الحزب في مواجهة “طاولة البنتاغون”: نكون او لا نكون!؟

البنتاغون
الكاتب: جورج شاهين | المصدر: الجمهورية
21 أيار 2026

إن فهم ما تعانيه قيادة الحزب يبرر بحثها عن اي وسيلة للاحتفاظ بسلاحه، ولو لجأت الى الصين بعد ان سدت أمامها أبواب فنزويلا وسوريا والعراق واليمن… اما في الداخل فإن التحالفات إن وجدت لم تعد كافية للاحتفاظ بالسلاح.

لم يعد سراً ولا اكتشافاً مذهلاً غير مسبوق، إن قيل إنّ “حزب الله” يواجه المرحلة المقبلة بما فيها “طاولة واشنطن” وما انتهت إليه بنسختها الثالثة من فصل بين المسارين الأمني والسياسي، انّه يخوض “حرب بقاء” على قاعدة “نكون أو لا نكون”. ذلك أن ليس هناك من مبادرة لا تبدأ بعملية حصر سلاحه قبل أي مرحلة أخرى. وعليه، ما هي المؤشرات الأخرى التي تعزز هذا الاقتناع؟

قبل الدخول في أي نقاش كان مفتوحاً في صالون أحد الديبلوماسيين المعنيين بالملف اللبناني بمشاركة مجموعة من الناشطين من مختلف الاتجاهات السياسية والتكوين الطائفي في البلاد، عبّر عن خشيته من مستوى النقاش الإعلامي في البلاد، من دون الدخول في أي تفاصيل توحي بأنّه ينتصر لمجموعة من المؤثرين على وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي من طرفي النقاش في لبنان. فهو على صداقة مع البعض منهم، ولم يوفر مناسبة الّا وبادر إلى لفت نظر بعضهم إلى خطورة ما يتسببون به، والتحذير من فقدان نسبة كبيرة من الصدقية التي كان يتمتع بها البعض.

ويبدي هذا الديبلوماسي، قبل الدخول في نقاش أعمق حول بعض الخطوات والمحطات التي عبرت، وتلك المتوقعة، استغرابه لبعض النظريات التي تعّمم الخيانة، وفق تفسير يتجاهل فيه “العصا في عينه، ويرى الإبرة في عين الآخرين”، وفق المثل الشعبي اللبناني. ومن أبرز النظريات التي ينطبق عليها هذا المنطق، قول البعض انّ هناك بيانات ومواقف إسرائيلية وأميركية، تتحدث عن رؤية مشتركة أميركية مع لبنان تجاه مصير السلاح غير الشرعي في لبنان، سواء كان من ترسانة الحزب، أو لدى بقية المنظمات اللبنانية والفلسطينية التي لم تسلّم أسلحتها بعد.

وأضاف في مجال الردّ على هذه النظرية التي ترافقت مع الاتهام بـ “الخيانة”: “هل نسي أصحاب هذه المعادلة انّ لبنان ولمّا ذهب إلى طاولة مفاوضات واشنطن، أوصى سفيرته في أولى جلستي المفاوضات بين وزارة الخارجية والبيت الأبيض، بالتزامها بمسلسل قرارات الحكومة الخاصة بـ “حصر السلاح”، التي اتُخذت في 5 و7 آب 2025 و7 أيلول من العام عينه، وصولاً إلى قرار 2 آذار 2026 الخاص باعتبار الجناحين العسكري والأمني في الحزب خارج أي قوانين شرعية، كما بالنسبة إلى قرار 9 نيسان الذي قضى باعتبار بيروت مدينة خالية من السلاح.

وعليه، فإنّ الحديث عن تواطئ لبناني ـ إسرائيلي ـ أميركي يثير الغرابة، وقد تحوّل مدار سخرية حقيقية لدى كل الأوساط الديبلوماسية والاستخبارية الإقليمية والدولية، ما خلا الحديث عنه في مجال الدعاية الإعلامية والتحريض واحتمال إثارة الفتنة الداخلية، لوضع الجيش والمؤسسات الأمنية المختلفة في مواجهة بيئة لبنانية تعبت من نتائج الخطوات التي اقتيدت إليها منذ عامين ونيف، على خلفية دعم وإسناد قوى خارجية، إقليمية ودولية، لم ولن تسأل عن مصالح اللبنانيين عند أي استحقاق دولي كبير. وإنّ مراعاتها لفئة لبنانية دون سواها من المواطنين، لم تعد تفيد في شيء. ذلك انّ القرارات الحكومية كانت كافية لنزع شرعية كان يحتمي بها، في ظلّ فائض من القوة فُرضت بالترغيب والترهيب على مدى ثلاثة عقود، وتحديداً منذ تفاهم نيسان 1996 الذي وضع الحزب في مواجهة إسرائيل، ووضع الدولة ومؤسساتها في خدمة مجموعة مسلحة، نمت على هامش تحالفات سياسية وحزبية، منها ما كان طبيعياً ومنطقياً، ومنها ما افتقد الواقعية السياسية إلى أن انهارت واحدة بعد أخرى، بعد ان قادت بيئتها إلى سلسلة من الحروب، بدءاً من العام 2006، التي دفع ثمنها بين لبنان وسوريا والعراق واليمن آلاف الشبان ومنهم ما زال مفقود الأثر حتى الأمس القريب.

لم يكن الديبلوماسي العليم بكل شاردة، في وارد التقليل من أهمية وحجم الحزب وتكوينه، لا بل ليشير إلى فهمه لمعاناة القيادة الحزبية. فمنذ اغتيال أمينه العام الراحل السيد حسن نصر الله، افتقد الحزب أكثر من نسبة 90 % من هامش الحركة الذي كان يتمتع به، ليس في لبنان وحسب إنما في المنطقة. وهو استذكر مرّة كيف انّ السيد نصر الله أنهى خلافات بين الفصائل العراقية عبر الهاتف وبرسائل صوتية وجّهها إلى قادتها، وأجبر بعضها على الانضباط تحت سقف القيادة المكلّفة مباشرة من إيران. وهو لم ينس مضمون تقرير أعدّ له من سفارة بلاده في اليمن، عن قياديين من الحزب يدرّبون وحدات من الحوثيين بالتنسيق مع خبراء إيرانيين في مختلف وجوه الحرب، عدا عن الدورات التدريبية التي أُقيمت لمسؤولي الإعلام والتواصل الحوثيين في مراكز التدريب التابعة له في الضاحية الجنوبية لبيروت، وقد سهّل لهم فتح محطات فضائية من دون أي ترخيص، عدا عن مراكز التدريب العسكري في البقاع.

وإلى هذه المعطيات التي تعزز السعي إلى فهم هموم الحزب الحقيقية، والتي لا تقف عند حدود الخوف على تحالفاته الداخلية التي يمكن ترميمها في أي وقت، ذلك انّ فقدان سلاحه يبقى هماً أكبر بكثير، لأنّه بالنسبة اليه “قصة حياة أو موت”. وإن رست النتيجة على مقولة “نكون أو لا نكون”، قد لا يوفر الحزب وسيلة لتعطيل او تأجيل تنفيذ مثل هذا القرار الخطير “ولو قَصَد الصين” أو أي عاصمة أخرى، بعد ان سُدّت أبواب دولية كثيرة من كاراكاس إلى دمشق وبغداد، التي تعدّ حكومتها الجديدة العدّة لـ “حصر السلاح” غير الشرعي. وكل ذلك تمّ من دون أن يعفي الديبلوماسي العتيق مسؤولية أهل الحكم ومعهم كل من يعنيه الأمر الذين أغمضوا أعينهم عمّا كان يجري في باطن الجنوب، بين تاريخ صدور القرار 1701 وحرب “إسناد غزة”، وما تلاها من حروب أدّت إلى ما أدّت اليه ببيئة الحزب وبلبنان واللبنانيين بلا استثناء.

