تمديد المهل الضريبية : حماية للمكلفين أو تهديد للإيرادات؟

الكاتب: سلوى بعلبكي | المصدر: النهار
18 أيار 2026

عادة، لا تلجأ الدول إلى تمديد المهل الضريبية أو تعليقها إلا في الظروف الاستثنائية، حين تصبح المواعيد الإدارية تفصيلا أمام أزمات أكبر تعصف بحياة الناس ومؤسساتهم، وهو ما ينطبق على لبنان. فالحرب، والانهيارات الاقتصادية، وحالات النزوح الواسعة، كلها عوامل دفعت السلطات اللبنانية وخصوصا مجلس النواب إلى إعطاء المكلفين فسحة إضافية لتسوية أوضاعهم المالية، انطلاقا من مبدأ مراعاة الظروف القاهرة التي تحول دون التزام المواعيد المحددة.

بيد أن هذا الإجراء، رغم طابعه الإنساني والاجتماعي، يفتح في المقابل نقاشا واسعا حيال تأثيره في انتظام الجباية وإيرادات الدولة، وحدود التوازن بين حماية المكلفين والمحافظة على المالية العامة.

يؤكد وزير المال ياسين جابر لـ”النهار” أن الوزارة تعاملت بمرونة خلال فترة الحرب، مراعاة للأوضاع المعيشية والأمنية، لكنها في الوقت عينه تحاول منع تحول التمديد إلى قاعدة دائمة تضعف الالتزام الضريبي.

ويشير إلى أن الوزارة أعطت فرصا إضافية للتصريح عندما كانت الحرب دائرة والناس نازحين، خصوصا أنه تعذر على كثيرين الوصول إلى مستنداتهم أو مراجعة الدوائر المالية التي أقفل بعضها في المناطق المتضررة. لكنه يلفت إلى أن مفهوم “تعليق المهل” الذي يقره مجلس النواب يختلف عن التمديد الإداري، إذ يهدف أساسا إلى حفظ الحقوق ومنع سقوطها عند تعذر إنجاز المعاملات ضمن المهل القانونية.

ويشمل تعليق المهل مختلف المعاملات والحقوق، لا الضرائب فقط، كحالات الوكالات أو المعاملات القانونية التي قد تنتهي صلاحيتها في الظروف الاستثنائية.

 

تشدد في تسديد الـTVA 

هذه الإجراءات، رغم ضرورتها أحيانا، تنعكس مباشرة على إيرادات الدولة. لذلك، “لم توافق وزارة المال على تمديد شامل لكل الضرائب، بل حصرته ببعض التصاريح المحددة، فيما رفضت تمديد مهلة تسديد الضريبة على القيمة المضافة (TVA)”، وفق ما يكشف جابر الذي يوضح أن “هذه الأموال تكون قد جبيت أصلا من المستهلكين، وكان بعض المكلفين يؤخرون تسديدها للإفادة من الفوائد المصرفية المرتفعة على الليرة، معتبرين أن الغرامات تبقى أقل كلفة من الأرباح المحققة. لذا، اتخذت الوزارة إجراءات أكثر تشددا، أبرزها منع المتخلفين عن الدفع من تخليص بضائعهم عبر الجمارك إلى حين التسديد”.

هذا الإجراء، ساهم وفق جابر “في رفع مستوى الالتزام خلال الأسابيع الأخيرة، وأدى إلى تسجيل حركة دفع ملحوظة منذ نهاية نيسان”.

في المقابل، يقرّ بأن “الانكماش الاقتصادي أثّر مباشرة في إيرادات الضريبة على القيمة المضافة داخل السوق اللبنانية، مع تراجع أعمال الفنادق والمطاعم والمؤسسات التجارية، فيما بقيت الجباية مستمرة على السلع المستوردة الخاضعة للضريبة”.

ورشة تنظيم

لا يقتصر التحدي على الجانب المالي فقط، إذ تترافق هذه المرحلة مع ورشة إعادة تنظيم داخل وزارة المال نفسها. ويتحدث جابر عن خطط لإعادة ترتيب الدوائر الضريبية والعقارية، ونقل بعضها إلى مبنى الـ TVA، إضافة إلى تحديث الأنظمة المعلوماتية وتجهيز الإدارات بالبنية التقنية اللازمة.

ويشير إلى أن سنوات الانهيار والإهمال أدت إلى خسارة عدد كبير من الكفايات في القطاع العام، ما جعل إعادة بناء الإدارة المالية عملية معقدة تحتاج إلى وقت وإمكانات.

توازيا، يناقش مجلس النواب اقتراحات جديدة لتعليق المهل بسبب تداعيات الحرب والأوضاع الاقتصادية. وقد انتهت اللجان المشتركة إلى الموافقة على تعليق المهل حتى تموز، وهو ما يراه جابر مقبولا نسبيا، رغم تفضيله أن تكون المهلة أقصر.

 

ولكن هل يمكن أن يتحول التمديد المتكرر إلى ثقافة قائمة في ذاتها، بما يدفع بعض المكلفين إلى انتظار إعفاءات جديدة من الغرامات بدل التزام المواعيد المحددة؟

يؤكد جابر أن “القانون يسمح أصلا بإعفاءات قد تصل إلى 80 أو 85% من بعض الغرامات، غير أن الإفراط في استخدامها يفقدها فاعليتها. لذا، طلبت وزارة المال تعميم مذكرات تذكر المكلفين بأن المهلة الحالية تنتهي في آخر حزيران، وأن الافادة من الإعفاءات مرتبطة بالتسديد ضمن هذه الفترة، من دون توقع تمديدات مفتوحة لاحقا.

تمديد المهل الضريبية : حماية للمكلفين أو تهديد للإيرادات؟

الكاتب: سلوى بعلبكي | المصدر: النهار
18 أيار 2026

عادة، لا تلجأ الدول إلى تمديد المهل الضريبية أو تعليقها إلا في الظروف الاستثنائية، حين تصبح المواعيد الإدارية تفصيلا أمام أزمات أكبر تعصف بحياة الناس ومؤسساتهم، وهو ما ينطبق على لبنان. فالحرب، والانهيارات الاقتصادية، وحالات النزوح الواسعة، كلها عوامل دفعت السلطات اللبنانية وخصوصا مجلس النواب إلى إعطاء المكلفين فسحة إضافية لتسوية أوضاعهم المالية، انطلاقا من مبدأ مراعاة الظروف القاهرة التي تحول دون التزام المواعيد المحددة.

بيد أن هذا الإجراء، رغم طابعه الإنساني والاجتماعي، يفتح في المقابل نقاشا واسعا حيال تأثيره في انتظام الجباية وإيرادات الدولة، وحدود التوازن بين حماية المكلفين والمحافظة على المالية العامة.

يؤكد وزير المال ياسين جابر لـ”النهار” أن الوزارة تعاملت بمرونة خلال فترة الحرب، مراعاة للأوضاع المعيشية والأمنية، لكنها في الوقت عينه تحاول منع تحول التمديد إلى قاعدة دائمة تضعف الالتزام الضريبي.

ويشير إلى أن الوزارة أعطت فرصا إضافية للتصريح عندما كانت الحرب دائرة والناس نازحين، خصوصا أنه تعذر على كثيرين الوصول إلى مستنداتهم أو مراجعة الدوائر المالية التي أقفل بعضها في المناطق المتضررة. لكنه يلفت إلى أن مفهوم “تعليق المهل” الذي يقره مجلس النواب يختلف عن التمديد الإداري، إذ يهدف أساسا إلى حفظ الحقوق ومنع سقوطها عند تعذر إنجاز المعاملات ضمن المهل القانونية.

ويشمل تعليق المهل مختلف المعاملات والحقوق، لا الضرائب فقط، كحالات الوكالات أو المعاملات القانونية التي قد تنتهي صلاحيتها في الظروف الاستثنائية.

 

تشدد في تسديد الـTVA 

هذه الإجراءات، رغم ضرورتها أحيانا، تنعكس مباشرة على إيرادات الدولة. لذلك، “لم توافق وزارة المال على تمديد شامل لكل الضرائب، بل حصرته ببعض التصاريح المحددة، فيما رفضت تمديد مهلة تسديد الضريبة على القيمة المضافة (TVA)”، وفق ما يكشف جابر الذي يوضح أن “هذه الأموال تكون قد جبيت أصلا من المستهلكين، وكان بعض المكلفين يؤخرون تسديدها للإفادة من الفوائد المصرفية المرتفعة على الليرة، معتبرين أن الغرامات تبقى أقل كلفة من الأرباح المحققة. لذا، اتخذت الوزارة إجراءات أكثر تشددا، أبرزها منع المتخلفين عن الدفع من تخليص بضائعهم عبر الجمارك إلى حين التسديد”.

هذا الإجراء، ساهم وفق جابر “في رفع مستوى الالتزام خلال الأسابيع الأخيرة، وأدى إلى تسجيل حركة دفع ملحوظة منذ نهاية نيسان”.

في المقابل، يقرّ بأن “الانكماش الاقتصادي أثّر مباشرة في إيرادات الضريبة على القيمة المضافة داخل السوق اللبنانية، مع تراجع أعمال الفنادق والمطاعم والمؤسسات التجارية، فيما بقيت الجباية مستمرة على السلع المستوردة الخاضعة للضريبة”.

ورشة تنظيم

لا يقتصر التحدي على الجانب المالي فقط، إذ تترافق هذه المرحلة مع ورشة إعادة تنظيم داخل وزارة المال نفسها. ويتحدث جابر عن خطط لإعادة ترتيب الدوائر الضريبية والعقارية، ونقل بعضها إلى مبنى الـ TVA، إضافة إلى تحديث الأنظمة المعلوماتية وتجهيز الإدارات بالبنية التقنية اللازمة.

ويشير إلى أن سنوات الانهيار والإهمال أدت إلى خسارة عدد كبير من الكفايات في القطاع العام، ما جعل إعادة بناء الإدارة المالية عملية معقدة تحتاج إلى وقت وإمكانات.

توازيا، يناقش مجلس النواب اقتراحات جديدة لتعليق المهل بسبب تداعيات الحرب والأوضاع الاقتصادية. وقد انتهت اللجان المشتركة إلى الموافقة على تعليق المهل حتى تموز، وهو ما يراه جابر مقبولا نسبيا، رغم تفضيله أن تكون المهلة أقصر.

 

ولكن هل يمكن أن يتحول التمديد المتكرر إلى ثقافة قائمة في ذاتها، بما يدفع بعض المكلفين إلى انتظار إعفاءات جديدة من الغرامات بدل التزام المواعيد المحددة؟

يؤكد جابر أن “القانون يسمح أصلا بإعفاءات قد تصل إلى 80 أو 85% من بعض الغرامات، غير أن الإفراط في استخدامها يفقدها فاعليتها. لذا، طلبت وزارة المال تعميم مذكرات تذكر المكلفين بأن المهلة الحالية تنتهي في آخر حزيران، وأن الافادة من الإعفاءات مرتبطة بالتسديد ضمن هذه الفترة، من دون توقع تمديدات مفتوحة لاحقا.

مزيد من الأخبار