لبنان يفاوض فوق «نار الهدنة»… و«على الحَبْلين» السياسي والأمني

هل تتّجه «بلاد الأرز» إلى «صيفٍ ساخن»، أم أن فترة الـ 45 يوماً الجديدة في كنف «الهدنة الحامية» ستتيح معالجةً عميقةً للصواعق التي فجّرتْ «حرب لبنان الرابعة» قبل 76 يوماً، ومَدْخَلها أن تنقشع الرؤية على «الجبهة الأمّ» أي إيران، سواء على قاعدة طيّ صفحة المطاحنة الدبلوماسية وفتْح الطريق أمام اتفاقٍ شامل أم اللجوءُ إلى الـ«كيّ» بالضربة الأخيرة؟
هذا السؤال فَرَضَ نفسه بقوةٍ في بيروت، غداة مَنْحِ مسار المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل في واشنطن قوة «ثنائية الدفْع» باتت معها تسير «على حبلين» متوازيين – متكامليْن، سياسيّ ينطلق في شَكْله الرسمي في 2 و3 يونيو، وأمنيّ يبدأ في 29 مايو في مقر البنتاغون، وهو المسارُ الذي يقابِله «حزب الله» بما يَعتبره خصومُه «اللعب على حَبْلين» لتحقيق تَوازُنٍ بين الضغوط الداخلية والخارجية عليه لتسليم سلاحه للدولة بعدما فَقَدَ كل الدعائم التي كان يرتكز عليها وتُوَفِّرُ له «الشرعية»، وبين مقتضياتِ تخفيفِ الضغطِ عن إيران وتشكيل «خط نار» يَفرض على إسرائيل توزيع «الفوهات» هجومياً ودفاعياً «ولو بدماء لبنانية كأنها لجذْب القرش بعيداً عن طهران».
وغداة الإعلان من واشنطن السبت، بعد يوميْن من «ماراثون التفاوض» المعزَّز الذي تَرَأسَ وفدَ لبنان إليه السفيرُ السابق سيمون كرم، تَأَكَّد المؤكدُ لجهة أنّ إسرائيل ستَمْضي في الأيام الفاصلة عن 1 يوليو، موعد انتهاء الهدنة 3 (منذ 16 أبريل)، في سيناريو «إشعال النار تحت وَقْفِ النار» ومن دون إحراقه بالكامل، وذلك عبر ترْك بيروت، والضاحية الجنوبية (ما خلا ربما اغتيالاتٍ جراحية) والبقاع الشمالي، خارج خريطة الاستهدافاتِ.
وإذ ارتسم تَفُّهم ضمني من واشنطن لقرار إسرائيل بالاستمرار بعملياتها العسكرية في جنوب لبنان وقد تَمَدَّدَتْ في الساعات الماضية نحو بلدات في قضاء صيدا، ومدينة صور (حيث تعرض مستشفى حيرام لخسائر فادحة)، وتعمّقت في قضاء النبطية، بعدما كانتْ «هَنْدَسَتْ» جسر عبور نهر الليطاني نحو شماله تمهيداً للتوسع في التوغلات «إذا اقتضت الحاجة»، فإن «بلاد الأرز» التي كانت اشترطت انتزاع تثبيتٍ لوقْفِ النار كمقدّمة لانطلاق المفاوضات المباشرة الرسمية بدت غير قادرة على كَسْرِ «ستاتيكو» الحرب في زمن الهدنة الذي تملك تل أبيب اليد العليا فيه نتيجةَ تَمَسُّك «حزب الله»، وفق خصومه أنفسهم، بتفويض ورقة سلاحه، الكفيلة وحدها الضغط على زرّ off الحرب بتوقيت لبنان، إلى… إيران.
