العقوبات ليست إلا البداية

الكاتب: امل شموني | المصدر: نداء الوطن
23 أيار 2026

على أثر إعلان وزارة الخزانة الأميركية عقوبات استهدفت شخصيات رفيعة في المشهدين السياسي والأمني الشيعي اللبناني، شملت “حزب الله”، و”حركة أمل”، وقيادات دبلوماسية إيرانية، اعتبرت مصادر في واشنطن أن هذه الرسالة هي الأوضح من إدارة ترامب، مشددة على أنه لا يمكن للبنان استعادة سيادته أو التفاوض على السلام طالما أن هناك “فصيلًا إيرانيًا مسلحًا” يحتجز الدولة رهينة من الداخل.

جاء توقيت العقوبات متزامنًا مع المحادثات المباشرة التي رعتها الولايات المتحدة بين الوفدين اللبناني والإسرائيلي، والتي أسفرت عن تمديد وقف إطلاق النار الذي أُعلن في 17 نيسان لمدة 45 يومًا إضافية. وفي ظل الاستعداد لاجتماع أمني مرتقب في البنتاغون في 29 أيار، أشارت مصادر دبلوماسية أميركية إلى أن خطوة واشنطن تتجاوز كونها عقابية، بل هي محاولة استراتيجية لإعادة رسم خريطة الدبلوماسية والأمن من خلال التصدي للعقبة الرئيسية أمام عملية السلام، وهي “تغلغل عقلية حزب الله في الدولة العميقة”.

ووصف خبراء أميركيون في الشأن اللبناني قائمة العقوبات بأنها بمثابة “قنبلة سياسية في لبنان”، ولائحة اتهام للسيادة اللبنانية المنهكة. فالولايات المتحدة لا تستهدف فقط قيادات الميليشيا، بل تكشف نظامًا كاملا من الاختراق المؤسساتي يمتد إلى الأجهزة الأمنية. وهذا يعكس حقيقة جوهرية، بحسب دبلوماسي أميركي وصف الخطوة بـ”الضغط الهائل، لا سيما على رئاسة الجمهورية وقيادة الجيش”، مشددًا على أن واشنطن ترى “حزب الله” ليس مجرد طرف، بل الآلية الأساسية لتقويض سيادة لبنان.

وكان وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت قد قال صراحة إن “حزب الله” منظمة إرهابية ويجب نزع سلاحه بالكامل”. ومن خلال توسيع شبكة العقوبات لتشمل الممكّنين لتجذّر “حزب الله” في مؤسسات لبنان، توضح واشنطن أنه لا يمكن إحراز تقدم حقيقي في مسار السلام أو إعادة الإعمار أو استعادة السيادة طالما ظل “الحزب” يحتفظ بقدرته على التعطيل.

وتعكس الاستراتيجية الأميركية تجاه لبنان تنسيقًا متعمدًا بين البيت الأبيض ووزارات الخارجية والحرب والخزانة. ويقول مصدر أميركي إنه على الرغم من محاولة قيادات لبنانية، كالرئيس جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، النأي بأنفسهم عن طهران، وصولا إلى طرد السفير الإيراني المعيّن ورفض عروض الوساطة الإيرانية، فإن “جهودهم غالبًا ما يقوّضها رفض حزب الله المشاركة في الحوار واستمراره في استفزازاته وتحدياته العابرة للحدود”.

في هذا الإطار، يشدد المسؤولون الأميركيون على أن العقوبات ليست سوى البداية. وترى أصوات رفيعة في الخارجية الأميركية أن الاستقرار الحقيقي في لبنان يتطلب نزع سلاح “الحزب” بالكامل واستعادة الدولة احتكارها الأمن.

مسار البنتاغون الأمني: اختبار للجدية

لكن الاختبار الحقيقي سيأتي في 29 أيار خلال اللقاء الأمني المرتقب في البنتاغون بين وفود عسكرية لبنانية وإسرائيلية. وبحسب مصدر رسمي لبناني، سيقترح الوفد اللبناني انسحابًا مرحليًا للقوات الإسرائيلية من الجنوب مقابل نشر الجيش اللبناني هناك. إلا أن مصادر البنتاغون، لا سيما القيادة المركزية الأميركية، تعبّر عن شكوك أميركية وإسرائيلية عميقة، خاصة “مع وجود الأدلة الدامغة على تغلغل حزب الله في أجهزة الجيش والمخابرات”.

بالنسبة إلى واشنطن، جوهر المسألة هو الشروط وآليات التحقق. وبحسب مصدر في الكونغرس، فإن المساعدات الأميركية للجيش اللبناني ستكون مشروطة بآليات تنفيذ يمكن التحقق منها. من هنا، سيبحث البنتاغون، من خلال أدلة عملية وأرقام واضحة، قدرة الجيش على العمل باستقلالية في الجنوب. لكن المصدر العسكري الأميركي يلفت إلى أن الإسرائيليين يصرون على معايير محددة للمراقبة تضمن ألا يتحول الانسحاب إلى إعادة تموضع لـ”الحزب” تحت ستار الجيش.

وشددت المصادر الأميركية على أن اجتماع البنتاغون لن يكون “مسرحية دبلوماسية”، بل مواجهة للواقع: مراقبة الحدود، وقواعد الاشتباك، والتحقق من قدرات الجيش لجدولة الانسحاب الإسرائيلي. أفضل السيناريوهات، تقول المصادر، هو اتفاق تقني محدود حول التنسيق ودور أكبر للجيش اللبناني، يتيح كسب الوقت للمسار السياسي. لكنها رجحت حصول تقدم إجرائي (procedural progress) يدعم الدبلوماسية من دون حل الخلافات الجوهرية.

وفيما يشدد المسؤولون الأميركيون على أن أي دعم أميركي مستقبلي، سواء ماليًا أو دبلوماسيًا أو عبر إعادة الإعمار، سيكون مرتبطًا بتقدم ملموس يهدف إلى “إخراج حزب الله من الخدمة” decommissioning، فإنهم يدركون أن الخطر الأكبر يكمن في تأجيل المواجهة مع أصل الشلل اللبناني. وبحسب مسؤول في الخارجية الأميركية: “لا مسار حقيقيًا للسلام أو الازدهار مع بقاء سلاح الحزب وحقه في العرقلة”.

في النهاية، تدمج واشنطن بين الضغوط المالية والدبلوماسية والأمنية في طرح واحد: مستقبل لبنان مرهون بتقليص دور “حزب الله” واستقلاليته. وعقوبات 21 أيار بمثابة إنذار بأن المحادثات لن تتقدم إلا إذا أُضعفت قبضة “الحزب”. وسيكون اجتماع البنتاغون اختبارًا لمدى استعداد لبنان لاستعادة سيادته. أما إذا استمر التردد، فقد تصعّد الولايات المتحدة حملتها، خصوصًا أن الكثير من المسؤولين الأميركيين يعتبرون أن الضغط المتواصل هو السبيل الوحيد لكسر حلقة الجمود. من هنا، فإن لبنان أمام خيار واضح: اغتنام فرصة السيادة الحقيقية، أو البقاء رهينة نظام تحتجز فيه فئة مسلحة مستقبل كل اللبنانيين.

العقوبات ليست إلا البداية

الكاتب: امل شموني | المصدر: نداء الوطن
23 أيار 2026

على أثر إعلان وزارة الخزانة الأميركية عقوبات استهدفت شخصيات رفيعة في المشهدين السياسي والأمني الشيعي اللبناني، شملت “حزب الله”، و”حركة أمل”، وقيادات دبلوماسية إيرانية، اعتبرت مصادر في واشنطن أن هذه الرسالة هي الأوضح من إدارة ترامب، مشددة على أنه لا يمكن للبنان استعادة سيادته أو التفاوض على السلام طالما أن هناك “فصيلًا إيرانيًا مسلحًا” يحتجز الدولة رهينة من الداخل.

جاء توقيت العقوبات متزامنًا مع المحادثات المباشرة التي رعتها الولايات المتحدة بين الوفدين اللبناني والإسرائيلي، والتي أسفرت عن تمديد وقف إطلاق النار الذي أُعلن في 17 نيسان لمدة 45 يومًا إضافية. وفي ظل الاستعداد لاجتماع أمني مرتقب في البنتاغون في 29 أيار، أشارت مصادر دبلوماسية أميركية إلى أن خطوة واشنطن تتجاوز كونها عقابية، بل هي محاولة استراتيجية لإعادة رسم خريطة الدبلوماسية والأمن من خلال التصدي للعقبة الرئيسية أمام عملية السلام، وهي “تغلغل عقلية حزب الله في الدولة العميقة”.

ووصف خبراء أميركيون في الشأن اللبناني قائمة العقوبات بأنها بمثابة “قنبلة سياسية في لبنان”، ولائحة اتهام للسيادة اللبنانية المنهكة. فالولايات المتحدة لا تستهدف فقط قيادات الميليشيا، بل تكشف نظامًا كاملا من الاختراق المؤسساتي يمتد إلى الأجهزة الأمنية. وهذا يعكس حقيقة جوهرية، بحسب دبلوماسي أميركي وصف الخطوة بـ”الضغط الهائل، لا سيما على رئاسة الجمهورية وقيادة الجيش”، مشددًا على أن واشنطن ترى “حزب الله” ليس مجرد طرف، بل الآلية الأساسية لتقويض سيادة لبنان.

