قانون العفو بين الصراع الطائفي والعدالة المُجتزأة

أي قانون عفو غير متوازن سيقود حكمًا إلى انفجار الشارع وأيضًا السجون اللبنانية، لذا يجب عدم تجاهل ما حصل في اليومَيْن الماضيَيْن من تحرّكات للأهالي وقطع للطرق في أكثر من منطقة، آخرها التظاهرة التي حصلت في الطريق الجديدة في الساعات الماضية، ما يعدّ جرس إنذار للسلطة لتدارك الأسوأ قبل وقوعه.
لم يكن قرار رئيس مجلس النواب نبيه بري تأجيل الجلسة العامة المخصّصة للتصويت على مشروع قانون العفو العام خطوةً عابرةً، بل عكس حجم الانقسام السياسي والشعبي المُحيط بقانون يُفترض أن يكون من أكثر القوانين حساسيّةً وتأثيرًا في الواقع اللبناني. فالقانون الذي كان مقرّرًا طرحه الخميس الماضي تحوّل في الأيام الأخيرة إلى مادة اشتباكٍ سياسيٍّ وقانونيٍّ، وحتّى طائفيّ ومذهبيّ، وسط تحذيرات من تداعياته على القضاء والأمن والاستقرار الداخلي.
وبينما ترى قوى سياسية أنّ إقرار العفو بات ضرورةً وطنيةً وإنسانيةً ملحّةً في ظل الاكتظاظ الهائل داخل السجون اللبنانية، تعتبر جهات قضائية أنّ الصيغة الحالية للقانون “تفتقد إلى المعايير الواضحة والمتوازنة، وقد تؤدّي إلى فوضى قضائية يصعب احتواؤها لاحقًا”.
يتمحور الاعتراض الأساسي على مشروع القانون حول غياب المعايير الموحّدة في تحديد الجرائم المشمولة بالعفو، إضافةً إلى التفاوت في مقاربة أوضاع الموقوفين والمحكومين، ما يفتح الباب أمام اتهامات بالاستنسابية والانتقائية السياسية والطائفية.
وبرأي المواكبين عن قرب للمطبخ التشريعي، فإنّ “المعركة الفعليّة على القانون تنطوي على هدفٍ واحدٍ هو استبعاد الموقوفين الإسلاميين، وفي مقدمتهم أحمد الأسير والمتهمون في أحداث عبرا، الأمر الذي يهدّد بإعادة إحياء الانقسامات السياسية والمذهبية المرتبطة بهذا الملف”. ويشدّد هؤلاء على أنّ “أي قانون عفو غير متوازن سيقود حكمًا إلى انفجار الشارع وأيضًا السجون اللبنانية”، داعين إلى “عدم تجاهل ما حصل في اليومَيْن الماضيَيْن من تحرّكات للأهالي وقطع للطرق في أكثر من منطقة، آخرها التظاهرة التي حصلت في الطريق الجديدة في الساعات الماضية”، معتبرين أنّ ذلك “يعدّ جرس إنذار للسلطة لتدارك الأسوأ قبل وقوعه”.
بالعودة إلى مضامين “القانون الملغوم”، تؤكد المصادر القضائية لـ”هنا لبنان” أنّ خطورة المشروع “لا تقتصر على مضمونه السياسي، بل تمتدّ إلى انعكاساته المباشرة على الجسم القضائي”. وتُضيف: “هذا القانون سيؤدّي عمليًّا إلى إعادة فتح آلاف الملفات التي سبق البتّ بها، إذ يُلزم القضاة بإعادة النظر بالدعاوى الشخصية المرتبطة بالأحكام، والتأكّد ممّا إذا كان المحكوم عليهم قد سدّدوا التعويضات المالية للمدّعين، وهذا الأمر يعني إعادة استدعاء المحكومين والمدّعين مجدّدًا، وإعادة تحريك ملفات أُقفلت منذ سنوات، في وقتٍ يعاني فيه القضاء اللبناني أساسًا من شلل كبير ونقص حاد بالإمكانات والكوادر”.
ثمّة تجاهل متعمّد لدور القضاء وخبراء القانون في صياغة قانون العفو، وتكشف المصادر نفسها أنّ “أحد القضاة المشاركين في جلسة اللجان المشتركة الأخيرة طرح سلسلة ملاحظات واستفسارات حول موادّ أساسية في القانون، مُحذّرًا من الثغرات القانونية التي قد تنشأ عن إقراره بصيغته الحالية، إلّا أنّ تلك الملاحظات لم تلقَ أي نقاش جدّي، وأُقرّ المشروع بسرعة أثارت استغراب السلطة القضائية برمّتها”.
في المقابل، تدافع جهات سياسية ونيابية عن ضرورة إقرار قانون العفو، انطلاقًا من اعتباراتٍ تتجاوز الحسابات السياسية الضيّقة. فبحسب مصدر نيابي، “واقع السجون اللبنانية بات أشبه بقنبلة موقوتة قابلة للانفجار في أي لحظة، سواء نتيجة الاكتظاظ أو الظروف الإنسانية الصعبة أو التأخير المزمن في المحاكمات”. ويوضح لـ “هنا لبنان” أنّ “استمرار توقيف آلاف الأشخاص لسنوات طويلة من دون محاكمات عادلة، يُشكّل ظلمًا لا يمكن تجاهله، خصوصًا أنّ عددًا كبيرًا من الموقوفين أمضوا سنوات في السجن تفوق أحيانًا العقوبات التي قد تصدر بحقّهم لاحقًا”.
فوائد العفو العام العادل والشامل والقانوني لا تخدم السجناء وعائلاتهم فحسب، بل تنسجم مع المصلحة العليا للدولة اللبنانية. ويشدّد المصدر النيابي على أنّ هذا العفو “سيخفّف عن الدولة اللبنانية أعباء أمنية وقضائية واقتصادية متراكمة، في ظلّ الانهيار المالي الذي يضرب مؤسّسات الدولة كافة، ومن بينها السجون والأجهزة القضائية والأمنية. لذلك، فإنّ معالجة هذا الملف باتت ضرورةً وطنيةً، شرط أن تتم ضمن مقاربة عادلة ومتوازنة لا تستثني فئةً لحساب أخرى، ولا تُفصّل وفق اعتبارات سياسية أو طائفية”.
وبحسب المعطيات المتداولة، فإنّ تأجيل الجلسة لا يعني إسقاط المشروع، بل فتح الباب أمام إعادة صياغته ومحاولة معالجة المواد الخلافيّة التي أثارت اعتراضات واسعة. كما يجري البحث في اعتماد معايير أكثر وضوحًا ترتبط بمدّة التوقيف الاحتياطي وطبيعة الجرائم المُرتكبة وإمكانيّة دمج البعد الإنساني بالاعتبارات القضائية والأمنية، وإعادة النظر بعدد السنوات السجنيّة للمحكومين بعقوبة الإعدام والمؤبّد، وحسم مصير الموقوفين الذين مضى على اعتقالهم أكثر من 10 سنوات ولم تصدر أحكام بحقهم.
لا شكّ أن تداخل السياسة بالقضاء والاعتبارات الطائفيّة بالقانون يجعل من الاتفاق على قانون عفو يحقّق العدالة ويحافظ على الاستقرار مهمّةً شديدة التعقيد، لكن تقاطع المصالح السياسية والطائفية والانتخابية وأيضًا المصلحة الوطنية العليا يُحتّم على الكتل النيابية توافقًا وطنيًّا حقيقيًّا يتجاوز الحسابات الضيّقة، ويقود الجميع إلى مقاربةٍ تُوازن بين حقوق الضحايا وحقوق الموقوفين ومصلحة الدولة في آنٍ واحد.
قانون العفو بين الصراع الطائفي والعدالة المُجتزأة

أي قانون عفو غير متوازن سيقود حكمًا إلى انفجار الشارع وأيضًا السجون اللبنانية، لذا يجب عدم تجاهل ما حصل في اليومَيْن الماضيَيْن من تحرّكات للأهالي وقطع للطرق في أكثر من منطقة، آخرها التظاهرة التي حصلت في الطريق الجديدة في الساعات الماضية، ما يعدّ جرس إنذار للسلطة لتدارك الأسوأ قبل وقوعه.
لم يكن قرار رئيس مجلس النواب نبيه بري تأجيل الجلسة العامة المخصّصة للتصويت على مشروع قانون العفو العام خطوةً عابرةً، بل عكس حجم الانقسام السياسي والشعبي المُحيط بقانون يُفترض أن يكون من أكثر القوانين حساسيّةً وتأثيرًا في الواقع اللبناني. فالقانون الذي كان مقرّرًا طرحه الخميس الماضي تحوّل في الأيام الأخيرة إلى مادة اشتباكٍ سياسيٍّ وقانونيٍّ، وحتّى طائفيّ ومذهبيّ، وسط تحذيرات من تداعياته على القضاء والأمن والاستقرار الداخلي.
وبينما ترى قوى سياسية أنّ إقرار العفو بات ضرورةً وطنيةً وإنسانيةً ملحّةً في ظل الاكتظاظ الهائل داخل السجون اللبنانية، تعتبر جهات قضائية أنّ الصيغة الحالية للقانون “تفتقد إلى المعايير الواضحة والمتوازنة، وقد تؤدّي إلى فوضى قضائية يصعب احتواؤها لاحقًا”.
يتمحور الاعتراض الأساسي على مشروع القانون حول غياب المعايير الموحّدة في تحديد الجرائم المشمولة بالعفو، إضافةً إلى التفاوت في مقاربة أوضاع الموقوفين والمحكومين، ما يفتح الباب أمام اتهامات بالاستنسابية والانتقائية السياسية والطائفية.
وبرأي المواكبين عن قرب للمطبخ التشريعي، فإنّ “المعركة الفعليّة على القانون تنطوي على هدفٍ واحدٍ هو استبعاد الموقوفين الإسلاميين، وفي مقدمتهم أحمد الأسير والمتهمون في أحداث عبرا، الأمر الذي يهدّد بإعادة إحياء الانقسامات السياسية والمذهبية المرتبطة بهذا الملف”. ويشدّد هؤلاء على أنّ “أي قانون عفو غير متوازن سيقود حكمًا إلى انفجار الشارع وأيضًا السجون اللبنانية”، داعين إلى “عدم تجاهل ما حصل في اليومَيْن الماضيَيْن من تحرّكات للأهالي وقطع للطرق في أكثر من منطقة، آخرها التظاهرة التي حصلت في الطريق الجديدة في الساعات الماضية”، معتبرين أنّ ذلك “يعدّ جرس إنذار للسلطة لتدارك الأسوأ قبل وقوعه”.
بالعودة إلى مضامين “القانون الملغوم”، تؤكد المصادر القضائية لـ”هنا لبنان” أنّ خطورة المشروع “لا تقتصر على مضمونه السياسي، بل تمتدّ إلى انعكاساته المباشرة على الجسم القضائي”. وتُضيف: “هذا القانون سيؤدّي عمليًّا إلى إعادة فتح آلاف الملفات التي سبق البتّ بها، إذ يُلزم القضاة بإعادة النظر بالدعاوى الشخصية المرتبطة بالأحكام، والتأكّد ممّا إذا كان المحكوم عليهم قد سدّدوا التعويضات المالية للمدّعين، وهذا الأمر يعني إعادة استدعاء المحكومين والمدّعين مجدّدًا، وإعادة تحريك ملفات أُقفلت منذ سنوات، في وقتٍ يعاني فيه القضاء اللبناني أساسًا من شلل كبير ونقص حاد بالإمكانات والكوادر”.
ثمّة تجاهل متعمّد لدور القضاء وخبراء القانون في صياغة قانون العفو، وتكشف المصادر نفسها أنّ “أحد القضاة المشاركين في جلسة اللجان المشتركة الأخيرة طرح سلسلة ملاحظات واستفسارات حول موادّ أساسية في القانون، مُحذّرًا من الثغرات القانونية التي قد تنشأ عن إقراره بصيغته الحالية، إلّا أنّ تلك الملاحظات لم تلقَ أي نقاش جدّي، وأُقرّ المشروع بسرعة أثارت استغراب السلطة القضائية برمّتها”.
في المقابل، تدافع جهات سياسية ونيابية عن ضرورة إقرار قانون العفو، انطلاقًا من اعتباراتٍ تتجاوز الحسابات السياسية الضيّقة. فبحسب مصدر نيابي، “واقع السجون اللبنانية بات أشبه بقنبلة موقوتة قابلة للانفجار في أي لحظة، سواء نتيجة الاكتظاظ أو الظروف الإنسانية الصعبة أو التأخير المزمن في المحاكمات”. ويوضح لـ “هنا لبنان” أنّ “استمرار توقيف آلاف الأشخاص لسنوات طويلة من دون محاكمات عادلة، يُشكّل ظلمًا لا يمكن تجاهله، خصوصًا أنّ عددًا كبيرًا من الموقوفين أمضوا سنوات في السجن تفوق أحيانًا العقوبات التي قد تصدر بحقّهم لاحقًا”.
فوائد العفو العام العادل والشامل والقانوني لا تخدم السجناء وعائلاتهم فحسب، بل تنسجم مع المصلحة العليا للدولة اللبنانية. ويشدّد المصدر النيابي على أنّ هذا العفو “سيخفّف عن الدولة اللبنانية أعباء أمنية وقضائية واقتصادية متراكمة، في ظلّ الانهيار المالي الذي يضرب مؤسّسات الدولة كافة، ومن بينها السجون والأجهزة القضائية والأمنية. لذلك، فإنّ معالجة هذا الملف باتت ضرورةً وطنيةً، شرط أن تتم ضمن مقاربة عادلة ومتوازنة لا تستثني فئةً لحساب أخرى، ولا تُفصّل وفق اعتبارات سياسية أو طائفية”.
وبحسب المعطيات المتداولة، فإنّ تأجيل الجلسة لا يعني إسقاط المشروع، بل فتح الباب أمام إعادة صياغته ومحاولة معالجة المواد الخلافيّة التي أثارت اعتراضات واسعة. كما يجري البحث في اعتماد معايير أكثر وضوحًا ترتبط بمدّة التوقيف الاحتياطي وطبيعة الجرائم المُرتكبة وإمكانيّة دمج البعد الإنساني بالاعتبارات القضائية والأمنية، وإعادة النظر بعدد السنوات السجنيّة للمحكومين بعقوبة الإعدام والمؤبّد، وحسم مصير الموقوفين الذين مضى على اعتقالهم أكثر من 10 سنوات ولم تصدر أحكام بحقهم.
لا شكّ أن تداخل السياسة بالقضاء والاعتبارات الطائفيّة بالقانون يجعل من الاتفاق على قانون عفو يحقّق العدالة ويحافظ على الاستقرار مهمّةً شديدة التعقيد، لكن تقاطع المصالح السياسية والطائفية والانتخابية وأيضًا المصلحة الوطنية العليا يُحتّم على الكتل النيابية توافقًا وطنيًّا حقيقيًّا يتجاوز الحسابات الضيّقة، ويقود الجميع إلى مقاربةٍ تُوازن بين حقوق الضحايا وحقوق الموقوفين ومصلحة الدولة في آنٍ واحد.