وعبّر عن هذه الإشكالية ما نُقل عن أن رئيس البرلمان نبيه بري، أبلغ إلى رئيس الجمهورية جوزاف عون، خلال سير المفاوضات، أن الحصولَ على «وَقْفِ شامل للنار ووقفِ التدمير والتجريف، والإتيان بجدول زمني للانسحاب الكامل للقوات الإسرائيلية من كل الأراضي المحتلة، وبعدها أنا قادر على ضمان التزام حزب الله وقف النار»، حيث اعتَبر خصومُ الحزب أن هذه «السلّة» كانت ممكنةً لو عُرض مقابلها إعلان أن السلاح بات في إمرة وعهدة الدولة التي تُفاوِض أي بما يَضع في جيب لبنان، وبرسْم واشنطن، «عَرْضاً لا يمكن رفضه» ينزع الذرائع من يد إسرائيل ويُنْهي جَعْل الوطن الصغير رهينة مَسار اسلام اباد و«أوراق اللعب» الإيرانية.
والإشكالية نفسها، تفسّر وفق أوساط مطلعة، إطلاقَ مفاوضاتِ المساريْن المتلازميْن، بين لبنان وإسرائيل، السياسي والأمني، بحيث أن الأوّل يرسم إطار «المنتج النهائي» للمحادثات، اتفاق هدنة +، أو سلام -، أو عدم اعتداء أو لا حرب، ويحدّد الثاني آلياتِ التنفيذ والتحقّق من بلوغ هدف سحب سلاح «حزب الله» بمتابعة من البنتاغون، أي بدورٍ عسكري أميركي يتبلور لاحقاً، وقد يكون من ضمن «ميكانيزم مُطَوَّر» تُستبدل فيه قوة «اليونيفيل» (ينتهي تفويضها نهاية السنة) ببديلٍ متعدّد الجنسية ومع مراعاة سيادة لبنان الكاملة في إطار عمل هذا البديل ومهماته.
سلام… «كفانا»
وقد واكب رئيس الحكومة نواف سلام، هذه المفاوضات بموقف متقدم جداً بوجه حزب الله أعلن فيه «كفانا مغامرات عبثية في خدمة مشاريع ومصالح أجنبية… وآخرها حرب لم نخترْها بل تمّ فرْضها علينا، وقد أدّت إلى احتلال إسرائيل 68 بلدة وقرية وموقعاً، بعدما كنا نسعى لإخراجها من نقاط خمس، وبعد كل هذا، مع ما حمَله من قتل ودمار ونزوح ومآسي، يطلع علينا من يحاول ان يستخف بعقولنا ويسمي ذلك انتصارات».
وتابع «كفانا تحريضاً وتخويناً. فهذا لا ولن يرهبنا. فنحن ثابتون على خياراتنا الوطنية، أقوياء بدعم غالبية اللبنانيين لها».
اتفاق 17 مايو
في المقابل، اختار «حزب الله» أن يُخاطب الدولة من منصة ذكرى اتفاق 17 مايو 1983 (معاهدة السلام بين لبنان وإسرائيل التي لم تعمّر) متمسِّكاً بتمرُّده على خيارها التفاوضي، ومعلناً في بيان له «في ظلّ محاولات إعادة إنتاج ما يتجاوز اتفاق 17 مايو خطراً وانحرافاً من خلال الحديث عن اتفاق سلام كامل وشامل بين السلطة اللبنانية والكيان الصهيوني، فإن السلطة اللبنانية تكون قد انجرفت بعيداً وضربت بعرض الحائط أمثولات التاريخ وعِبَرَه، وبرّأت العدو من عدوانه واحتلاله، في مخالفة صريحة واضحة وفاضحة للدستور اللبناني والقوانين».
وأعلن الحزب «إزاء هذه المعطيات الخطيرة» أنه «يرفض بالكامل أي إملاءات وضغوط ووصايات خارجية (…) وإن قبول لبنان بالمفاوضات المباشرة يصب في خانة تعزيز وزيادة المكتسبات الإسرائيلية على حساب لبنان وأهله»، داعياً «السلطة اللبنانية إلى عدم الذهاب بعيداً في خيارات منحرفة مع العدو، لِما للموضوع من تداعيات خطيرة على الاستقرار في لبنان دولة ومجتمعاً».
واضاف «انتهجت السلطة هذا المسار تحت ذريعة أنه السبيل الوحيد لوقف النار (…) واليوم بعد شهر من المضي في هذا النهج، ماذا حققت للبنان؟ وبدل أن تتراجع عن هذا الخيار تتحضر للذهاب نحو مسار سياسي وأمني، لتزيد من سلسلة التنازلات المجانية التي تقدّمها للعدو».
وكان عضو المجلس السياسي الوزير السابق محمود قماطي (عديل الشيخ نعيم قاسم) شنّ هجوماً نارياً وغير مألوف على عون، معتبراً أن «بعض الجالسين على كراسي المسؤولية الرسمية في البلد لم يحترموا كلامهم فيما قالوه عن المفاوضات المباشرة، حيث إنهم أعلنوا مراراً أنهم لن يذهبوا إليها قبل وقف نار كامل وشامل، إلا أنهم ذهبوا ومازالوا يذهبون إليها زحفاً على أقدامهم وأياديهم، في الوقت الذي يدمر فيه الجنوب ويرتقي الشهداء يومياً».
وأضاف: «شَبعنا كذباً وخداعاً ونفاقاً ووعوداً لا تنفذ، حيث إنه وقبل انتخاب رئيس للجمهورية، أعطيت خمسة وعود للثنائي الوطني في البرلمان اللبناني وبرعاية عربية انتخب على أساسها رئيساً للجمهورية، إلّا أنهم نقضوها بأجمعها».
تقدّم دبلوماسي ملموس لصالح لبنان
تشيرُ الأوساط إلى أنّ المساريْن السياسي والأمني اللذين حدّد بيانا الخارجية الأميركية والوفد اللبناني في ختام مفاوضات الخميس والجمعة، مرتكزَهما بأنهما انسحابُ اسرائيل الكامل من أراضي لبنان وسَحْب سلاح «حزب الله»، يشكّلان واقعياً رَسْماً تَشبيهياً واستباقياً لـ «اليوم التالي» لنزْع هذا السلاح، بحيث أن التفاهم مسبقاً على مسلّماتٍ بحجْم إقرارِ تل ابيب بعدم الإبقاء على شبرٍ من أراضي لبنان تحت الاحتلال وبت النقاط الخلافية الحدودية وإسقاط المنطقة العازلة، وترتيباتٍ أمنية متقابلة عند الحافة الأمامية من وحي «اتفاق الهدنة» (ومع تطوير تفرضه التحولات العسكرية الهائلة)، وحَسم طبيعة الاتفاق النهائي والمستدام الممكن، سيكون بمثابة إعداد الأرضية «من فوق» لنهاية هذا الصراع ولو تَطَلّب بعد جولاتِ تصعيدٍ «من تحت» ما لم تكن مآلات جبهة إيران بَلورت ممرّات مُساعِدة على «هبوط آمن» وبلا أضرار مميتة لملف ترسانة الحزب.
وفيما تشير تقارير من واشنطن إلى استمرار توقّع صدور«إعلان نيات» مشترك بين المتفاوضين كان مرتقَباً في ختام يومي المحادثات المعزَّزة استوقف دوائر سياسية في بيروت مضمون البيان الذي صدر عن الوفد اللبناني عقب المفاوضات الثلاثية «التي جمعت لبنان والولايات المتحدة وإسرائيل»، إذ أكد «تحقيق تقدّم دبلوماسي ملموس لصالح لبنان، حيث اتفقت الأطراف على تمديد وقف النار القائم لمدة إضافية تبلغ 45 يوماً، بما يتيح إطلاق مسار أمني برعاية وتسهيل من الولايات المتحدة اعتباراً من 29 مايو، ويساهم في تثبيت الزخم السياسي الذي تحقق خلال الأيام الأخيرة».
وعدد البيان من نتائج المفاوضات «إطلاق مسار سياسي رسمي يعكس انخراط لبنان البنّاء في المفاوضات، ويعزز فرص التوصل إلى تسوية سلمية دائمة»، وأن «الولايات المتحدة ستتولى تسهيل وتعزيز قنوات التواصل والتنسيق العسكري بين لبنان وإسرائيل بصورة استباقية، بما يشمل مساراً أمنياً يُفترض أن ينطلق في 29 مايو في مقر البنتاغون في واشنطن».
وإذ أكد «أن لبنان سيواصل انخراطه البنّاء في المفاوضات، بالتوازي مع التمسك بسيادته وحماية أمن مواطنيه وسلامتهم»، شدد على «التزام لبنان الثابت بالتوصل إلى اتفاق يعيد بصورة كاملة السيادة الوطنية اللبنانية، ويَضمن أمن جميع المواطنين وعودتهم. ويتمثّل هدفنا في تحويل الزخم الحالي لوقف إطلاق النار إلى اتفاق شامل ودائم يصون كرامة الشعب اللبناني وأمنه ومستقبله».
وعدّد ركائز الموقف اللبناني وأبرزها «استعادة السيادة، حيث تتمثل الأولوية القصوى للبنان في استعادة سلطة الدولة الكاملة على كامل الأراضي اللبنانية، بما يضمن حماية الحدود، وصون السيادة الوطنية، وتأمين سلامة المواطنين» و«عودة النازحين وإعادة الإعمار» و«الإفراج عن المحتجزين واستعادة الرفات».
وأضاف: «لتفادي إخفاقات الترتيبات السابقة، يتمسك لبنان بآلية تنفيذ مرحلية وقابلة للتحقّق، مدعومة بضمانات أميركية، بما يضمن تنفيذ جميع الالتزامات من دون المساس بالسيادة اللبنانية».
وختم «ان لبنان يتفاوض من أجل مستقبل تُحترم فيه حدوده، وتُصان سيادته حصراً عبر مؤسساته الشرعية وفي مقدّمها الجيش اللبناني، ويتمكن شعبه من العيش بأمن وسلام واستقرار دائمين».
ولم يقلّ دلالة بيان الخارجية الأميركية الذي أعلن أنه «في يومي 14 و15 مايو، يسّرت الولايات المتحدة يومين من المحادثات البنّاءة بين دولة إسرائيل والجمهورية اللبنانية في مقر وزارة الخارجية. وقد اتفق البلدان على إطار للتفاوض يهدف إلى تعزيز سلام دائم بينهما، والاعترافُ الكامل والمتبادل بسيادة كل منهما وسلامة أراضيه، وإرساء أمن حقيقي على طول حدودهما المشتركة»، في إشارة غير مباشرة الى انسحاب اسرائيل من أراضي لبنان وسحْب سلاح حزب الله.
وأضاف: «خلال هذين اليومين، أُحرز تقدم مهم على المسار السياسي، الذي سيُستأنف في 2 و3 يونيو المقبل لمواصلة هذه المباحثات السياسية. أما المسارُ الأمني، فسيُطلق في وزارة الدفاع الأميركية في 29 مايو، بمشاركة وفود عسكرية من كلا البلدين. وتحقيقاً لهذه الغاية، اتفقت الأطراف على تمديد اتفاق وقف الأعمال العدائية لمدة 45 يوماً، بما يتيح للمسار الأمني تحسين التواصل والتنسيق بين إسرائيل ولبنان بشكل فاعل، برعاية الولايات المتحدة التي تبقى على دراية بالتحديات الناجمة عن الهجمات المستمرّة التي يشنها حزب الله ضد إسرائيل من دون موافقة أو مواكبة من الحكومة اللبنانية، والتي تُنفذ بهدف عرقلة هذا المسار. وترحب الولايات المتحدة بالتزام الحكومتين بالعمل على إيجاد حل طويل الأمد رغم هذه التحديات المستمرّة».
لبنان يفاوض فوق «نار الهدنة»… و«على الحَبْلين» السياسي والأمني

هل تتّجه «بلاد الأرز» إلى «صيفٍ ساخن»، أم أن فترة الـ 45 يوماً الجديدة في كنف «الهدنة الحامية» ستتيح معالجةً عميقةً للصواعق التي فجّرتْ «حرب لبنان الرابعة» قبل 76 يوماً، ومَدْخَلها أن تنقشع الرؤية على «الجبهة الأمّ» أي إيران، سواء على قاعدة طيّ صفحة المطاحنة الدبلوماسية وفتْح الطريق أمام اتفاقٍ شامل أم اللجوءُ إلى الـ«كيّ» بالضربة الأخيرة؟
هذا السؤال فَرَضَ نفسه بقوةٍ في بيروت، غداة مَنْحِ مسار المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل في واشنطن قوة «ثنائية الدفْع» باتت معها تسير «على حبلين» متوازيين – متكامليْن، سياسيّ ينطلق في شَكْله الرسمي في 2 و3 يونيو، وأمنيّ يبدأ في 29 مايو في مقر البنتاغون، وهو المسارُ الذي يقابِله «حزب الله» بما يَعتبره خصومُه «اللعب على حَبْلين» لتحقيق تَوازُنٍ بين الضغوط الداخلية والخارجية عليه لتسليم سلاحه للدولة بعدما فَقَدَ كل الدعائم التي كان يرتكز عليها وتُوَفِّرُ له «الشرعية»، وبين مقتضياتِ تخفيفِ الضغطِ عن إيران وتشكيل «خط نار» يَفرض على إسرائيل توزيع «الفوهات» هجومياً ودفاعياً «ولو بدماء لبنانية كأنها لجذْب القرش بعيداً عن طهران».
وغداة الإعلان من واشنطن السبت، بعد يوميْن من «ماراثون التفاوض» المعزَّز الذي تَرَأسَ وفدَ لبنان إليه السفيرُ السابق سيمون كرم، تَأَكَّد المؤكدُ لجهة أنّ إسرائيل ستَمْضي في الأيام الفاصلة عن 1 يوليو، موعد انتهاء الهدنة 3 (منذ 16 أبريل)، في سيناريو «إشعال النار تحت وَقْفِ النار» ومن دون إحراقه بالكامل، وذلك عبر ترْك بيروت، والضاحية الجنوبية (ما خلا ربما اغتيالاتٍ جراحية) والبقاع الشمالي، خارج خريطة الاستهدافاتِ.
وإذ ارتسم تَفُّهم ضمني من واشنطن لقرار إسرائيل بالاستمرار بعملياتها العسكرية في جنوب لبنان وقد تَمَدَّدَتْ في الساعات الماضية نحو بلدات في قضاء صيدا، ومدينة صور (حيث تعرض مستشفى حيرام لخسائر فادحة)، وتعمّقت في قضاء النبطية، بعدما كانتْ «هَنْدَسَتْ» جسر عبور نهر الليطاني نحو شماله تمهيداً للتوسع في التوغلات «إذا اقتضت الحاجة»، فإن «بلاد الأرز» التي كانت اشترطت انتزاع تثبيتٍ لوقْفِ النار كمقدّمة لانطلاق المفاوضات المباشرة الرسمية بدت غير قادرة على كَسْرِ «ستاتيكو» الحرب في زمن الهدنة الذي تملك تل أبيب اليد العليا فيه نتيجةَ تَمَسُّك «حزب الله»، وفق خصومه أنفسهم، بتفويض ورقة سلاحه، الكفيلة وحدها الضغط على زرّ off الحرب بتوقيت لبنان، إلى… إيران.
وعبّر عن هذه الإشكالية ما نُقل عن أن رئيس البرلمان نبيه بري، أبلغ إلى رئيس الجمهورية جوزاف عون، خلال سير المفاوضات، أن الحصولَ على «وَقْفِ شامل للنار ووقفِ التدمير والتجريف، والإتيان بجدول زمني للانسحاب الكامل للقوات الإسرائيلية من كل الأراضي المحتلة، وبعدها أنا قادر على ضمان التزام حزب الله وقف النار»، حيث اعتَبر خصومُ الحزب أن هذه «السلّة» كانت ممكنةً لو عُرض مقابلها إعلان أن السلاح بات في إمرة وعهدة الدولة التي تُفاوِض أي بما يَضع في جيب لبنان، وبرسْم واشنطن، «عَرْضاً لا يمكن رفضه» ينزع الذرائع من يد إسرائيل ويُنْهي جَعْل الوطن الصغير رهينة مَسار اسلام اباد و«أوراق اللعب» الإيرانية.
والإشكالية نفسها، تفسّر وفق أوساط مطلعة، إطلاقَ مفاوضاتِ المساريْن المتلازميْن، بين لبنان وإسرائيل، السياسي والأمني، بحيث أن الأوّل يرسم إطار «المنتج النهائي» للمحادثات، اتفاق هدنة +، أو سلام -، أو عدم اعتداء أو لا حرب، ويحدّد الثاني آلياتِ التنفيذ والتحقّق من بلوغ هدف سحب سلاح «حزب الله» بمتابعة من البنتاغون، أي بدورٍ عسكري أميركي يتبلور لاحقاً، وقد يكون من ضمن «ميكانيزم مُطَوَّر» تُستبدل فيه قوة «اليونيفيل» (ينتهي تفويضها نهاية السنة) ببديلٍ متعدّد الجنسية ومع مراعاة سيادة لبنان الكاملة في إطار عمل هذا البديل ومهماته.
سلام… «كفانا»
وقد واكب رئيس الحكومة نواف سلام، هذه المفاوضات بموقف متقدم جداً بوجه حزب الله أعلن فيه «كفانا مغامرات عبثية في خدمة مشاريع ومصالح أجنبية… وآخرها حرب لم نخترْها بل تمّ فرْضها علينا، وقد أدّت إلى احتلال إسرائيل 68 بلدة وقرية وموقعاً، بعدما كنا نسعى لإخراجها من نقاط خمس، وبعد كل هذا، مع ما حمَله من قتل ودمار ونزوح ومآسي، يطلع علينا من يحاول ان يستخف بعقولنا ويسمي ذلك انتصارات».
وتابع «كفانا تحريضاً وتخويناً. فهذا لا ولن يرهبنا. فنحن ثابتون على خياراتنا الوطنية، أقوياء بدعم غالبية اللبنانيين لها».
اتفاق 17 مايو
في المقابل، اختار «حزب الله» أن يُخاطب الدولة من منصة ذكرى اتفاق 17 مايو 1983 (معاهدة السلام بين لبنان وإسرائيل التي لم تعمّر) متمسِّكاً بتمرُّده على خيارها التفاوضي، ومعلناً في بيان له «في ظلّ محاولات إعادة إنتاج ما يتجاوز اتفاق 17 مايو خطراً وانحرافاً من خلال الحديث عن اتفاق سلام كامل وشامل بين السلطة اللبنانية والكيان الصهيوني، فإن السلطة اللبنانية تكون قد انجرفت بعيداً وضربت بعرض الحائط أمثولات التاريخ وعِبَرَه، وبرّأت العدو من عدوانه واحتلاله، في مخالفة صريحة واضحة وفاضحة للدستور اللبناني والقوانين».
وأعلن الحزب «إزاء هذه المعطيات الخطيرة» أنه «يرفض بالكامل أي إملاءات وضغوط ووصايات خارجية (…) وإن قبول لبنان بالمفاوضات المباشرة يصب في خانة تعزيز وزيادة المكتسبات الإسرائيلية على حساب لبنان وأهله»، داعياً «السلطة اللبنانية إلى عدم الذهاب بعيداً في خيارات منحرفة مع العدو، لِما للموضوع من تداعيات خطيرة على الاستقرار في لبنان دولة ومجتمعاً».
واضاف «انتهجت السلطة هذا المسار تحت ذريعة أنه السبيل الوحيد لوقف النار (…) واليوم بعد شهر من المضي في هذا النهج، ماذا حققت للبنان؟ وبدل أن تتراجع عن هذا الخيار تتحضر للذهاب نحو مسار سياسي وأمني، لتزيد من سلسلة التنازلات المجانية التي تقدّمها للعدو».
وكان عضو المجلس السياسي الوزير السابق محمود قماطي (عديل الشيخ نعيم قاسم) شنّ هجوماً نارياً وغير مألوف على عون، معتبراً أن «بعض الجالسين على كراسي المسؤولية الرسمية في البلد لم يحترموا كلامهم فيما قالوه عن المفاوضات المباشرة، حيث إنهم أعلنوا مراراً أنهم لن يذهبوا إليها قبل وقف نار كامل وشامل، إلا أنهم ذهبوا ومازالوا يذهبون إليها زحفاً على أقدامهم وأياديهم، في الوقت الذي يدمر فيه الجنوب ويرتقي الشهداء يومياً».
وأضاف: «شَبعنا كذباً وخداعاً ونفاقاً ووعوداً لا تنفذ، حيث إنه وقبل انتخاب رئيس للجمهورية، أعطيت خمسة وعود للثنائي الوطني في البرلمان اللبناني وبرعاية عربية انتخب على أساسها رئيساً للجمهورية، إلّا أنهم نقضوها بأجمعها».
تقدّم دبلوماسي ملموس لصالح لبنان
تشيرُ الأوساط إلى أنّ المساريْن السياسي والأمني اللذين حدّد بيانا الخارجية الأميركية والوفد اللبناني في ختام مفاوضات الخميس والجمعة، مرتكزَهما بأنهما انسحابُ اسرائيل الكامل من أراضي لبنان وسَحْب سلاح «حزب الله»، يشكّلان واقعياً رَسْماً تَشبيهياً واستباقياً لـ «اليوم التالي» لنزْع هذا السلاح، بحيث أن التفاهم مسبقاً على مسلّماتٍ بحجْم إقرارِ تل ابيب بعدم الإبقاء على شبرٍ من أراضي لبنان تحت الاحتلال وبت النقاط الخلافية الحدودية وإسقاط المنطقة العازلة، وترتيباتٍ أمنية متقابلة عند الحافة الأمامية من وحي «اتفاق الهدنة» (ومع تطوير تفرضه التحولات العسكرية الهائلة)، وحَسم طبيعة الاتفاق النهائي والمستدام الممكن، سيكون بمثابة إعداد الأرضية «من فوق» لنهاية هذا الصراع ولو تَطَلّب بعد جولاتِ تصعيدٍ «من تحت» ما لم تكن مآلات جبهة إيران بَلورت ممرّات مُساعِدة على «هبوط آمن» وبلا أضرار مميتة لملف ترسانة الحزب.
وفيما تشير تقارير من واشنطن إلى استمرار توقّع صدور«إعلان نيات» مشترك بين المتفاوضين كان مرتقَباً في ختام يومي المحادثات المعزَّزة استوقف دوائر سياسية في بيروت مضمون البيان الذي صدر عن الوفد اللبناني عقب المفاوضات الثلاثية «التي جمعت لبنان والولايات المتحدة وإسرائيل»، إذ أكد «تحقيق تقدّم دبلوماسي ملموس لصالح لبنان، حيث اتفقت الأطراف على تمديد وقف النار القائم لمدة إضافية تبلغ 45 يوماً، بما يتيح إطلاق مسار أمني برعاية وتسهيل من الولايات المتحدة اعتباراً من 29 مايو، ويساهم في تثبيت الزخم السياسي الذي تحقق خلال الأيام الأخيرة».
وعدد البيان من نتائج المفاوضات «إطلاق مسار سياسي رسمي يعكس انخراط لبنان البنّاء في المفاوضات، ويعزز فرص التوصل إلى تسوية سلمية دائمة»، وأن «الولايات المتحدة ستتولى تسهيل وتعزيز قنوات التواصل والتنسيق العسكري بين لبنان وإسرائيل بصورة استباقية، بما يشمل مساراً أمنياً يُفترض أن ينطلق في 29 مايو في مقر البنتاغون في واشنطن».
وإذ أكد «أن لبنان سيواصل انخراطه البنّاء في المفاوضات، بالتوازي مع التمسك بسيادته وحماية أمن مواطنيه وسلامتهم»، شدد على «التزام لبنان الثابت بالتوصل إلى اتفاق يعيد بصورة كاملة السيادة الوطنية اللبنانية، ويَضمن أمن جميع المواطنين وعودتهم. ويتمثّل هدفنا في تحويل الزخم الحالي لوقف إطلاق النار إلى اتفاق شامل ودائم يصون كرامة الشعب اللبناني وأمنه ومستقبله».
وعدّد ركائز الموقف اللبناني وأبرزها «استعادة السيادة، حيث تتمثل الأولوية القصوى للبنان في استعادة سلطة الدولة الكاملة على كامل الأراضي اللبنانية، بما يضمن حماية الحدود، وصون السيادة الوطنية، وتأمين سلامة المواطنين» و«عودة النازحين وإعادة الإعمار» و«الإفراج عن المحتجزين واستعادة الرفات».
وأضاف: «لتفادي إخفاقات الترتيبات السابقة، يتمسك لبنان بآلية تنفيذ مرحلية وقابلة للتحقّق، مدعومة بضمانات أميركية، بما يضمن تنفيذ جميع الالتزامات من دون المساس بالسيادة اللبنانية».
وختم «ان لبنان يتفاوض من أجل مستقبل تُحترم فيه حدوده، وتُصان سيادته حصراً عبر مؤسساته الشرعية وفي مقدّمها الجيش اللبناني، ويتمكن شعبه من العيش بأمن وسلام واستقرار دائمين».
ولم يقلّ دلالة بيان الخارجية الأميركية الذي أعلن أنه «في يومي 14 و15 مايو، يسّرت الولايات المتحدة يومين من المحادثات البنّاءة بين دولة إسرائيل والجمهورية اللبنانية في مقر وزارة الخارجية. وقد اتفق البلدان على إطار للتفاوض يهدف إلى تعزيز سلام دائم بينهما، والاعترافُ الكامل والمتبادل بسيادة كل منهما وسلامة أراضيه، وإرساء أمن حقيقي على طول حدودهما المشتركة»، في إشارة غير مباشرة الى انسحاب اسرائيل من أراضي لبنان وسحْب سلاح حزب الله.
وأضاف: «خلال هذين اليومين، أُحرز تقدم مهم على المسار السياسي، الذي سيُستأنف في 2 و3 يونيو المقبل لمواصلة هذه المباحثات السياسية. أما المسارُ الأمني، فسيُطلق في وزارة الدفاع الأميركية في 29 مايو، بمشاركة وفود عسكرية من كلا البلدين. وتحقيقاً لهذه الغاية، اتفقت الأطراف على تمديد اتفاق وقف الأعمال العدائية لمدة 45 يوماً، بما يتيح للمسار الأمني تحسين التواصل والتنسيق بين إسرائيل ولبنان بشكل فاعل، برعاية الولايات المتحدة التي تبقى على دراية بالتحديات الناجمة عن الهجمات المستمرّة التي يشنها حزب الله ضد إسرائيل من دون موافقة أو مواكبة من الحكومة اللبنانية، والتي تُنفذ بهدف عرقلة هذا المسار. وترحب الولايات المتحدة بالتزام الحكومتين بالعمل على إيجاد حل طويل الأمد رغم هذه التحديات المستمرّة».