وكان وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت قد قال صراحة إن “حزب الله” منظمة إرهابية ويجب نزع سلاحه بالكامل”. ومن خلال توسيع شبكة العقوبات لتشمل الممكّنين لتجذّر “حزب الله” في مؤسسات لبنان، توضح واشنطن أنه لا يمكن إحراز تقدم حقيقي في مسار السلام أو إعادة الإعمار أو استعادة السيادة طالما ظل “الحزب” يحتفظ بقدرته على التعطيل.

وتعكس الاستراتيجية الأميركية تجاه لبنان تنسيقًا متعمدًا بين البيت الأبيض ووزارات الخارجية والحرب والخزانة. ويقول مصدر أميركي إنه على الرغم من محاولة قيادات لبنانية، كالرئيس جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، النأي بأنفسهم عن طهران، وصولا إلى طرد السفير الإيراني المعيّن ورفض عروض الوساطة الإيرانية، فإن “جهودهم غالبًا ما يقوّضها رفض حزب الله المشاركة في الحوار واستمراره في استفزازاته وتحدياته العابرة للحدود”.

في هذا الإطار، يشدد المسؤولون الأميركيون على أن العقوبات ليست سوى البداية. وترى أصوات رفيعة في الخارجية الأميركية أن الاستقرار الحقيقي في لبنان يتطلب نزع سلاح “الحزب” بالكامل واستعادة الدولة احتكارها الأمن.

مسار البنتاغون الأمني: اختبار للجدية

لكن الاختبار الحقيقي سيأتي في 29 أيار خلال اللقاء الأمني المرتقب في البنتاغون بين وفود عسكرية لبنانية وإسرائيلية. وبحسب مصدر رسمي لبناني، سيقترح الوفد اللبناني انسحابًا مرحليًا للقوات الإسرائيلية من الجنوب مقابل نشر الجيش اللبناني هناك. إلا أن مصادر البنتاغون، لا سيما القيادة المركزية الأميركية، تعبّر عن شكوك أميركية وإسرائيلية عميقة، خاصة “مع وجود الأدلة الدامغة على تغلغل حزب الله في أجهزة الجيش والمخابرات”.

بالنسبة إلى واشنطن، جوهر المسألة هو الشروط وآليات التحقق. وبحسب مصدر في الكونغرس، فإن المساعدات الأميركية للجيش اللبناني ستكون مشروطة بآليات تنفيذ يمكن التحقق منها. من هنا، سيبحث البنتاغون، من خلال أدلة عملية وأرقام واضحة، قدرة الجيش على العمل باستقلالية في الجنوب. لكن المصدر العسكري الأميركي يلفت إلى أن الإسرائيليين يصرون على معايير محددة للمراقبة تضمن ألا يتحول الانسحاب إلى إعادة تموضع لـ”الحزب” تحت ستار الجيش.

وشددت المصادر الأميركية على أن اجتماع البنتاغون لن يكون “مسرحية دبلوماسية”، بل مواجهة للواقع: مراقبة الحدود، وقواعد الاشتباك، والتحقق من قدرات الجيش لجدولة الانسحاب الإسرائيلي. أفضل السيناريوهات، تقول المصادر، هو اتفاق تقني محدود حول التنسيق ودور أكبر للجيش اللبناني، يتيح كسب الوقت للمسار السياسي. لكنها رجحت حصول تقدم إجرائي (procedural progress) يدعم الدبلوماسية من دون حل الخلافات الجوهرية.

وفيما يشدد المسؤولون الأميركيون على أن أي دعم أميركي مستقبلي، سواء ماليًا أو دبلوماسيًا أو عبر إعادة الإعمار، سيكون مرتبطًا بتقدم ملموس يهدف إلى “إخراج حزب الله من الخدمة” decommissioning، فإنهم يدركون أن الخطر الأكبر يكمن في تأجيل المواجهة مع أصل الشلل اللبناني. وبحسب مسؤول في الخارجية الأميركية: “لا مسار حقيقيًا للسلام أو الازدهار مع بقاء سلاح الحزب وحقه في العرقلة”.

في النهاية، تدمج واشنطن بين الضغوط المالية والدبلوماسية والأمنية في طرح واحد: مستقبل لبنان مرهون بتقليص دور “حزب الله” واستقلاليته. وعقوبات 21 أيار بمثابة إنذار بأن المحادثات لن تتقدم إلا إذا أُضعفت قبضة “الحزب”. وسيكون اجتماع البنتاغون اختبارًا لمدى استعداد لبنان لاستعادة سيادته. أما إذا استمر التردد، فقد تصعّد الولايات المتحدة حملتها، خصوصًا أن الكثير من المسؤولين الأميركيين يعتبرون أن الضغط المتواصل هو السبيل الوحيد لكسر حلقة الجمود. من هنا، فإن لبنان أمام خيار واضح: اغتنام فرصة السيادة الحقيقية، أو البقاء رهينة نظام تحتجز فيه فئة مسلحة مستقبل كل اللبنانيين.

(adsbygoogle = window.adsbygoogle || []).push({});

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار