معدّلات الولادة تنهار في كلّ الدول

في تحوّل ديموغرافي غير مسبوق يطال معظم دول العالم دفعة واحدة، كشفت صحيفة “فايننشال تايمز” البريطانية في تقرير موسّع للكاتب جون بورن-موردوك أن معدلات الولادة تنهار بوتيرة أسرع من كل التوقعات، حتى في دول كانت تُعرف تاريخياً بارتفاع الخصوبة، وسط اتهامات متزايدة للهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي بأنها أصبحت أحد أبرز الأسباب الخفية وراء هذا التحول العالمي.
وبحسب التقرير، فإن أكثر من ثلثي دول العالم، أي ما يفوق 130 دولة من أصل 195، بات معدل الولادات فيها أقل من “معدل الاستبدال السكاني” البالغ 2.1 طفل لكل امرأة، وهو الحد الأدنى اللازم للحفاظ على استقرار عدد السكان من دون الحاجة إلى الهجرة.
وأشار التقرير إلى أن 66 دولة بات معدل الولادات فيها أقرب إلى طفل واحد لكل امرأة بدلاً من طفلين، فيما أصبحت الولادات في بعض الدول منخفضة إلى حد أن العدد الأكثر شيوعاً للأطفال لدى النساء بات “صفراً”.
ورأت الصحيفة أن سرعة الانهيار واتساعه الجغرافي فاجآ حتى المؤسسات الدولية. ففي كوريا الجنوبية مثلاً، توقعت الأمم المتحدة قبل 5 سنوات تسجيل 350 ألف ولادة عام 2023، لكن الرقم الفعلي لم يتجاوز 230 ألفاً، أي بفارق بلغ نحو 50%.
وبحسب التقرير، فإن الأزمة لم تعد محصورة بالدول الغنية، بل امتدت إلى دول نامية باتت تسجل معدلات خصوبة أدنى من دول أكثر ثراءً منها. ففي عام 2023، انخفض معدل الولادات في المكسيك إلى ما دون الولايات المتحدة للمرة الأولى، كما حدث لاحقاً في البرازيل وتونس وإيران وسريلانكا.
واعتبر التقرير أن العالم يواجه اليوم ما وصفه بـ”المشكلة الكبرى لعصرنا”، لأن الشيخوخة السكانية تقلّص حجم القوى العاملة وتضغط على النمو الاقتصادي ومستويات المعيشة، مشيراً إلى أن ركود اليابان منذ تسعينيات القرن الماضي يرتبط بشكل مباشر بانخفاض الولادات وتراجع عدد السكان في سن العمل.
كما حذر من أن تضخم الإنفاق على التقاعد والرعاية الصحية يستهلك الموارد العامة ويؤدي إلى تراجع الاستثمار في البنى التحتية، ما يغذي الشعور بالتراجع والانكماش داخل المجتمعات ويدفع نحو صعود الحركات السياسية الاحتجاجية والمعادية للمؤسسات التقليدية.
ونقل التقرير عن أستاذ الاقتصاد في جامعة بنسلفانيا خيسوس فرنانديز-فيللافيردي قوله إن “انخفاض الخصوبة هو السؤال الأكبر في عصرنا”، مضيفاً أن “كل الأزمات الأخرى تقريباً تنبع من انهيار معدلات الولادة”.
ورغم الاعتقاد الشائع بأن انخفاض الإنجاب ناتج عن تغيّر رغبات الأفراد، أوضح التقرير أن معظم الشباب حول العالم لا يزالون يرغبون بإنجاب طفلين تقريباً، حتى في كوريا الجنوبية حيث أصبحت غالبية النساء تنجب صفراً من الأطفال.
لكن المشكلة، وفق التقرير، تكمن في “الفجوة بين الرغبة والواقع”، نتيجة ضغوط الحياة الحديثة، وخصوصاً أزمة السكن والتغيرات الاجتماعية والتأثير المتزايد للتكنولوجيا.
وأشار التقرير إلى أن السبب الرئيسي لانخفاض الولادات لم يعد أن الأزواج ينجبون أطفالاً أقل، بل أن عدد الأزواج أنفسهم تراجع بشكل كبير.
وفي الولايات المتحدة مثلاً، أظهرت الدراسات أن معدلات الولادة كانت ستبقى أعلى مما كانت عليه قبل 10 سنوات لو بقيت معدلات الزواج والمساكنة مستقرة.
كما بيّنت الأبحاث أن عدد الأطفال لدى الأمهات اللواتي أنجبن بالفعل بقي مستقراً أو ارتفع أحياناً، لكن عدد النساء اللواتي لا ينجبن إطلاقاً ارتفع بشكل حاد خلال آخر 15 عاماً.
ولفت التقرير إلى أن الظاهرة أكثر انتشاراً بين الفئات الأقل تعليماً والأضعف اقتصادياً، فيما بقيت معدلات الزواج والإنجاب أكثر استقراراً بين خريجي الجامعات.
أما أزمة السكن، فاعتبرتها الصحيفة أحد العوامل الأساسية، خصوصاً في الولايات المتحدة وبريطانيا، حيث تسببت صعوبة امتلاك منزل وارتفاع عدد الشباب الذين يعيشون مع أهاليهم في تأخير تكوين العائلات.
لكن التقرير شدد على أن العوامل الاقتصادية وحدها لا تفسر الانهيار السريع الأخير، خصوصاً أن معدلات الولادة تراجعت أيضاً في دول مستقرة اقتصادياً وفي مناطق مختلفة جداً من العالم.
وهنا، بدأ الباحثون، بحسب “فايننشال تايمز”، بتوجيه أصابع الاتهام نحو الهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي.
وأشار التقرير إلى دراسة حديثة أجراها الباحثان ناثان هدسون وهرنان موسكوسو-بويدو في جامعة سينسيناتي، خلصت إلى أن المناطق التي دخلتها شبكات الجيل الرابع والهواتف الذكية أولاً شهدت الانخفاض الأسرع في معدلات الولادة في الولايات المتحدة وبريطانيا.
وربط الباحثان ذلك بتغيّر أنماط الحياة الاجتماعية، حيث قلّ التواصل المباشر بين الشباب بشكل حاد، ما أدى إلى تراجع العلاقات العاطفية وبالتالي انخفاض الإنجاب.
كما أظهرت بيانات الصحيفة أن معدلات الولادة بدأت بالهبوط الحاد في دول مختلفة فور الانتشار الواسع للهواتف الذكية، بدءاً من الولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا بعد عام 2007، ثم فرنسا وبولندا عام 2009، ولاحقاً المكسيك والمغرب وإندونيسيا، وصولاً إلى غانا ونيجيريا والسنغال بين 2013 و2015.
ونقل التقرير عن الباحث لايمان ستون قوله إن “العثور على شريك حياة يتطلب الاختلاط بعدد كبير من الناس، وإذا أصبح الناس يختلطون أقل، فإن إيجاد شريك يصبح أصعب بكثير”.
وأضاف: “عندما يقضي الناس وقتهم على إنستغرام، تصبح معاييرهم للعلاقات مستندة إلى صورة غير واقعية للحياة”.
كما أشارت الباحثة الفنلندية آنا روتكيرش إلى أن الاستخدام المكثف لوسائل التواصل الاجتماعي ارتبط بارتفاع مشاكل العلاقات والضعف الجنسي بين الشباب، إضافة إلى صعوبة بناء علاقات مستقرة طويلة الأمد.
ورأت الباحثة أليس إيفانز من جامعة ستانفورد أن التأثير كان أكبر في المجتمعات التقليدية، خصوصاً في الشرق الأوسط وأميركا اللاتينية، حيث ساهمت وسائل التواصل في رفع توقعات النساء تجاه العلاقات بشكل أسرع من قدرة الرجال على مواكبتها.
وفي خلاصة التقرير، اعتبرت “فايننشال تايمز” أن العالم يواجه اليوم أزمة تتجاوز مجرد انخفاض عدد الأطفال، لتطال تفكك العلاقات الاجتماعية والشعور المتزايد بالعزلة والوحدة بين الأجيال الجديدة.
وخلصت الصحيفة إلى أن معالجة الأزمة لن تكون عبر “اختراع حلول سحرية”، بل من خلال إعادة التفكير بأنماط الحياة الرقمية، وتأمين الاستقرار السكني والاجتماعي للشباب، لأن المشكلة لم تعد فقط في قلة الأطفال، بل في تراجع قدرة الناس على بناء العلاقات من الأساس.
معدّلات الولادة تنهار في كلّ الدول

في تحوّل ديموغرافي غير مسبوق يطال معظم دول العالم دفعة واحدة، كشفت صحيفة “فايننشال تايمز” البريطانية في تقرير موسّع للكاتب جون بورن-موردوك أن معدلات الولادة تنهار بوتيرة أسرع من كل التوقعات، حتى في دول كانت تُعرف تاريخياً بارتفاع الخصوبة، وسط اتهامات متزايدة للهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي بأنها أصبحت أحد أبرز الأسباب الخفية وراء هذا التحول العالمي.
وبحسب التقرير، فإن أكثر من ثلثي دول العالم، أي ما يفوق 130 دولة من أصل 195، بات معدل الولادات فيها أقل من “معدل الاستبدال السكاني” البالغ 2.1 طفل لكل امرأة، وهو الحد الأدنى اللازم للحفاظ على استقرار عدد السكان من دون الحاجة إلى الهجرة.
وأشار التقرير إلى أن 66 دولة بات معدل الولادات فيها أقرب إلى طفل واحد لكل امرأة بدلاً من طفلين، فيما أصبحت الولادات في بعض الدول منخفضة إلى حد أن العدد الأكثر شيوعاً للأطفال لدى النساء بات “صفراً”.
ورأت الصحيفة أن سرعة الانهيار واتساعه الجغرافي فاجآ حتى المؤسسات الدولية. ففي كوريا الجنوبية مثلاً، توقعت الأمم المتحدة قبل 5 سنوات تسجيل 350 ألف ولادة عام 2023، لكن الرقم الفعلي لم يتجاوز 230 ألفاً، أي بفارق بلغ نحو 50%.
وبحسب التقرير، فإن الأزمة لم تعد محصورة بالدول الغنية، بل امتدت إلى دول نامية باتت تسجل معدلات خصوبة أدنى من دول أكثر ثراءً منها. ففي عام 2023، انخفض معدل الولادات في المكسيك إلى ما دون الولايات المتحدة للمرة الأولى، كما حدث لاحقاً في البرازيل وتونس وإيران وسريلانكا.
واعتبر التقرير أن العالم يواجه اليوم ما وصفه بـ”المشكلة الكبرى لعصرنا”، لأن الشيخوخة السكانية تقلّص حجم القوى العاملة وتضغط على النمو الاقتصادي ومستويات المعيشة، مشيراً إلى أن ركود اليابان منذ تسعينيات القرن الماضي يرتبط بشكل مباشر بانخفاض الولادات وتراجع عدد السكان في سن العمل.
كما حذر من أن تضخم الإنفاق على التقاعد والرعاية الصحية يستهلك الموارد العامة ويؤدي إلى تراجع الاستثمار في البنى التحتية، ما يغذي الشعور بالتراجع والانكماش داخل المجتمعات ويدفع نحو صعود الحركات السياسية الاحتجاجية والمعادية للمؤسسات التقليدية.
ونقل التقرير عن أستاذ الاقتصاد في جامعة بنسلفانيا خيسوس فرنانديز-فيللافيردي قوله إن “انخفاض الخصوبة هو السؤال الأكبر في عصرنا”، مضيفاً أن “كل الأزمات الأخرى تقريباً تنبع من انهيار معدلات الولادة”.
ورغم الاعتقاد الشائع بأن انخفاض الإنجاب ناتج عن تغيّر رغبات الأفراد، أوضح التقرير أن معظم الشباب حول العالم لا يزالون يرغبون بإنجاب طفلين تقريباً، حتى في كوريا الجنوبية حيث أصبحت غالبية النساء تنجب صفراً من الأطفال.
لكن المشكلة، وفق التقرير، تكمن في “الفجوة بين الرغبة والواقع”، نتيجة ضغوط الحياة الحديثة، وخصوصاً أزمة السكن والتغيرات الاجتماعية والتأثير المتزايد للتكنولوجيا.
وأشار التقرير إلى أن السبب الرئيسي لانخفاض الولادات لم يعد أن الأزواج ينجبون أطفالاً أقل، بل أن عدد الأزواج أنفسهم تراجع بشكل كبير.
وفي الولايات المتحدة مثلاً، أظهرت الدراسات أن معدلات الولادة كانت ستبقى أعلى مما كانت عليه قبل 10 سنوات لو بقيت معدلات الزواج والمساكنة مستقرة.
كما بيّنت الأبحاث أن عدد الأطفال لدى الأمهات اللواتي أنجبن بالفعل بقي مستقراً أو ارتفع أحياناً، لكن عدد النساء اللواتي لا ينجبن إطلاقاً ارتفع بشكل حاد خلال آخر 15 عاماً.
ولفت التقرير إلى أن الظاهرة أكثر انتشاراً بين الفئات الأقل تعليماً والأضعف اقتصادياً، فيما بقيت معدلات الزواج والإنجاب أكثر استقراراً بين خريجي الجامعات.
أما أزمة السكن، فاعتبرتها الصحيفة أحد العوامل الأساسية، خصوصاً في الولايات المتحدة وبريطانيا، حيث تسببت صعوبة امتلاك منزل وارتفاع عدد الشباب الذين يعيشون مع أهاليهم في تأخير تكوين العائلات.
لكن التقرير شدد على أن العوامل الاقتصادية وحدها لا تفسر الانهيار السريع الأخير، خصوصاً أن معدلات الولادة تراجعت أيضاً في دول مستقرة اقتصادياً وفي مناطق مختلفة جداً من العالم.
وهنا، بدأ الباحثون، بحسب “فايننشال تايمز”، بتوجيه أصابع الاتهام نحو الهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي.
وأشار التقرير إلى دراسة حديثة أجراها الباحثان ناثان هدسون وهرنان موسكوسو-بويدو في جامعة سينسيناتي، خلصت إلى أن المناطق التي دخلتها شبكات الجيل الرابع والهواتف الذكية أولاً شهدت الانخفاض الأسرع في معدلات الولادة في الولايات المتحدة وبريطانيا.
وربط الباحثان ذلك بتغيّر أنماط الحياة الاجتماعية، حيث قلّ التواصل المباشر بين الشباب بشكل حاد، ما أدى إلى تراجع العلاقات العاطفية وبالتالي انخفاض الإنجاب.
كما أظهرت بيانات الصحيفة أن معدلات الولادة بدأت بالهبوط الحاد في دول مختلفة فور الانتشار الواسع للهواتف الذكية، بدءاً من الولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا بعد عام 2007، ثم فرنسا وبولندا عام 2009، ولاحقاً المكسيك والمغرب وإندونيسيا، وصولاً إلى غانا ونيجيريا والسنغال بين 2013 و2015.
ونقل التقرير عن الباحث لايمان ستون قوله إن “العثور على شريك حياة يتطلب الاختلاط بعدد كبير من الناس، وإذا أصبح الناس يختلطون أقل، فإن إيجاد شريك يصبح أصعب بكثير”.
وأضاف: “عندما يقضي الناس وقتهم على إنستغرام، تصبح معاييرهم للعلاقات مستندة إلى صورة غير واقعية للحياة”.
كما أشارت الباحثة الفنلندية آنا روتكيرش إلى أن الاستخدام المكثف لوسائل التواصل الاجتماعي ارتبط بارتفاع مشاكل العلاقات والضعف الجنسي بين الشباب، إضافة إلى صعوبة بناء علاقات مستقرة طويلة الأمد.
ورأت الباحثة أليس إيفانز من جامعة ستانفورد أن التأثير كان أكبر في المجتمعات التقليدية، خصوصاً في الشرق الأوسط وأميركا اللاتينية، حيث ساهمت وسائل التواصل في رفع توقعات النساء تجاه العلاقات بشكل أسرع من قدرة الرجال على مواكبتها.
وفي خلاصة التقرير، اعتبرت “فايننشال تايمز” أن العالم يواجه اليوم أزمة تتجاوز مجرد انخفاض عدد الأطفال، لتطال تفكك العلاقات الاجتماعية والشعور المتزايد بالعزلة والوحدة بين الأجيال الجديدة.
وخلصت الصحيفة إلى أن معالجة الأزمة لن تكون عبر “اختراع حلول سحرية”، بل من خلال إعادة التفكير بأنماط الحياة الرقمية، وتأمين الاستقرار السكني والاجتماعي للشباب، لأن المشكلة لم تعد فقط في قلة الأطفال، بل في تراجع قدرة الناس على بناء العلاقات من الأساس.