الحزب في مواجهة “طاولة البنتاغون”: نكون او لا نكون!؟

البنتاغون
الكاتب: جورج شاهين | المصدر: الجمهورية
21 أيار 2026

إن فهم ما تعانيه قيادة الحزب يبرر بحثها عن اي وسيلة للاحتفاظ بسلاحه، ولو لجأت الى الصين بعد ان سدت أمامها أبواب فنزويلا وسوريا والعراق واليمن… اما في الداخل فإن التحالفات إن وجدت لم تعد كافية للاحتفاظ بالسلاح.

لم يعد سراً ولا اكتشافاً مذهلاً غير مسبوق، إن قيل إنّ “حزب الله” يواجه المرحلة المقبلة بما فيها “طاولة واشنطن” وما انتهت إليه بنسختها الثالثة من فصل بين المسارين الأمني والسياسي، انّه يخوض “حرب بقاء” على قاعدة “نكون أو لا نكون”. ذلك أن ليس هناك من مبادرة لا تبدأ بعملية حصر سلاحه قبل أي مرحلة أخرى. وعليه، ما هي المؤشرات الأخرى التي تعزز هذا الاقتناع؟

قبل الدخول في أي نقاش كان مفتوحاً في صالون أحد الديبلوماسيين المعنيين بالملف اللبناني بمشاركة مجموعة من الناشطين من مختلف الاتجاهات السياسية والتكوين الطائفي في البلاد، عبّر عن خشيته من مستوى النقاش الإعلامي في البلاد، من دون الدخول في أي تفاصيل توحي بأنّه ينتصر لمجموعة من المؤثرين على وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي من طرفي النقاش في لبنان. فهو على صداقة مع البعض منهم، ولم يوفر مناسبة الّا وبادر إلى لفت نظر بعضهم إلى خطورة ما يتسببون به، والتحذير من فقدان نسبة كبيرة من الصدقية التي كان يتمتع بها البعض.

ويبدي هذا الديبلوماسي، قبل الدخول في نقاش أعمق حول بعض الخطوات والمحطات التي عبرت، وتلك المتوقعة، استغرابه لبعض النظريات التي تعّمم الخيانة، وفق تفسير يتجاهل فيه “العصا في عينه، ويرى الإبرة في عين الآخرين”، وفق المثل الشعبي اللبناني. ومن أبرز النظريات التي ينطبق عليها هذا المنطق، قول البعض انّ هناك بيانات ومواقف إسرائيلية وأميركية، تتحدث عن رؤية مشتركة أميركية مع لبنان تجاه مصير السلاح غير الشرعي في لبنان، سواء كان من ترسانة الحزب، أو لدى بقية المنظمات اللبنانية والفلسطينية التي لم تسلّم أسلحتها بعد.

وأضاف في مجال الردّ على هذه النظرية التي ترافقت مع الاتهام بـ “الخيانة”: “هل نسي أصحاب هذه المعادلة انّ لبنان ولمّا ذهب إلى طاولة مفاوضات واشنطن، أوصى سفيرته في أولى جلستي المفاوضات بين وزارة الخارجية والبيت الأبيض، بالتزامها بمسلسل قرارات الحكومة الخاصة بـ “حصر السلاح”، التي اتُخذت في 5 و7 آب 2025 و7 أيلول من العام عينه، وصولاً إلى قرار 2 آذار 2026 الخاص باعتبار الجناحين العسكري والأمني في الحزب خارج أي قوانين شرعية، كما بالنسبة إلى قرار 9 نيسان الذي قضى باعتبار بيروت مدينة خالية من السلاح.

وعليه، فإنّ الحديث عن تواطئ لبناني ـ إسرائيلي ـ أميركي يثير الغرابة، وقد تحوّل مدار سخرية حقيقية لدى كل الأوساط الديبلوماسية والاستخبارية الإقليمية والدولية، ما خلا الحديث عنه في مجال الدعاية الإعلامية والتحريض واحتمال إثارة الفتنة الداخلية، لوضع الجيش والمؤسسات الأمنية المختلفة في مواجهة بيئة لبنانية تعبت من نتائج الخطوات التي اقتيدت إليها منذ عامين ونيف، على خلفية دعم وإسناد قوى خارجية، إقليمية ودولية، لم ولن تسأل عن مصالح اللبنانيين عند أي استحقاق دولي كبير. وإنّ مراعاتها لفئة لبنانية دون سواها من المواطنين، لم تعد تفيد في شيء. ذلك انّ القرارات الحكومية كانت كافية لنزع شرعية كان يحتمي بها، في ظلّ فائض من القوة فُرضت بالترغيب والترهيب على مدى ثلاثة عقود، وتحديداً منذ تفاهم نيسان 1996 الذي وضع الحزب في مواجهة إسرائيل، ووضع الدولة ومؤسساتها في خدمة مجموعة مسلحة، نمت على هامش تحالفات سياسية وحزبية، منها ما كان طبيعياً ومنطقياً، ومنها ما افتقد الواقعية السياسية إلى أن انهارت واحدة بعد أخرى، بعد ان قادت بيئتها إلى سلسلة من الحروب، بدءاً من العام 2006، التي دفع ثمنها بين لبنان وسوريا والعراق واليمن آلاف الشبان ومنهم ما زال مفقود الأثر حتى الأمس القريب.

لم يكن الديبلوماسي العليم بكل شاردة، في وارد التقليل من أهمية وحجم الحزب وتكوينه، لا بل ليشير إلى فهمه لمعاناة القيادة الحزبية. فمنذ اغتيال أمينه العام الراحل السيد حسن نصر الله، افتقد الحزب أكثر من نسبة 90 % من هامش الحركة الذي كان يتمتع به، ليس في لبنان وحسب إنما في المنطقة. وهو استذكر مرّة كيف انّ السيد نصر الله أنهى خلافات بين الفصائل العراقية عبر الهاتف وبرسائل صوتية وجّهها إلى قادتها، وأجبر بعضها على الانضباط تحت سقف القيادة المكلّفة مباشرة من إيران. وهو لم ينس مضمون تقرير أعدّ له من سفارة بلاده في اليمن، عن قياديين من الحزب يدرّبون وحدات من الحوثيين بالتنسيق مع خبراء إيرانيين في مختلف وجوه الحرب، عدا عن الدورات التدريبية التي أُقيمت لمسؤولي الإعلام والتواصل الحوثيين في مراكز التدريب التابعة له في الضاحية الجنوبية لبيروت، وقد سهّل لهم فتح محطات فضائية من دون أي ترخيص، عدا عن مراكز التدريب العسكري في البقاع.

وإلى هذه المعطيات التي تعزز السعي إلى فهم هموم الحزب الحقيقية، والتي لا تقف عند حدود الخوف على تحالفاته الداخلية التي يمكن ترميمها في أي وقت، ذلك انّ فقدان سلاحه يبقى هماً أكبر بكثير، لأنّه بالنسبة اليه “قصة حياة أو موت”. وإن رست النتيجة على مقولة “نكون أو لا نكون”، قد لا يوفر الحزب وسيلة لتعطيل او تأجيل تنفيذ مثل هذا القرار الخطير “ولو قَصَد الصين” أو أي عاصمة أخرى، بعد ان سُدّت أبواب دولية كثيرة من كاراكاس إلى دمشق وبغداد، التي تعدّ حكومتها الجديدة العدّة لـ “حصر السلاح” غير الشرعي. وكل ذلك تمّ من دون أن يعفي الديبلوماسي العتيق مسؤولية أهل الحكم ومعهم كل من يعنيه الأمر الذين أغمضوا أعينهم عمّا كان يجري في باطن الجنوب، بين تاريخ صدور القرار 1701 وحرب “إسناد غزة”، وما تلاها من حروب أدّت إلى ما أدّت اليه ببيئة الحزب وبلبنان واللبنانيين بلا استثناء.

(adsbygoogle = window.adsbygoogle || []).push({});

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار