المفاوضات بين لبنان وإسرائيل: نهاية الميكانيزم وولادة لجنة ثلاثية

الكاتب: طوني بولس | المصدر: اندبندنت عربية
23 أيار 2026

هل يعيد “البنتاغون” رسم نفوذه الإقليمي في بلاد الأرز مع خروج “اليونيفيل”؟

مع تصاعد الضغوط الأميركية والإسرائيلية لإعادة رسم الواقع الأمني في جنوب لبنان، يبرز اجتماع “البنتاغون” المرتقب، الذي تسعى واشنطن من خلاله إلى إنشاء لجنة عسكرية ثلاثية بديلة عن “الميكانيزم” الخماسي السابق، تتولى إدارة التنسيق الميداني وتبادل المعلومات الأمنية ووضع آليات احتواء للخروقات، ويجري البحث في تشكيل وحدة خاصة داخل الجيش اللبناني، بإشراف أميركي، تكون مهمتها جمع المعلومات المتعلقة ببنية “حزب الله” العسكرية ومؤازرة أي خطة لحصر السلاح.

يجري البحث حالياً بما يخص الملف اللبناني في إنشاء لجنة عسكرية ثلاثية بديلة عن “الميكانيزم” الخماسي الذي أنشئ لمراقبة تطبيق وقف إطلاق النار في جنوب لبنان خلال نوفمبر (تشرين الثاني) 2024.

لم يعد المسار اللبناني – الإسرائيلي محصوراً بمفاوضات وقف إطلاق النار أو في النقاش الطويل حول إمكان التوصل إلى اتفاق سلام، فما يتبلور اليوم، تحت رعاية أميركية مباشرة، هو انتقال إلى منطق “إدارة الأمن”، أي البحث في آلية عملية تمنع عودة الحرب وتضع الجيشين اللبناني والإسرائيلي، أمام معادلة تنسيق أمني غير مسبوقة منذ عقود.

ويبدأ الحدث المفصلي بالتبلور في الاجتماع العسكري المراقب في الـ29 من مايو (أيار) الجاري داخل “البنتاغون”، على أن يليه مسار سياسي في 2 و3 يونيو (حزيران) المقبل. هذا الترتيب بحد ذاته يكشف عن أن واشنطن تتعامل مع الوعود اللبنانية كاختبار لقدرة السلطات على الإمساك بالقرار الأمني جنوباً، ولقدرة إسرائيل على الانتقال من العمليات العسكرية المفتوحة إلى ضمانات أمنية قابلة للقياس.

فما يجري اليوم هو محاولة لإنتاج هندسة أمنية جديدة في جنوب لبنان، يكون عنوانها الأساس نقل القرار الأمني من منطق الميليشيات والردع المتبادل إلى منطق الدولة والآليات العسكرية المنظمة.

لجنة ثلاثية

وبحسب مصادر دبلوماسية أميركية مطلعة على النقاشات الجارية، يبدو أن واشنطن تدفع بقوة نحو إنشاء لجنة عسكرية ثلاثية، وهي بنية تنسيق ميدانية تتضمن آلية تبادل معلومات استخباراتية وأمنية، إذ تفصل بين المفاوضات السياسية، والتنسيق العسكري، حيث تبحث السياسة في السقف النهائي: وقف الحرب، الانسحاب الإسرائيلي، ترسيم الحدود، مصير النقاط المتنازع عليها، وربما لاحقاً شكل العلاقة بين الدولتين. أما الاجتماع العسكري المنتظر في “البنتاغون”، فهدفه أقرب إلى بناء آلية تنفيذية.

وبحسب المعطيات فإن اللجنة الخماسية (الميكانيزم)، التي تضم كلاً من لبنان وإسرائيل و”اليونيفيل”، إضافة إلى فرنسا وأميركا، لم تعد فاعلة كونها أنشئت بهدف مراقبة تطبيق اتفاق وقف الطلاق النار الذي توصل إليه في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، والذي تجاوزته الأحداث الحالية، وأنه بحكم انتهاء ولاية “اليونيفيل” في جنوب لبنان عام 2027 وعدم فاعلية الدور الفرنسي، الذي يملك القوة الأكبر ضمن قوات “اليونيفيل”.

وتقول المصادر إن الاجتماعات المرتقبة ستتناول تفاصيل عملياتية دقيقة مرتبطة بآلية العمل من جنوب لبنان إلى جميع المناطق اللبنانية، بما في ذلك خطوط التواصل، قواعد الإبلاغ عن الخروق، وآلية احتواء الحوادث الميدانية.

فض النزاعات

ووفق المعلومات المتداولة في الصحافة الدولية، تريد إسرائيل ربط أي انسحاب أو تثبيت طويل للهدنة بمسألة نزع سلاح “حزب الله” الذي يستخدم لبنان منصة عسكرية.

في المقابل، يطالب لبنان بوقف شامل لإطلاق النار، وبانسحاب إسرائيلي من المناطق التي دخلتها القوات الإسرائيلية، وإطار يضمن عدم استمرار الضربات داخل الأراضي اللبنانية. وهذا التباعد هو سبب الحاجة إلى معدة عسكرية، لأن الاتفاق السياسي بلا أداة تنفيذ سيبقى حبراً على ورق.

وتلفت المعلومات إلى أن التنسيق المطروح لا يعني بالضرورة غرفة عمليات مشتركة بالمعنى الكلاسيكي، ولا يعني تحالفاً عسكرياً بين الجيشين. والأرجح أنه سيكون تنسيقاً غير مباشر أو مضبوطاً أميركياً، يقوم على قنوات اتصال محددة، وتبادل إخطارات، وخرائط انتشار، وبيانات الخروق، وربما آلية تحقق ميدانية بمشاركة أميركية أو دولية.

وبحسب مصادر دبلوماسية أميركية، فإن النقاش الحالي لا يزال يركز رسمياً على البيانات العملياتية المرتبطة بالأمن الحدودي، وليس على إنشاء منظومة استخباراتية مشتركة. إلا أن المصادر نفسها تؤكد أن أي آلية فعالة ستحتاج حكماً إلى مستوى معين من تبادل المعلومات، بصورة مباشرة أو عبر الوسيط الأميركي.

وتوضح المصادر أن واشنطن تدفع نحو صيغة تشبه “مراكز فض النزاعات” المستخدمة في مناطق توتر أخرى، حيث يتم تبادل الإحداثيات والتحذيرات الميدانية والمعلومات المتعلقة بالخروق والتحركات العسكرية الحساسة، من دون أن يعني ذلك إقامة علاقات عسكرية طبيعية بين الطرفين.

وحدة استخباراتية

وبحسب معلومات متقاطعة من مصادر دبلوماسية وأمنية مطلعة على النقاشات الجارية، فإن إحدى الأفكار التي يجري بحثها تتمثل في إنشاء وحدة خاصة تابعة للجيش اللبناني ذات طابع استخباراتي – أمني، تخضع لتدريب وإشراف أميركي مباشر، وتكون مهمتها جمع المعلومات المتعلقة ببنية “حزب الله” العسكرية ومواقعه ومنظوماته اللوجيستية.

وتشير المعلومات إلى أن هذه القوة المقترحة لا يراد لها أن تكون بديلاً عن الجيش اللبناني، بل وحدة مؤازرة تعمل ضمن إطار أمني مرتبط بمنظومة القيادة الأميركية الوسطى (CENTCOM)، بما يسمح بتبادل المعلومات الميدانية مع شركاء إقليميين منخرطين في ترتيبات أمنية جديدة تعمل واشنطن على بنائها في المنطقة.

ووفق هذه المعطيات، فإن دور هذه الوحدة لن يقتصر على جمع المعلومات وتحليلها، بل قد يمتد، في حال رفض “حزب الله” تسليم بعض مواقعه أو الانسحاب من مناطق معينة، إلى تنفيذ مهام أمنية محددة تسبق انتشار الجيش اللبناني أو تؤازره في عمليات حساسة داخل مواقع تعتبرها واشنطن وتل أبيب “مرتفعة الخطورة”.

وتقول المصادر إن الطرح الأميركي ينطلق من قناعة متزايدة داخل المؤسسات الأمنية الأميركية بأن الجيش اللبناني، على رغم اعتباره المؤسسة الشرعية الوحيدة القادرة على الإمساك بالأرض، قد يواجه صعوبة في الدخول منفرداً إلى بعض المواقع التابعة لـ “حزب الله” إذا حصل قرار دولي وإقليمي بفرض وقائع أمنية جديدة جنوباً.

لذلك يجري البحث، بحسب المصادر نفسها، في نموذج أمني يجمع بين العمل الاستخباراتي، والدعم اللوجيستي الأميركي، والتنسيق العملياتي مع الجيش اللبناني، من دون الوصول رسمياً إلى صيغة “قوة مشتركة” مع إسرائيل، نظراً إلى حساسية هذا الأمر داخل لبنان.

في المقابل، تنظر إسرائيل إلى هذه الترتيبات باعتبارها اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة اللبنانية على منع عودة “حزب الله” إلى الحدود. أما واشنطن، فتسعى إلى بناء صيغة تجمع بين وقف النار، وضبط الحدود، واحتكار الدولة اللبنانية للسلاح جنوب الليطاني.

اختبار الدولة

في السياق كشف مصدر لبناني مواكب لاجتماعات اللجنة أن الدولة اللبنانية تتعامل مع اللقاءات الجارية بحذر شديد، على رغم موافقتها عليها، نظراً إلى حساسية طبيعة التنسيق العسكري المباشر بين لبنان وإسرائيل، وهو أمر غير مألوف في الواقع اللبناني ويثير كثيراً من التعقيدات السياسية الداخلية.

وأشار المصدر إلى أن السلطة اللبنانية تعتبر، على رغم هذا الحذر، أن هذا المسار بات “ممراً إلزامياً” لا يمكن تجاوزه إذا كان الهدف تثبيت المسار الدبلوماسي ومنع العودة إلى التصعيد العسكري، لافتاً إلى أن أهمية هذه الاجتماعات لا تقتصر فقط على الجانب الأمني، بل تكمن في كونها تشكل اختباراً عملياً لقدرة الدولة اللبنانية على تنفيذ الالتزامات والاتفاقات الميدانية، وإثبات أنها قادرة على وضع خطط حقيقية لبسط سيادة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية.

وأضاف المصدر أن هذه اللقاءات تمثل أيضاً عملية أميركية لـ”جس نبض”، لرصد مدى جاهزية الدولة اللبنانية وقدرتها على كسب الثقة الدولية، بخاصة أن واشنطن تعتبر أن نجاح الخطة العسكرية والأمنية اللبنانية سيفتح الباب أمام مراحل لاحقة أكثر حساسية، تشمل توسيع البحث في ملف ترسيم الحدود، ووضع جدول زمني لانسحاب إسرائيل، إضافة إلى تثبيت ترتيبات أمنية طويلة الأمد في الجنوب.

وأكد المصدر أن فشل هذا المسار أو تعثر هذه الاجتماعات ستكون له تداعيات خطرة على كامل العملية الدبلوماسية، لأن أي انهيار في التنسيق الحالي سيهدد عملياً المسار السياسي الذي عملت الدولة اللبنانية على بنائه خلال المرحلة الماضية، والذي نجح، ولو بالحد الأدنى، في فرض هدنة وتخفيف مستوى العمليات العسكرية في جنوب لبنان، حتى وإن لم يتم تطبيق كل بنودها بصورة كاملة حتى الآن.

مسار “البنتاغون”

ورأى الصحافي إبراهيم ريحان أن “اجتماع (البنتاغون) المرتقب يكتسب أهمية استثنائية، لأنه ينقل النقاش بين الجيش اللبناني والجانب الأميركي، وبصورة غير مباشرة مع المسار الإسرائيلي، من إطار تقني محدود إلى مستوى أوسع يرتبط بالأمن والحدود وآليات حصر السلاح”.

وأشار ريحان إلى أن هذه المفاوضات تشبه، من حيث الشكل، اجتماعات “الميكانيزم” التي شاركت فيها وفود عسكرية لبنانية وإسرائيلية بحضور عسكري أميركي، لكنها تختلف عنها من حيث المكان والرعاية، إذ إن انعقادها داخل وزارة الدفاع الأميركية يمنحها بعداً سياسياً وأمنياً أعلى، ويعكس اهتماماً أميركياً مباشراً يتجاوز البحث في آليات الانتشار إلى ملفات أكثر تعقيداً، بينها الحدود البرية والدعم اللوجيستي المطلوب للجيش اللبناني. وأوضح أن “الوفد العسكري اللبناني المتوقع أن يشارك في الاجتماع قد يضم نحو 6 ضباط من كبار ضباط الجيش، لكل منهم اختصاص محدد، سواء في العمل الميداني جنوباً، أو في ملفات الحدود البرية والبحرية، أو في تحديد حاجات الجيش من التسليح واللوجيستيات والدعم الأميركي، بما يسمح بتعزيز انتشاره واستكمال خطة حصر السلاح”. ولفت ريحان إلى أن “النقاش لا ينفصل عن المعضلة الأساسية بالنسبة إلى واشنطن، وهي الإجراءات التي يجب أن يتخذها الجيش اللبناني لحصر السلاح”، مؤكداً أن “المطروح حتى الآن لا يزال في إطار الأفكار، بين تشكيل لواء أو نواة متخصصة بهذه المهمة، وبين توسيع عديد الجيش وتطويع المزيد من العسكريين ضمن هيكليته القائمة”. وشدد على أن “المشكلة الجوهرية التي تواجه الجيش ليست في الخبرة أو التدريب، بل في العدة والعديد، إذ إن القوة المقاتلة الفعلية في الجيش لا تتجاوز، وفق تقديره، 15 إلى 20 ألف عسكري، فيما يحتاج الجيش إلى دعم مالي وتسليحي ولوجيستي كبير، خصوصاً في مجالات النقل، ومعالجة الذخائر، وتفكيك المتفجرات، والتجهيزات التقنية.

واعتبر الصحافي اللبناني أن “أي خطة جدية لحصر السلاح تحتاج إلى قرار سياسي واضح، وإلى دعم أميركي مباشر، لأن قيادة الجيش، بحسب ما ينقل، تؤكد جاهزيتها للقيام بالمهمة إذا توافرت لها الإمكانات المطلوبة. أما الجانب السياسي من الملف، ولا سيما كيفية معالجة سلاح ‘حزب الله’، فيبقى مسؤولية القيادة السياسية لا المؤسسة العسكرية وحدها”.

وحذر ريحان من تكرار نموذج “الحشد الشعبي” في لبنان عبر إدخال مقاتلين مؤدلجين ضمن تشكيل عسكري موحد، معتبراً أن هذه التجربة فشلت في العراق ولا تصلح للبنان، لأنها قد تؤدي إلى اختلال داخل المؤسسة العسكرية وتحويل جزء منها إلى قوة عقائدية مرتبطة بقرار خارجي.

“العضلات التنفيذية”

بدوره رأى الباحث السياسي حسين عبدالحسين أن “المفاوضات الجارية في واشنطن بين الوفدين اللبناني والإسرائيلي دخلت مرحلة البحث في آلية التنفيذ، بعدما بات الهدف العام واضحاً: الوصول إلى اتفاق ينهي الحرب ويفتح الباب أمام سلام إذا تحققت المطالب اللبنانية والإسرائيلية في آنٍ واحدٍ”. وأوضح أن “الخلاف الأساس لم يعد على المبدأ، بل على ترتيب الخطوات. فلبنان يطالب بوقف إطلاق النار والانسحاب الإسرائيلي قبل الانتقال إلى ترسيم الحدود ومعالجة الملفات الأخرى، فيما تعتبر إسرائيل أنها انسحبت في أعوام 2000 و2006 و2024، وتلقت في كل مرة وعوداً لبنانية بنزع سلاح ‘حزب الله’ من دون أن تنفذ، ولذلك ترفض هذه المرة تكرار المسار نفسه”.

وأشار إلى أن “واشنطن تدرك أن لبنان، حتى لو اتخذ قراراً سياسياً بحصر السلاح، لا يملك حتى الآن ‘العضلات التنفيذية’ الكافية لتطبيق هذا القرار”. واعتبر أن “هذه النقطة ستكون في صلب البحث الأميركي: من ينفذ؟ وكيف؟ ومن يضمن أن لا تبقى القرارات اللبنانية حبراً على ورق؟”.

ولفت عبدالحسين إلى أن “الولايات المتحدة ستكون، في أي مسار تنفيذي، المشرف الأكبر والممول الأبرز، سواء عبر دعم الجيش اللبناني أو عبر تنسيق الخطوات مع إسرائيل”، لكنه شدد في المقابل على أن “أي تمويل أميركي للجيش لن يكون مفتوحاً أو بلا شروط، بل سيرتبط بإصلاحات داخل المؤسسة العسكرية، تشمل تعزيز الشفافية، مراجعة البنية القيادية والإدارية، وربما إخضاع موازنة الجيش لتدقيق خارجي”. وأكد أن “الأولوية في أي خطة لن تكون نزع السلاح في كل لبنان دفعة واحدة، بل البدء بالمناطق الأكثر خطراً على إسرائيل، وتحديداً جنوب الليطاني ثم المنطقة بين الليطاني والأولي، حيث سيكون الجيش اللبناني أمام اختبار فعلي بإشراف أميركي ورقابة إسرائيلية”. وأشار إلى أن “واشنطن تعمل بالتوازي على أكثر من خط: الضغط على عواصم إقليمية لعدم عرقلة المسار اللبناني المنفرد، ضبط مسارات تهريب السلاح عبر سوريا وتركيا، والتنسيق مع الأطراف المعنية لمنع إعادة ربط لبنان بمبادرات إقليمية أوسع قد تؤخر اتفاقه الخاص مع إسرائيل”.

وختم عبدالحسين بالإشارة إلى أن “نافذة الفرصة ضيقة، والإدارة الأميركية، خصوصاً الرئيس دونالد ترمب، لا ينظر إلى هذا المسار كعملية مفتوحة لسنوات، بل كفرصة يجب أن تنضج خلال أشهر”.

“نواة” من الجيش

من جانبه رأى مدير التحالف الأميركي الشرق أوسطي للديمقراطية توم حرب أن “المسار التفاوضي الجاري في واشنطن يكشف عن تباين واضح بين ما تريده الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وما يطرحه الجانب اللبناني من جهة أخرى”.

وأوضح حرب أن “إسرائيل تذهب إلى هذه المفاوضات بأهداف واضحة: سلام وتطبيع مع لبنان مقابل المساعدة في نزع سلاح ‘حزب الله’ وضمان أمن الحدود. أما الإدارة الأميركية، فتدفع في الاتجاه نفسه، أي الوصول إلى مسار سلام وتطبيع، بالتوازي مع وضع آلية جدية لتجريد ‘حزب الله’ من سلاحه”.

وأشار إلى أن “إدخال “البنتاغون” على الخط عبر اجتماع الـ29 من مايو يمثل تطوراً مهماً، لأنه ينقل النقاش من مستوى سياسي ودبلوماسي إلى مستوى عسكري تنفيذي”. وبحسب تقديره، فإن “واشنطن تريد تشكيل لجنة أو نواة من الجيش اللبناني تعمل مع وزارة الدفاع الأميركية على وضع خطة ميدانية قابلة للتنفيذ لنزع السلاح”. ولفت إلى أن “المرحلة الأولى من هذا المسار ستكون، على الأرجح، لبنانية – أميركية داخل (البنتاغون)، قبل أن تتبلور لاحقاً آليات تنسيق أوسع، مع احتمال البحث في قوات دولية جديدة بصلاحيات أوسع إذا تعذر على الجيش اللبناني تنفيذ المهمة منفرداً”. وحذر من أن “غياب خطة لبنانية جدية لنزع سلاح ‘حزب الله’ قد يدفع المسار إلى حائط مسدود، لأن إسرائيل لن تقبل بالانسحاب الكامل أو وقف العمليات ما لم تحصل على ضمانات أمنية واضحة”. واعتبر أن “بعض القوى السياسية اللبنانية لا تزال تتعامل مع الملف بمنطق المماطلة أو انتظار التطورات الإقليمية، فيما ترى واشنطن أن الفرصة الحالية قد لا تتكرر قريباً، خصوصاً في ظل اهتمام مباشر من إدارة الرئيس دونالد ترمب بهذا الملف”.

وختم حرب بالتأكيد أن “الولايات المتحدة تضغط لفصل المسار اللبناني عن الحسابات الإقليمية، بما يسمح للبنان بالخروج من معادلة الحروب المفتوحة، إلا أن نجاح ذلك يبقى مرتبطاً بقرار لبناني واضح وحاسم في ملف السلاح والمسار السياسي المقبل”.

المفاوضات بين لبنان وإسرائيل: نهاية الميكانيزم وولادة لجنة ثلاثية

الكاتب: طوني بولس | المصدر: اندبندنت عربية
23 أيار 2026

هل يعيد “البنتاغون” رسم نفوذه الإقليمي في بلاد الأرز مع خروج “اليونيفيل”؟

مع تصاعد الضغوط الأميركية والإسرائيلية لإعادة رسم الواقع الأمني في جنوب لبنان، يبرز اجتماع “البنتاغون” المرتقب، الذي تسعى واشنطن من خلاله إلى إنشاء لجنة عسكرية ثلاثية بديلة عن “الميكانيزم” الخماسي السابق، تتولى إدارة التنسيق الميداني وتبادل المعلومات الأمنية ووضع آليات احتواء للخروقات، ويجري البحث في تشكيل وحدة خاصة داخل الجيش اللبناني، بإشراف أميركي، تكون مهمتها جمع المعلومات المتعلقة ببنية “حزب الله” العسكرية ومؤازرة أي خطة لحصر السلاح.

يجري البحث حالياً بما يخص الملف اللبناني في إنشاء لجنة عسكرية ثلاثية بديلة عن “الميكانيزم” الخماسي الذي أنشئ لمراقبة تطبيق وقف إطلاق النار في جنوب لبنان خلال نوفمبر (تشرين الثاني) 2024.

لم يعد المسار اللبناني – الإسرائيلي محصوراً بمفاوضات وقف إطلاق النار أو في النقاش الطويل حول إمكان التوصل إلى اتفاق سلام، فما يتبلور اليوم، تحت رعاية أميركية مباشرة، هو انتقال إلى منطق “إدارة الأمن”، أي البحث في آلية عملية تمنع عودة الحرب وتضع الجيشين اللبناني والإسرائيلي، أمام معادلة تنسيق أمني غير مسبوقة منذ عقود.

ويبدأ الحدث المفصلي بالتبلور في الاجتماع العسكري المراقب في الـ29 من مايو (أيار) الجاري داخل “البنتاغون”، على أن يليه مسار سياسي في 2 و3 يونيو (حزيران) المقبل. هذا الترتيب بحد ذاته يكشف عن أن واشنطن تتعامل مع الوعود اللبنانية كاختبار لقدرة السلطات على الإمساك بالقرار الأمني جنوباً، ولقدرة إسرائيل على الانتقال من العمليات العسكرية المفتوحة إلى ضمانات أمنية قابلة للقياس.

فما يجري اليوم هو محاولة لإنتاج هندسة أمنية جديدة في جنوب لبنان، يكون عنوانها الأساس نقل القرار الأمني من منطق الميليشيات والردع المتبادل إلى منطق الدولة والآليات العسكرية المنظمة.

لجنة ثلاثية

وبحسب مصادر دبلوماسية أميركية مطلعة على النقاشات الجارية، يبدو أن واشنطن تدفع بقوة نحو إنشاء لجنة عسكرية ثلاثية، وهي بنية تنسيق ميدانية تتضمن آلية تبادل معلومات استخباراتية وأمنية، إذ تفصل بين المفاوضات السياسية، والتنسيق العسكري، حيث تبحث السياسة في السقف النهائي: وقف الحرب، الانسحاب الإسرائيلي، ترسيم الحدود، مصير النقاط المتنازع عليها، وربما لاحقاً شكل العلاقة بين الدولتين. أما الاجتماع العسكري المنتظر في “البنتاغون”، فهدفه أقرب إلى بناء آلية تنفيذية.

وبحسب المعطيات فإن اللجنة الخماسية (الميكانيزم)، التي تضم كلاً من لبنان وإسرائيل و”اليونيفيل”، إضافة إلى فرنسا وأميركا، لم تعد فاعلة كونها أنشئت بهدف مراقبة تطبيق اتفاق وقف الطلاق النار الذي توصل إليه في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، والذي تجاوزته الأحداث الحالية، وأنه بحكم انتهاء ولاية “اليونيفيل” في جنوب لبنان عام 2027 وعدم فاعلية الدور الفرنسي، الذي يملك القوة الأكبر ضمن قوات “اليونيفيل”.

وتقول المصادر إن الاجتماعات المرتقبة ستتناول تفاصيل عملياتية دقيقة مرتبطة بآلية العمل من جنوب لبنان إلى جميع المناطق اللبنانية، بما في ذلك خطوط التواصل، قواعد الإبلاغ عن الخروق، وآلية احتواء الحوادث الميدانية.

فض النزاعات

ووفق المعلومات المتداولة في الصحافة الدولية، تريد إسرائيل ربط أي انسحاب أو تثبيت طويل للهدنة بمسألة نزع سلاح “حزب الله” الذي يستخدم لبنان منصة عسكرية.

في المقابل، يطالب لبنان بوقف شامل لإطلاق النار، وبانسحاب إسرائيلي من المناطق التي دخلتها القوات الإسرائيلية، وإطار يضمن عدم استمرار الضربات داخل الأراضي اللبنانية. وهذا التباعد هو سبب الحاجة إلى معدة عسكرية، لأن الاتفاق السياسي بلا أداة تنفيذ سيبقى حبراً على ورق.

وتلفت المعلومات إلى أن التنسيق المطروح لا يعني بالضرورة غرفة عمليات مشتركة بالمعنى الكلاسيكي، ولا يعني تحالفاً عسكرياً بين الجيشين. والأرجح أنه سيكون تنسيقاً غير مباشر أو مضبوطاً أميركياً، يقوم على قنوات اتصال محددة، وتبادل إخطارات، وخرائط انتشار، وبيانات الخروق، وربما آلية تحقق ميدانية بمشاركة أميركية أو دولية.

وبحسب مصادر دبلوماسية أميركية، فإن النقاش الحالي لا يزال يركز رسمياً على البيانات العملياتية المرتبطة بالأمن الحدودي، وليس على إنشاء منظومة استخباراتية مشتركة. إلا أن المصادر نفسها تؤكد أن أي آلية فعالة ستحتاج حكماً إلى مستوى معين من تبادل المعلومات، بصورة مباشرة أو عبر الوسيط الأميركي.

وتوضح المصادر أن واشنطن تدفع نحو صيغة تشبه “مراكز فض النزاعات” المستخدمة في مناطق توتر أخرى، حيث يتم تبادل الإحداثيات والتحذيرات الميدانية والمعلومات المتعلقة بالخروق والتحركات العسكرية الحساسة، من دون أن يعني ذلك إقامة علاقات عسكرية طبيعية بين الطرفين.

وحدة استخباراتية

وبحسب معلومات متقاطعة من مصادر دبلوماسية وأمنية مطلعة على النقاشات الجارية، فإن إحدى الأفكار التي يجري بحثها تتمثل في إنشاء وحدة خاصة تابعة للجيش اللبناني ذات طابع استخباراتي – أمني، تخضع لتدريب وإشراف أميركي مباشر، وتكون مهمتها جمع المعلومات المتعلقة ببنية “حزب الله” العسكرية ومواقعه ومنظوماته اللوجيستية.

وتشير المعلومات إلى أن هذه القوة المقترحة لا يراد لها أن تكون بديلاً عن الجيش اللبناني، بل وحدة مؤازرة تعمل ضمن إطار أمني مرتبط بمنظومة القيادة الأميركية الوسطى (CENTCOM)، بما يسمح بتبادل المعلومات الميدانية مع شركاء إقليميين منخرطين في ترتيبات أمنية جديدة تعمل واشنطن على بنائها في المنطقة.

ووفق هذه المعطيات، فإن دور هذه الوحدة لن يقتصر على جمع المعلومات وتحليلها، بل قد يمتد، في حال رفض “حزب الله” تسليم بعض مواقعه أو الانسحاب من مناطق معينة، إلى تنفيذ مهام أمنية محددة تسبق انتشار الجيش اللبناني أو تؤازره في عمليات حساسة داخل مواقع تعتبرها واشنطن وتل أبيب “مرتفعة الخطورة”.

وتقول المصادر إن الطرح الأميركي ينطلق من قناعة متزايدة داخل المؤسسات الأمنية الأميركية بأن الجيش اللبناني، على رغم اعتباره المؤسسة الشرعية الوحيدة القادرة على الإمساك بالأرض، قد يواجه صعوبة في الدخول منفرداً إلى بعض المواقع التابعة لـ “حزب الله” إذا حصل قرار دولي وإقليمي بفرض وقائع أمنية جديدة جنوباً.

لذلك يجري البحث، بحسب المصادر نفسها، في نموذج أمني يجمع بين العمل الاستخباراتي، والدعم اللوجيستي الأميركي، والتنسيق العملياتي مع الجيش اللبناني، من دون الوصول رسمياً إلى صيغة “قوة مشتركة” مع إسرائيل، نظراً إلى حساسية هذا الأمر داخل لبنان.

في المقابل، تنظر إسرائيل إلى هذه الترتيبات باعتبارها اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة اللبنانية على منع عودة “حزب الله” إلى الحدود. أما واشنطن، فتسعى إلى بناء صيغة تجمع بين وقف النار، وضبط الحدود، واحتكار الدولة اللبنانية للسلاح جنوب الليطاني.

اختبار الدولة

في السياق كشف مصدر لبناني مواكب لاجتماعات اللجنة أن الدولة اللبنانية تتعامل مع اللقاءات الجارية بحذر شديد، على رغم موافقتها عليها، نظراً إلى حساسية طبيعة التنسيق العسكري المباشر بين لبنان وإسرائيل، وهو أمر غير مألوف في الواقع اللبناني ويثير كثيراً من التعقيدات السياسية الداخلية.

وأشار المصدر إلى أن السلطة اللبنانية تعتبر، على رغم هذا الحذر، أن هذا المسار بات “ممراً إلزامياً” لا يمكن تجاوزه إذا كان الهدف تثبيت المسار الدبلوماسي ومنع العودة إلى التصعيد العسكري، لافتاً إلى أن أهمية هذه الاجتماعات لا تقتصر فقط على الجانب الأمني، بل تكمن في كونها تشكل اختباراً عملياً لقدرة الدولة اللبنانية على تنفيذ الالتزامات والاتفاقات الميدانية، وإثبات أنها قادرة على وضع خطط حقيقية لبسط سيادة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية.

وأضاف المصدر أن هذه اللقاءات تمثل أيضاً عملية أميركية لـ”جس نبض”، لرصد مدى جاهزية الدولة اللبنانية وقدرتها على كسب الثقة الدولية، بخاصة أن واشنطن تعتبر أن نجاح الخطة العسكرية والأمنية اللبنانية سيفتح الباب أمام مراحل لاحقة أكثر حساسية، تشمل توسيع البحث في ملف ترسيم الحدود، ووضع جدول زمني لانسحاب إسرائيل، إضافة إلى تثبيت ترتيبات أمنية طويلة الأمد في الجنوب.

وأكد المصدر أن فشل هذا المسار أو تعثر هذه الاجتماعات ستكون له تداعيات خطرة على كامل العملية الدبلوماسية، لأن أي انهيار في التنسيق الحالي سيهدد عملياً المسار السياسي الذي عملت الدولة اللبنانية على بنائه خلال المرحلة الماضية، والذي نجح، ولو بالحد الأدنى، في فرض هدنة وتخفيف مستوى العمليات العسكرية في جنوب لبنان، حتى وإن لم يتم تطبيق كل بنودها بصورة كاملة حتى الآن.

مسار “البنتاغون”

ورأى الصحافي إبراهيم ريحان أن “اجتماع (البنتاغون) المرتقب يكتسب أهمية استثنائية، لأنه ينقل النقاش بين الجيش اللبناني والجانب الأميركي، وبصورة غير مباشرة مع المسار الإسرائيلي، من إطار تقني محدود إلى مستوى أوسع يرتبط بالأمن والحدود وآليات حصر السلاح”.

وأشار ريحان إلى أن هذه المفاوضات تشبه، من حيث الشكل، اجتماعات “الميكانيزم” التي شاركت فيها وفود عسكرية لبنانية وإسرائيلية بحضور عسكري أميركي، لكنها تختلف عنها من حيث المكان والرعاية، إذ إن انعقادها داخل وزارة الدفاع الأميركية يمنحها بعداً سياسياً وأمنياً أعلى، ويعكس اهتماماً أميركياً مباشراً يتجاوز البحث في آليات الانتشار إلى ملفات أكثر تعقيداً، بينها الحدود البرية والدعم اللوجيستي المطلوب للجيش اللبناني. وأوضح أن “الوفد العسكري اللبناني المتوقع أن يشارك في الاجتماع قد يضم نحو 6 ضباط من كبار ضباط الجيش، لكل منهم اختصاص محدد، سواء في العمل الميداني جنوباً، أو في ملفات الحدود البرية والبحرية، أو في تحديد حاجات الجيش من التسليح واللوجيستيات والدعم الأميركي، بما يسمح بتعزيز انتشاره واستكمال خطة حصر السلاح”. ولفت ريحان إلى أن “النقاش لا ينفصل عن المعضلة الأساسية بالنسبة إلى واشنطن، وهي الإجراءات التي يجب أن يتخذها الجيش اللبناني لحصر السلاح”، مؤكداً أن “المطروح حتى الآن لا يزال في إطار الأفكار، بين تشكيل لواء أو نواة متخصصة بهذه المهمة، وبين توسيع عديد الجيش وتطويع المزيد من العسكريين ضمن هيكليته القائمة”. وشدد على أن “المشكلة الجوهرية التي تواجه الجيش ليست في الخبرة أو التدريب، بل في العدة والعديد، إذ إن القوة المقاتلة الفعلية في الجيش لا تتجاوز، وفق تقديره، 15 إلى 20 ألف عسكري، فيما يحتاج الجيش إلى دعم مالي وتسليحي ولوجيستي كبير، خصوصاً في مجالات النقل، ومعالجة الذخائر، وتفكيك المتفجرات، والتجهيزات التقنية.

واعتبر الصحافي اللبناني أن “أي خطة جدية لحصر السلاح تحتاج إلى قرار سياسي واضح، وإلى دعم أميركي مباشر، لأن قيادة الجيش، بحسب ما ينقل، تؤكد جاهزيتها للقيام بالمهمة إذا توافرت لها الإمكانات المطلوبة. أما الجانب السياسي من الملف، ولا سيما كيفية معالجة سلاح ‘حزب الله’، فيبقى مسؤولية القيادة السياسية لا المؤسسة العسكرية وحدها”.

وحذر ريحان من تكرار نموذج “الحشد الشعبي” في لبنان عبر إدخال مقاتلين مؤدلجين ضمن تشكيل عسكري موحد، معتبراً أن هذه التجربة فشلت في العراق ولا تصلح للبنان، لأنها قد تؤدي إلى اختلال داخل المؤسسة العسكرية وتحويل جزء منها إلى قوة عقائدية مرتبطة بقرار خارجي.

“العضلات التنفيذية”

بدوره رأى الباحث السياسي حسين عبدالحسين أن “المفاوضات الجارية في واشنطن بين الوفدين اللبناني والإسرائيلي دخلت مرحلة البحث في آلية التنفيذ، بعدما بات الهدف العام واضحاً: الوصول إلى اتفاق ينهي الحرب ويفتح الباب أمام سلام إذا تحققت المطالب اللبنانية والإسرائيلية في آنٍ واحدٍ”. وأوضح أن “الخلاف الأساس لم يعد على المبدأ، بل على ترتيب الخطوات. فلبنان يطالب بوقف إطلاق النار والانسحاب الإسرائيلي قبل الانتقال إلى ترسيم الحدود ومعالجة الملفات الأخرى، فيما تعتبر إسرائيل أنها انسحبت في أعوام 2000 و2006 و2024، وتلقت في كل مرة وعوداً لبنانية بنزع سلاح ‘حزب الله’ من دون أن تنفذ، ولذلك ترفض هذه المرة تكرار المسار نفسه”.

وأشار إلى أن “واشنطن تدرك أن لبنان، حتى لو اتخذ قراراً سياسياً بحصر السلاح، لا يملك حتى الآن ‘العضلات التنفيذية’ الكافية لتطبيق هذا القرار”. واعتبر أن “هذه النقطة ستكون في صلب البحث الأميركي: من ينفذ؟ وكيف؟ ومن يضمن أن لا تبقى القرارات اللبنانية حبراً على ورق؟”.

ولفت عبدالحسين إلى أن “الولايات المتحدة ستكون، في أي مسار تنفيذي، المشرف الأكبر والممول الأبرز، سواء عبر دعم الجيش اللبناني أو عبر تنسيق الخطوات مع إسرائيل”، لكنه شدد في المقابل على أن “أي تمويل أميركي للجيش لن يكون مفتوحاً أو بلا شروط، بل سيرتبط بإصلاحات داخل المؤسسة العسكرية، تشمل تعزيز الشفافية، مراجعة البنية القيادية والإدارية، وربما إخضاع موازنة الجيش لتدقيق خارجي”. وأكد أن “الأولوية في أي خطة لن تكون نزع السلاح في كل لبنان دفعة واحدة، بل البدء بالمناطق الأكثر خطراً على إسرائيل، وتحديداً جنوب الليطاني ثم المنطقة بين الليطاني والأولي، حيث سيكون الجيش اللبناني أمام اختبار فعلي بإشراف أميركي ورقابة إسرائيلية”. وأشار إلى أن “واشنطن تعمل بالتوازي على أكثر من خط: الضغط على عواصم إقليمية لعدم عرقلة المسار اللبناني المنفرد، ضبط مسارات تهريب السلاح عبر سوريا وتركيا، والتنسيق مع الأطراف المعنية لمنع إعادة ربط لبنان بمبادرات إقليمية أوسع قد تؤخر اتفاقه الخاص مع إسرائيل”.

وختم عبدالحسين بالإشارة إلى أن “نافذة الفرصة ضيقة، والإدارة الأميركية، خصوصاً الرئيس دونالد ترمب، لا ينظر إلى هذا المسار كعملية مفتوحة لسنوات، بل كفرصة يجب أن تنضج خلال أشهر”.

“نواة” من الجيش

من جانبه رأى مدير التحالف الأميركي الشرق أوسطي للديمقراطية توم حرب أن “المسار التفاوضي الجاري في واشنطن يكشف عن تباين واضح بين ما تريده الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وما يطرحه الجانب اللبناني من جهة أخرى”.

وأوضح حرب أن “إسرائيل تذهب إلى هذه المفاوضات بأهداف واضحة: سلام وتطبيع مع لبنان مقابل المساعدة في نزع سلاح ‘حزب الله’ وضمان أمن الحدود. أما الإدارة الأميركية، فتدفع في الاتجاه نفسه، أي الوصول إلى مسار سلام وتطبيع، بالتوازي مع وضع آلية جدية لتجريد ‘حزب الله’ من سلاحه”.

وأشار إلى أن “إدخال “البنتاغون” على الخط عبر اجتماع الـ29 من مايو يمثل تطوراً مهماً، لأنه ينقل النقاش من مستوى سياسي ودبلوماسي إلى مستوى عسكري تنفيذي”. وبحسب تقديره، فإن “واشنطن تريد تشكيل لجنة أو نواة من الجيش اللبناني تعمل مع وزارة الدفاع الأميركية على وضع خطة ميدانية قابلة للتنفيذ لنزع السلاح”. ولفت إلى أن “المرحلة الأولى من هذا المسار ستكون، على الأرجح، لبنانية – أميركية داخل (البنتاغون)، قبل أن تتبلور لاحقاً آليات تنسيق أوسع، مع احتمال البحث في قوات دولية جديدة بصلاحيات أوسع إذا تعذر على الجيش اللبناني تنفيذ المهمة منفرداً”. وحذر من أن “غياب خطة لبنانية جدية لنزع سلاح ‘حزب الله’ قد يدفع المسار إلى حائط مسدود، لأن إسرائيل لن تقبل بالانسحاب الكامل أو وقف العمليات ما لم تحصل على ضمانات أمنية واضحة”. واعتبر أن “بعض القوى السياسية اللبنانية لا تزال تتعامل مع الملف بمنطق المماطلة أو انتظار التطورات الإقليمية، فيما ترى واشنطن أن الفرصة الحالية قد لا تتكرر قريباً، خصوصاً في ظل اهتمام مباشر من إدارة الرئيس دونالد ترمب بهذا الملف”.

وختم حرب بالتأكيد أن “الولايات المتحدة تضغط لفصل المسار اللبناني عن الحسابات الإقليمية، بما يسمح للبنان بالخروج من معادلة الحروب المفتوحة، إلا أن نجاح ذلك يبقى مرتبطاً بقرار لبناني واضح وحاسم في ملف السلاح والمسار السياسي المقبل”.

(adsbygoogle = window.adsbygoogle || []).push({});

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار