تصفية الحسابات

يُعلّمنا التاريخ أن تسويات “أنصاف الحلول” الموَقتة مع التنظيمات العقائدية العنصرية والأنظمة المارقة المستبدّة تُمهّد لأزمات أعمق وحروب أشدّ ضراوة. لا تسمح “الشيفرة الجينية” لمثل تلك الهياكل النتنة بإرساء سلام عادل مع “الآخرين”. ولحسن حظّ الشعوب الطوّاقة إلى الحرّية أن بائعي الأوهام غالبًا ما يجنحون إلى اتخاذ خيارات انتحارية عوضًا من الانحناء ريثما تمرّ العاصفة. يتمثّل رهان المتفائلين في شبه حتمية ارتكاب الخصم غير العقلاني أخطاء فادحة، الأمر الذي يسهّل هزيمته. قد يُصحّح التاريخ مساره عند الاعوجاج الجسيم، إلا أن فاتورة التقويم تتجاوز كلفة شقّ الطريق الصائب.
من المستحسن أن يحصل التغيير في الدول “من الداخل”، إلا أن العامل المحلّي وحده لا يستطيع دائمًا القيام بالواجب منفردًا، والتاريخ حافل بالتعاون العابر للحدود لإسقاط طغاة ودحر احتلالات. صحيح أن معظم التدخلات الأميركية في العقود الأخيرة كانت محطّ انتقاد الخبراء، بيد أن مسؤولية الفشل في إعادة بناء الدول التافهة تتحمّلها بشكل أكبر “القوى الوطنية” التي لم تكن على قدر التحدّيات المطروحة، بل امتهنت الفساد وسوء الإدارة، فأغرقت بلادها، بشكل أو بآخر، في براثن الحركات المتزمتة، كما حصل في أفغانستان والعراق. لكن ماذا عن الأمثلة الناجحة في تاريخ التدخل الأميركي الخارجي؟ ماذا عن أوروبا، وتحديدًا ألمانيا، واليابان، وكوريا الجنوبية؟
ألم تعبر أميركا، استجابة لمصالحها طبعًا، المحيطات والبحار لتحرير حلفائها من الهيمنة والاستعباد؟ وماذا فعلت واشنطن بألمانيا واليابان بعد حرب ضروس معهما؟ ساهمت في إعمارهما وازدهارهما اقتصاديًا. كما حاربت مع كوريا الجنوبية وتعاونت معها لتستعيد عافيتها بعد الحرب الكورية. لم تقاوم القوى الفاعلة في ألمانيا واليابان الوجود الأميركي، بل اعترفت بالوقائع الجديدة وتكاتفت مع الأميركيين لتشييد ما تهدّم. والنتيجة؟ انظروا إلى النموذجين الألماني والياباني، حيث لا يزال لأميركا وجود عسكري، وقارنوهما بنماذج دعاة “الموت لأميركا”. الفرق شاسع جدًّا بين من يسعى إلى قيادة مجتمعه نحو غدٍ أفضل، ومن يخطّط لمشاريع إلغائية متخلّفة ذات عواقب تدميرية.
لم ترتضِ واشنطن بعد هجوم بيرل هاربر بـ “مسكّنات مرحلية”، بل ذهبت إلى أبعد مدى في إعادة صياغة المشهد الجيوسياسي العالمي. هل كان الأمر يحتاج إلى تعرّض أميركا لاعتداء غادر بهذا الحجم لتدرك مخاطر الانكفاء؟ الأكيد أن الدماء التي سالت على شواطئ بيرل هاربر أشعلت غضب الأميركيين، الذين غيّر دخولهم الحرب مجراها آنذاك. تعطي الاعتداءات الدموية مشروعية قويّة للتدخل الأميركي الخارجي، كما حصل أيضًا بعد هجمات 11 أيلول الإرهابية. إلا أن واشنطن ليست بحاجة إلى سبب مباشر لمساعدة شعوب صديقة على قلب المعادلات الداخلية في بلدانها. فعداوة الظلاميين لأميركا متأصّلة ومؤدلجة ومصبوغة بالدم. وهي عداوة غذّتها أنظمة تقلّصت حاضنتها الشعبية بعدما حوّلت حياة مواطنيها إلى جحيم، وحان وقت تصفية الحسابات المفتوحة معها، من طهران إلى هافانا.
تصفية الحسابات

يُعلّمنا التاريخ أن تسويات “أنصاف الحلول” الموَقتة مع التنظيمات العقائدية العنصرية والأنظمة المارقة المستبدّة تُمهّد لأزمات أعمق وحروب أشدّ ضراوة. لا تسمح “الشيفرة الجينية” لمثل تلك الهياكل النتنة بإرساء سلام عادل مع “الآخرين”. ولحسن حظّ الشعوب الطوّاقة إلى الحرّية أن بائعي الأوهام غالبًا ما يجنحون إلى اتخاذ خيارات انتحارية عوضًا من الانحناء ريثما تمرّ العاصفة. يتمثّل رهان المتفائلين في شبه حتمية ارتكاب الخصم غير العقلاني أخطاء فادحة، الأمر الذي يسهّل هزيمته. قد يُصحّح التاريخ مساره عند الاعوجاج الجسيم، إلا أن فاتورة التقويم تتجاوز كلفة شقّ الطريق الصائب.
من المستحسن أن يحصل التغيير في الدول “من الداخل”، إلا أن العامل المحلّي وحده لا يستطيع دائمًا القيام بالواجب منفردًا، والتاريخ حافل بالتعاون العابر للحدود لإسقاط طغاة ودحر احتلالات. صحيح أن معظم التدخلات الأميركية في العقود الأخيرة كانت محطّ انتقاد الخبراء، بيد أن مسؤولية الفشل في إعادة بناء الدول التافهة تتحمّلها بشكل أكبر “القوى الوطنية” التي لم تكن على قدر التحدّيات المطروحة، بل امتهنت الفساد وسوء الإدارة، فأغرقت بلادها، بشكل أو بآخر، في براثن الحركات المتزمتة، كما حصل في أفغانستان والعراق. لكن ماذا عن الأمثلة الناجحة في تاريخ التدخل الأميركي الخارجي؟ ماذا عن أوروبا، وتحديدًا ألمانيا، واليابان، وكوريا الجنوبية؟
ألم تعبر أميركا، استجابة لمصالحها طبعًا، المحيطات والبحار لتحرير حلفائها من الهيمنة والاستعباد؟ وماذا فعلت واشنطن بألمانيا واليابان بعد حرب ضروس معهما؟ ساهمت في إعمارهما وازدهارهما اقتصاديًا. كما حاربت مع كوريا الجنوبية وتعاونت معها لتستعيد عافيتها بعد الحرب الكورية. لم تقاوم القوى الفاعلة في ألمانيا واليابان الوجود الأميركي، بل اعترفت بالوقائع الجديدة وتكاتفت مع الأميركيين لتشييد ما تهدّم. والنتيجة؟ انظروا إلى النموذجين الألماني والياباني، حيث لا يزال لأميركا وجود عسكري، وقارنوهما بنماذج دعاة “الموت لأميركا”. الفرق شاسع جدًّا بين من يسعى إلى قيادة مجتمعه نحو غدٍ أفضل، ومن يخطّط لمشاريع إلغائية متخلّفة ذات عواقب تدميرية.
لم ترتضِ واشنطن بعد هجوم بيرل هاربر بـ “مسكّنات مرحلية”، بل ذهبت إلى أبعد مدى في إعادة صياغة المشهد الجيوسياسي العالمي. هل كان الأمر يحتاج إلى تعرّض أميركا لاعتداء غادر بهذا الحجم لتدرك مخاطر الانكفاء؟ الأكيد أن الدماء التي سالت على شواطئ بيرل هاربر أشعلت غضب الأميركيين، الذين غيّر دخولهم الحرب مجراها آنذاك. تعطي الاعتداءات الدموية مشروعية قويّة للتدخل الأميركي الخارجي، كما حصل أيضًا بعد هجمات 11 أيلول الإرهابية. إلا أن واشنطن ليست بحاجة إلى سبب مباشر لمساعدة شعوب صديقة على قلب المعادلات الداخلية في بلدانها. فعداوة الظلاميين لأميركا متأصّلة ومؤدلجة ومصبوغة بالدم. وهي عداوة غذّتها أنظمة تقلّصت حاضنتها الشعبية بعدما حوّلت حياة مواطنيها إلى جحيم، وحان وقت تصفية الحسابات المفتوحة معها، من طهران إلى هافانا.










