المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل… لا بديل منها سوى الحرب

الكاتب: جان الفغالي | المصدر: هنا لبنان
16 أيار 2026

الحقيقة القاسية تبدو واضحةً أكثر من أي وقتٍ مضى: البديل عن التفاوض ليس “اللّاشيء”، بل احتمال حرب مدمّرة قد تكون الأخطر في تاريخ لبنان الحديث. حربٌ قد تدمّر ما تبقّى من الاقتصاد والبنية التحتيّة، وتدفع مئات الآلاف إلى النّزوح، وتفتح الباب أمام فوضى أمنية واجتماعية لا يمكن السيطرة عليها.

 

يدخل لبنان اليوم واحدةً من أكثر المراحل خطورةً منذ نهاية الحرب. فبعد سنواتٍ طويلةٍ من إدارة الصراع مع إسرائيل عبر الوسطاء، والاعتماد على قواعد اشتباك غير مكتوبة، والانخراط في حروبٍ محدودةٍ أو مواجهات محسوبة، يبدو أنّ المنطقة وصلت إلى نقطةٍ لم يعد فيها ممكنًا استمرار الوضع السابق. ومع تصاعد التوتّرات العسكرية، واتساع حجم الدمار في الجنوب، والانهيار الاقتصادي اللبناني غير المسبوق، باتت المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل تتحوّل تدريجيًّا من فكرةٍ مرفوضةٍ سياسيًّا إلى واقعٍ يفرض نفسه بوصفه البديل الوحيد عن حربٍ متواصلةٍ لا يملك لبنان القدرة على تحمّل نتائجها.

لطالما ارتبطت فكرة التفاوض المباشر مع إسرائيل في الوعي السياسي اللبناني بحساسيّات داخلية عميقة. فلبنان، منذ اتفاقية الهدنة عام 1949، حافظ رسميًّا على حالة عداء مع إسرائيل، فيما اعتُبرت أيّ محاولة للتفاوض السياسي المباشر نوعًا من “التطبيع” المرفوض لدى قوى واسعة، خصوصًا بعد الاجتياحات الإسرائيلية المتكرّرة للبنان، من عملية الليطاني عام 1978 وصولًا إلى اجتياح 1982 وحرب تموز 2006، ثم المواجهات الكبرى التي شهدها الجنوب خلال السنوات الأخيرة.

لكنّ السياسة لا تُبنى فقط على الشعارات، بل على موازين القوى والوقائع. واليوم تبدو الوقائع أكثر قسوةً من أي وقتٍ مضى بالنسبة إلى لبنان. فالدولة اللبنانية تعيش انهيارًا اقتصاديًّا وماليًّا غير مسبوق، ومؤسّساتها شبه مشلولة، والبيئة الاجتماعية في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية تعيش تحت ضغط اقتصادي ومعيشي هائل. وفي المقابل، تبدو إسرائيل مستعدةً للذهاب بعيدًا في أي مواجهة جديدة تحت عنوان إعادة الأمن إلى حدودها الشمالية ومنع أي تهديد مستقبلي.

خلال العقود الماضية، كان لبنان يعتمد على معادلة الرّدع التي فرضها حزب الله بعد الانسحاب الإسرائيلي عام 2000 ثم بعد حرب 2006. هذه المعادلة قامت على فكرة أنّ أي حرب شاملة ستكون مُكلفةً للطرفين، وبالتالي فإنّ الردع المتبادل سيمنع الانفجار الكبير. لكنّ التطوّرات العسكرية الأخيرة أظهرت أنّ هذه المُعادلة لم تعد مستقرّةً كما كانت. فإسرائيل باتت أكثر استعدادًا لتحمّل حرب واسعة إذا رأت أنّ أمنها الاستراتيجي مهدّد، بينما أصبح لبنان أضعف بكثير اقتصاديًّا وسياسيًّا واجتماعيًّا مقارنةً بأي مرحلة سابقة.

وهنا تبرز المشكلة الأساسية: لبنان لم يعد يمتلك ترف الحرب المفتوحة. ففي عام 2006، وعلى الرغم من حجم الدمار الكبير، كانت الدولة لا تزال تملك حدًّا أدنى من القدرة على الصمود، وكان النظام المصرفي قائمًا، والقطاع الخاص يعمل، والتحويلات المالية تتدفّق، والدعم العربي والدولي مُتاحًا لإعادة الإعمار. أمّا اليوم، فإنّ أي حرب جديدة قد تدفع لبنان إلى انهيار شامل لا يمكن احتواؤه. فالمرافئ والمطار والبُنى التحتيّة وشبكات الكهرباء والاتصالات تعاني أصْلًا وضعًا هشًّا، وأي استهداف واسع لها قد يعزل البلاد بالكامل ويشلّ الاقتصاد بصورة نهائية.

إضافةً إلى ذلك، فإنّ المجتمع اللبناني نفسه تغيّر. فبعد سنواتٍ من الانهيار المالي والهجرة الجماعيّة وارتفاع معدّلات الفقر، لم يعدْ جزء كبير من اللبنانيين يرى في الحرب خيارًا قابلًا للتحمّل. حتّى داخل البيئات الحاضنة لحزب الله، هناك قلق مُتزايد من كلفة أي مواجهة شاملة، ليس فقط بشريًّا بل معيشيًّا واجتماعيًّا. فالنّاس الذين فقدوا مدّخراتهم ووظائفهم ومنازلهم خلال الأزمة الاقتصادية لا يملكون القدرة على تحمّل دورة جديدة من الدمار والنزوح.

في المقابل، تُدرك الولايات المتحدة والقوى الغربية والإقليمية أنّ استمرار الوضع الحالي يحمل خطر الانفجار في أي لحظة. ولذلك، يزداد الضّغط باتجاه مواصلة فتح قنوات تفاوض مباشرة أو غير مباشرة بين لبنان وإسرائيل، ليس بهدف الوصول السريع إلى سلام شامل بالضرورة، بلّ على الأقل لتثبيت اتفاق في المرحلة الأولى لمنع الحرب.

وقد ظهر هذا المسار بوضوح في اتفاق ترسيم الحدود البحريّة عام 2022، الذي أثبت أنّ التفاوض المباشر أو شبه المباشر ممكن عندما تصبح المصالح الحيويّة مهدّدة. فعلى الرّغم من الخطابات التصعيدية، نجح لبنان وإسرائيل عبر الوساطة الأميركية في التوصّل إلى اتفاقٍ أنهى نزاعًا بحريًّا استمر سنوات. هذا الاتفاق شكّل سابقةً مهمةً، لأنّه أظهر أنّ الطرفَيْن يستطيعان التفاوض عندما يُصبح البديل مُكلفًا جدًّا.

اليوم يتكرّر المشهد ولكن بصورةٍ أخطر بكثير. فالموضوع لم يعد يتعلّق فقط بالغاز أو الحدود البحرية، بل بمستقبل الجنوب اللبناني كله، وبقواعد الاشتباك العسكرية، وبموقع حزب الله، وبالأمن الإسرائيلي، وباستقرار لبنان الداخلي. ولذلك فإنّ أي مفاوضات مُقبلة ستكون أكثر تعقيدًا وحساسيّةً من اتفاق الترسيم البحري.

ومع ذلك، فإنّ رفض التفاوض لا يُلغي الحاجة إليه. فالجغرافيا لا تتغيّر، وإسرائيل ستبقى على حدود لبنان، وأي فراغ سياسي أو أمني على الحدود سيقود عاجلًا أم آجلًا إلى مواجهةٍ جديدةٍ. كما أنّ المجتمع الدولي لن يكون مستعدًّا هذه المرّة لتمويل إعادة إعمار مفتوحة بعد كل حرب، خصوصًا في ظلّ التحوّلات الاقتصادية العالميّة وتراجع الاهتمام الدولي بلبنان.

هناك أيضًا عامل إقليمي أساسي لا يمكن تجاهله. فالمنطقة كلها تشهد تحولات كبرى: دول عربية عديدة دخلت في مسارات تطبيع مع إسرائيل، وإيران تواجه ضغوطًا اقتصاديةً وأمنيةً متزايدةً، والولايات المتحدة تسعى إلى منع أي حرب إقليمية واسعة. وفي هذا السياق، يُصبح لبنان الحلقة الأضعف والأكثر عرضةً للخسارة إذا بقي خارج أي تسوية أو تفاهمات إقليمية.

التفاوض في العلاقات الدولية هو أداة لحماية المصالح الوطنية عندما تصبح الحرب أكثر خطرًا من التسوية. حتّى الدول التي خاضت حروبًا طويلةً وداميةً انتهت في النهاية إلى طاولات التفاوض، لأنّ استمرار النّزيف يُصبح عبئًا يفوق قدرة الجميع على الاحتمال.

التحدّي الحقيقي أمام لبنان ليس فقط في قرار التفاوض، بل في قدرته على الدخول إلى أيّ مفاوضات بموقف وطني موحد. فلبنان يعاني منذ سنواتٍ انقسامًا داخليًّا حادًّا حول مفهوم الدولة والسلاح والسيادة والعلاقة مع إسرائيل. وأيّ مفاوضات في ظل هذا الانقسام قد تتحوّل إلى مصدر تفجير داخلي إضافي إذا لم تُدَرْ بحذرٍ شديدٍ وتوافق سياسي واسع.

وعلى الرغم من كل الحساسيّات، تبدو الحقيقة القاسية واضحةً أكثر من أي وقتٍ مضى: البديل عن التفاوض ليس “اللّاشيء”، بل احتمال حرب مدمّرة قد تكون الأخطر في تاريخ لبنان الحديث. حرب قد تدمّر ما تبقّى من الاقتصاد والبنية التحتيّة، وتدفع مئات الآلاف إلى النّزوح، وتفتح الباب أمام فوضى أمنية واجتماعية لا يمكن السيطرة عليها.

لهذا السبب، تتحوّل المفاوضات المباشرة تدريجيًّا من خيار سياسي مُثير للجدل إلى ضرورة يفرضها ميزان القوى والواقع الاقتصادي والإنساني. فالدول لا تختار دائمًا بين ما تريد وما لا تريد، وبالنّسبة للبنان اليوم، يبدو أنّ خيار التفاوض، مهما كان صعبًا ومثيرًا للانقسام، أقلّ كلفةً بكثير من حرب جديدة قد لا يبقى بعدها شيء يمكن إنقاذه.

المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل… لا بديل منها سوى الحرب

الكاتب: جان الفغالي | المصدر: هنا لبنان
16 أيار 2026

الحقيقة القاسية تبدو واضحةً أكثر من أي وقتٍ مضى: البديل عن التفاوض ليس “اللّاشيء”، بل احتمال حرب مدمّرة قد تكون الأخطر في تاريخ لبنان الحديث. حربٌ قد تدمّر ما تبقّى من الاقتصاد والبنية التحتيّة، وتدفع مئات الآلاف إلى النّزوح، وتفتح الباب أمام فوضى أمنية واجتماعية لا يمكن السيطرة عليها.

 

يدخل لبنان اليوم واحدةً من أكثر المراحل خطورةً منذ نهاية الحرب. فبعد سنواتٍ طويلةٍ من إدارة الصراع مع إسرائيل عبر الوسطاء، والاعتماد على قواعد اشتباك غير مكتوبة، والانخراط في حروبٍ محدودةٍ أو مواجهات محسوبة، يبدو أنّ المنطقة وصلت إلى نقطةٍ لم يعد فيها ممكنًا استمرار الوضع السابق. ومع تصاعد التوتّرات العسكرية، واتساع حجم الدمار في الجنوب، والانهيار الاقتصادي اللبناني غير المسبوق، باتت المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل تتحوّل تدريجيًّا من فكرةٍ مرفوضةٍ سياسيًّا إلى واقعٍ يفرض نفسه بوصفه البديل الوحيد عن حربٍ متواصلةٍ لا يملك لبنان القدرة على تحمّل نتائجها.

لطالما ارتبطت فكرة التفاوض المباشر مع إسرائيل في الوعي السياسي اللبناني بحساسيّات داخلية عميقة. فلبنان، منذ اتفاقية الهدنة عام 1949، حافظ رسميًّا على حالة عداء مع إسرائيل، فيما اعتُبرت أيّ محاولة للتفاوض السياسي المباشر نوعًا من “التطبيع” المرفوض لدى قوى واسعة، خصوصًا بعد الاجتياحات الإسرائيلية المتكرّرة للبنان، من عملية الليطاني عام 1978 وصولًا إلى اجتياح 1982 وحرب تموز 2006، ثم المواجهات الكبرى التي شهدها الجنوب خلال السنوات الأخيرة.

لكنّ السياسة لا تُبنى فقط على الشعارات، بل على موازين القوى والوقائع. واليوم تبدو الوقائع أكثر قسوةً من أي وقتٍ مضى بالنسبة إلى لبنان. فالدولة اللبنانية تعيش انهيارًا اقتصاديًّا وماليًّا غير مسبوق، ومؤسّساتها شبه مشلولة، والبيئة الاجتماعية في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية تعيش تحت ضغط اقتصادي ومعيشي هائل. وفي المقابل، تبدو إسرائيل مستعدةً للذهاب بعيدًا في أي مواجهة جديدة تحت عنوان إعادة الأمن إلى حدودها الشمالية ومنع أي تهديد مستقبلي.

خلال العقود الماضية، كان لبنان يعتمد على معادلة الرّدع التي فرضها حزب الله بعد الانسحاب الإسرائيلي عام 2000 ثم بعد حرب 2006. هذه المعادلة قامت على فكرة أنّ أي حرب شاملة ستكون مُكلفةً للطرفين، وبالتالي فإنّ الردع المتبادل سيمنع الانفجار الكبير. لكنّ التطوّرات العسكرية الأخيرة أظهرت أنّ هذه المُعادلة لم تعد مستقرّةً كما كانت. فإسرائيل باتت أكثر استعدادًا لتحمّل حرب واسعة إذا رأت أنّ أمنها الاستراتيجي مهدّد، بينما أصبح لبنان أضعف بكثير اقتصاديًّا وسياسيًّا واجتماعيًّا مقارنةً بأي مرحلة سابقة.

وهنا تبرز المشكلة الأساسية: لبنان لم يعد يمتلك ترف الحرب المفتوحة. ففي عام 2006، وعلى الرغم من حجم الدمار الكبير، كانت الدولة لا تزال تملك حدًّا أدنى من القدرة على الصمود، وكان النظام المصرفي قائمًا، والقطاع الخاص يعمل، والتحويلات المالية تتدفّق، والدعم العربي والدولي مُتاحًا لإعادة الإعمار. أمّا اليوم، فإنّ أي حرب جديدة قد تدفع لبنان إلى انهيار شامل لا يمكن احتواؤه. فالمرافئ والمطار والبُنى التحتيّة وشبكات الكهرباء والاتصالات تعاني أصْلًا وضعًا هشًّا، وأي استهداف واسع لها قد يعزل البلاد بالكامل ويشلّ الاقتصاد بصورة نهائية.

إضافةً إلى ذلك، فإنّ المجتمع اللبناني نفسه تغيّر. فبعد سنواتٍ من الانهيار المالي والهجرة الجماعيّة وارتفاع معدّلات الفقر، لم يعدْ جزء كبير من اللبنانيين يرى في الحرب خيارًا قابلًا للتحمّل. حتّى داخل البيئات الحاضنة لحزب الله، هناك قلق مُتزايد من كلفة أي مواجهة شاملة، ليس فقط بشريًّا بل معيشيًّا واجتماعيًّا. فالنّاس الذين فقدوا مدّخراتهم ووظائفهم ومنازلهم خلال الأزمة الاقتصادية لا يملكون القدرة على تحمّل دورة جديدة من الدمار والنزوح.

في المقابل، تُدرك الولايات المتحدة والقوى الغربية والإقليمية أنّ استمرار الوضع الحالي يحمل خطر الانفجار في أي لحظة. ولذلك، يزداد الضّغط باتجاه مواصلة فتح قنوات تفاوض مباشرة أو غير مباشرة بين لبنان وإسرائيل، ليس بهدف الوصول السريع إلى سلام شامل بالضرورة، بلّ على الأقل لتثبيت اتفاق في المرحلة الأولى لمنع الحرب.

وقد ظهر هذا المسار بوضوح في اتفاق ترسيم الحدود البحريّة عام 2022، الذي أثبت أنّ التفاوض المباشر أو شبه المباشر ممكن عندما تصبح المصالح الحيويّة مهدّدة. فعلى الرّغم من الخطابات التصعيدية، نجح لبنان وإسرائيل عبر الوساطة الأميركية في التوصّل إلى اتفاقٍ أنهى نزاعًا بحريًّا استمر سنوات. هذا الاتفاق شكّل سابقةً مهمةً، لأنّه أظهر أنّ الطرفَيْن يستطيعان التفاوض عندما يُصبح البديل مُكلفًا جدًّا.

اليوم يتكرّر المشهد ولكن بصورةٍ أخطر بكثير. فالموضوع لم يعد يتعلّق فقط بالغاز أو الحدود البحرية، بل بمستقبل الجنوب اللبناني كله، وبقواعد الاشتباك العسكرية، وبموقع حزب الله، وبالأمن الإسرائيلي، وباستقرار لبنان الداخلي. ولذلك فإنّ أي مفاوضات مُقبلة ستكون أكثر تعقيدًا وحساسيّةً من اتفاق الترسيم البحري.

ومع ذلك، فإنّ رفض التفاوض لا يُلغي الحاجة إليه. فالجغرافيا لا تتغيّر، وإسرائيل ستبقى على حدود لبنان، وأي فراغ سياسي أو أمني على الحدود سيقود عاجلًا أم آجلًا إلى مواجهةٍ جديدةٍ. كما أنّ المجتمع الدولي لن يكون مستعدًّا هذه المرّة لتمويل إعادة إعمار مفتوحة بعد كل حرب، خصوصًا في ظلّ التحوّلات الاقتصادية العالميّة وتراجع الاهتمام الدولي بلبنان.

هناك أيضًا عامل إقليمي أساسي لا يمكن تجاهله. فالمنطقة كلها تشهد تحولات كبرى: دول عربية عديدة دخلت في مسارات تطبيع مع إسرائيل، وإيران تواجه ضغوطًا اقتصاديةً وأمنيةً متزايدةً، والولايات المتحدة تسعى إلى منع أي حرب إقليمية واسعة. وفي هذا السياق، يُصبح لبنان الحلقة الأضعف والأكثر عرضةً للخسارة إذا بقي خارج أي تسوية أو تفاهمات إقليمية.

التفاوض في العلاقات الدولية هو أداة لحماية المصالح الوطنية عندما تصبح الحرب أكثر خطرًا من التسوية. حتّى الدول التي خاضت حروبًا طويلةً وداميةً انتهت في النهاية إلى طاولات التفاوض، لأنّ استمرار النّزيف يُصبح عبئًا يفوق قدرة الجميع على الاحتمال.

التحدّي الحقيقي أمام لبنان ليس فقط في قرار التفاوض، بل في قدرته على الدخول إلى أيّ مفاوضات بموقف وطني موحد. فلبنان يعاني منذ سنواتٍ انقسامًا داخليًّا حادًّا حول مفهوم الدولة والسلاح والسيادة والعلاقة مع إسرائيل. وأيّ مفاوضات في ظل هذا الانقسام قد تتحوّل إلى مصدر تفجير داخلي إضافي إذا لم تُدَرْ بحذرٍ شديدٍ وتوافق سياسي واسع.

وعلى الرغم من كل الحساسيّات، تبدو الحقيقة القاسية واضحةً أكثر من أي وقتٍ مضى: البديل عن التفاوض ليس “اللّاشيء”، بل احتمال حرب مدمّرة قد تكون الأخطر في تاريخ لبنان الحديث. حرب قد تدمّر ما تبقّى من الاقتصاد والبنية التحتيّة، وتدفع مئات الآلاف إلى النّزوح، وتفتح الباب أمام فوضى أمنية واجتماعية لا يمكن السيطرة عليها.

لهذا السبب، تتحوّل المفاوضات المباشرة تدريجيًّا من خيار سياسي مُثير للجدل إلى ضرورة يفرضها ميزان القوى والواقع الاقتصادي والإنساني. فالدول لا تختار دائمًا بين ما تريد وما لا تريد، وبالنّسبة للبنان اليوم، يبدو أنّ خيار التفاوض، مهما كان صعبًا ومثيرًا للانقسام، أقلّ كلفةً بكثير من حرب جديدة قد لا يبقى بعدها شيء يمكن إنقاذه.

مزيد من الأخبار