عيسى على أركان الحكم، للاستجابة للطرح الأميركي، وللموافقة على لقاء عون – نتنياهو، مؤكّدًا أنّ “زمن التردّد” قد انتهى.

تطلب واشنطن من لبنان التزامًا صريحًا بجدول أعمال يلحظ أن تتحمّل الحكومة مسؤوليّاتها كاملة في ما يتعلّق بتفكيك بنية “الحزب”. وفشل هذه الحكومة في فرض وقفٍ للنّار قبل انطلاق المفاوضات -كما كانت تُطالب- يضع لبنان في موضع التفاوض تحت النّار، بحيث تكون الضربات الإسرائيلية أداة ضغطٍ مباشرةٍ لدفعه إلى القبول بالنتائج السياسية المطلوبة.

منطقيًّا، هذا يعني أنّ الحكومة اللبنانية موضوعة أمام خيارَيْن يؤديان إلى النتيجة ذاتها، أي تفكيك “حزب الله”، ولكن بفارقٍ شاسعٍ في الكلفة البشرية والكيانية: إمّا ​أن تتحمّل مسؤوليّتها التاريخية وتلتزم تنفيذ قرار نزع السلاح سياديًّا، وهذا خيار صعب سياسيًّا في الداخل، لكنّه يحمي ما تبقّى من البلد. وإمّا ​خيار التردّد والاستسلام للحرب أي الدمار الشامل، وفيه ستتولّى إسرائيل تنفيذ المهمة بالنّار وبدعم أميركي مفتوح، وخلاله ستتوغّل إلى مسافات غير محدّدة في العمق اللبناني. وفي نهاية المطاف، سيُجبر لبنان على تنفيذ الشروط ذاتها ولكن فوق الأنقاض.

​لذلك، على الحكومة اللبنانية إدراك أنّ كلّ يوم من التأخير في حسم الموقف الرسمي يعني تفاقُم التعقيدات، وتوسّع الخط الأصفر في العمق اللبناني. وتحقيق نزع السلاح بقرار لبناني رسمي -على صعوبته- يبقى أسهل من الاستسلام للآلة العسكرية الإسرائيلية المدعومة أميركيًّا. وأمّا رهان لبنان على المزيد من المناورات، فلن يكون سوى “غباء استراتيجي” لا حدود للكوارث التي سيتسبّب بها.

تفكيك “الحزب”: بالنّار أو بالتفاوض؟

الكاتب: طوني عيسى | المصدر: هنا لبنان
14 أيار 2026

الحكومة اللبنانية أمام خيارَيْن يؤدّيان إلى النتيجة ذاتها، أي تفكيك “الحزب”، ولكن بفارقٍ شاسعٍ في الكلفة البشرية والكيانية: إمّا ​أن تتحمّل مسؤوليّتها التاريخية وتلتزم تنفيذ قرار نزع السلاح سياديًّا، وهذا خيار صعب سياسيًّا في الداخل، لكنّه يحمي ما تبقّى من البلد. وإمّا ​خيار التردّد والاستسلام للحرب أي الدّمار الشامل، وفيه ستتولّى إسرائيل تنفيذ المهمة بالنّار وبدعم أميركي مفتوح.

 

​بانطلاق الجولة الثالثة من المفاوضات، يدخل لبنان مرحلةً حرجةً جدًّا بين المسار الدبلوماسي الذي ينطلق خجولًا في واشنطن، والمسار الميداني العنيف الذي تندفع إليه إسرائيل بديناميّة وتوسُّع متسارع في السيطرة الجغرافية، بحيث تبدو الهدنة خارج بيروت مجرّد حبرٍ على ورق. ويواجه لبنان حقيقةً استراتيجيّةً لم يعد ممكنًا التهرّب منها، إذ لم يعد السؤال: “هل سيتمّ نزع سلاح حزب الله وتفكيك بنيته العسكرية؟”، بل “بأيّ كلفة سيتمّ ذلك؟”. فمن الواضح أن هذا التفكيك أصبح أمرًا لا فكاك منه، سواء عبر طاولة التفاوض بثمنٍ يُمكن ضبطه، أو عبر سياسة “الأرض المحروقة” وأكلافٍ لا تُعرف حدودها.

​في الأيام الأخيرة، انتقلت إسرائيل من مرحلة الاستنزاف التي رسمها حزب الله على القياس الإيراني، إلى مرحلة أكثر عمقًا من شأنها أن تُعيد رسم خرائط السيطرة والتوزّع الجغرافي والدّيموغرافي. ويتجلّى ذلك بالتمدّد السريع شمالًا، بحيث تمّ تجاوز خط الليطاني. ويمكن إحصاء أكثر من 80 قريةً شملتها أوامر الإخلاء حتّى اليوم، ما يعني إنشاء منطقةٍ حدوديةٍ واسعةٍ، تحمل مواصفات العزل فيزيائيًّا وبشريًّا.

وعلى الرغم من تواجد ثلاث فرق عسكرية تعمل حاليًّا في الدّاخل اللبناني، فإنّ الجيش الإسرائيلي أعلن صراحةً نيّته توسيع العمليات البرية، حالما يتلقّى الضوء الأخضر من المستوى السياسي. ولوحظ أنّ الضربات العنيفة خرجت في الأيام الأخيرة من بقعة جنوب الليطاني، وتوسّعت إلى شماله، بل إلى شمال الأوّلي، ساحلًا وجبلًا، كما البقاع الغربي، ما يخلق واقعًا ميدانيًّا جديدًا يسهل بلوغ النتائج السياسية التي يعمل لها الإسرائيليّون.

​والتحدّي الأبرز الذي يواجهه لبنان هو أنّ واشنطن تتشارك، بقوةٍ، مع إسرائيل هدف تفكيك “حزب الله”. وفيما الوسيط الأميركي هو الوحيد الذي يمكن أن يلجأ إليه لبنان للاحتماء، فإنّ هذا الوسيط نفسه هو الذي يُمارس الضغوط الهائلة على الحكومة اللبنانية لانتزاع قبولها المُسبق بالنّتائج المعروفة التي يُراد بلوغها في المفاوضات، وأبرزها نزع سلاح “حزب الله” وتفكيك بُنيته العسكرية والأمنية. وظهر ذلك ​جليًّا بالضغط الذي يمارسه السفير ميشال عيسى على أركان الحكم، للاستجابة للطرح الأميركي، وللموافقة على لقاء عون – نتنياهو، مؤكّدًا أنّ “زمن التردّد” قد انتهى.

تطلب واشنطن من لبنان التزامًا صريحًا بجدول أعمال يلحظ أن تتحمّل الحكومة مسؤوليّاتها كاملة في ما يتعلّق بتفكيك بنية “الحزب”. وفشل هذه الحكومة في فرض وقفٍ للنّار قبل انطلاق المفاوضات -كما كانت تُطالب- يضع لبنان في موضع التفاوض تحت النّار، بحيث تكون الضربات الإسرائيلية أداة ضغطٍ مباشرةٍ لدفعه إلى القبول بالنتائج السياسية المطلوبة.

منطقيًّا، هذا يعني أنّ الحكومة اللبنانية موضوعة أمام خيارَيْن يؤديان إلى النتيجة ذاتها، أي تفكيك “حزب الله”، ولكن بفارقٍ شاسعٍ في الكلفة البشرية والكيانية: إمّا ​أن تتحمّل مسؤوليّتها التاريخية وتلتزم تنفيذ قرار نزع السلاح سياديًّا، وهذا خيار صعب سياسيًّا في الداخل، لكنّه يحمي ما تبقّى من البلد. وإمّا ​خيار التردّد والاستسلام للحرب أي الدمار الشامل، وفيه ستتولّى إسرائيل تنفيذ المهمة بالنّار وبدعم أميركي مفتوح، وخلاله ستتوغّل إلى مسافات غير محدّدة في العمق اللبناني. وفي نهاية المطاف، سيُجبر لبنان على تنفيذ الشروط ذاتها ولكن فوق الأنقاض.

​لذلك، على الحكومة اللبنانية إدراك أنّ كلّ يوم من التأخير في حسم الموقف الرسمي يعني تفاقُم التعقيدات، وتوسّع الخط الأصفر في العمق اللبناني. وتحقيق نزع السلاح بقرار لبناني رسمي -على صعوبته- يبقى أسهل من الاستسلام للآلة العسكرية الإسرائيلية المدعومة أميركيًّا. وأمّا رهان لبنان على المزيد من المناورات، فلن يكون سوى “غباء استراتيجي” لا حدود للكوارث التي سيتسبّب بها.

مزيد من الأخبار