النبطية بين التاريخ والجغرافيا: لماذا تراها إسرائيل “الزلزال الأكبر”؟

إذا سقطت النبطية، ماذا يبقى من عمق “حزب الله” الجنوبي؟ السؤال كبير وخطير، ولا سيما أن الإعلام الإسرائيلي بدأ يروّج لمعركة النبطية وما بعد النبطية. فموقع “واللا” الإسرائيلي نشر تقريرًا نقلا عن ضباط في الجيش الإسرائيلي، يكشف أن “قائد القيادة الشمالية اللواء رافي ميلو يضغط لتدمير البنية التحتية لحزب الله في النبطية”. وعلمت “واللا” أن الجيش الإسرائيلي بدأ بالفعل عملية برية على مشارف مدينة النبطية، واستخدم أنواعًا مختلفة من الروبوتات لتحديد مواقع العبوات الناسفة وكشف خلايا “حزب الله” في المنطقة. كما اعتبر الموقع أن “سقوط النبطية، أكبر حصن في جنوب لبنان، سيتحول إلى زلزال”.
الحصن الذي يخشى “الحزب” سقوطه
إذا كانت الضاحية الجنوبية تمثّل المركز السياسي والشعبي لـ”حزب الله”، فإن النبطية تشكّل عمقه الجنوبي الاستراتيجي والعقدة التي تربط بين الداخل اللبناني والقطاع الحدودي.
لهذا السبب، يولي الجيش الإسرائيلي أهمية استثنائية للمدينة ومحيطها، باعتبارها الحلقة التي تربط بين منطقة الليطاني والقطاع الحدودي، وبين البقاع والجنوب، وبين مراكز القيادة والإمداد والخطوط الأمامية.
فالنبطية ليست مجرد مدينة كبرى في الجنوب، بل هي عاصمة جبل عامل التاريخية، ومركز إداري واقتصادي وتعليمي وصحي. ومنذ ثمانينيات القرن الماضي، تحوّلت إلى إحدى أهم البيئات الحاضنة لـ”الحزب”، الذي استثمر فيها سياسيًا واجتماعيًا وعسكريًا على مدى أكثر من أربعة عقود. وتكمن أهمية النبطية العسكرية في موقعها الجغرافي، إذ تقع على تقاطع طرق رئيسة تصل الساحل بالداخل، وتربط الزهراني وصيدا شمالا بمرجعيون والخيام والعرقوب شرقًا، كما تشكّل بوابة طبيعية نحو وادي الحجير ونهر السلوقي والمرتفعات المشرفة على القطاع الأوسط من الحدود.
وخلال حرب تموز 2006، لعبت المنطقة الممتدة بين النبطية ووادي الحجير دورًا محوريًا في عمليات “حزب الله” العسكرية، فيما اعتبرت إسرائيل أن السيطرة النارية على هذه المنطقة شرط أساسي لمنع إعادة بناء البنية العسكرية للحزب في الجنوب. كما أن النبطية تمثّل بالنسبة إلى “حزب الله” مركز ارتكاز خلفيًا لعناصره المنتشرة جنوب الليطاني. فالقسم الأكبر من البنية اللوجستية وشبكات الدعم والإمداد والاتصالات التي يعتمد عليها الحزب في القطاع الأوسط من الجنوب يمر عبر هذه المنطقة أو يتفرع منها نحو القرى الحدودية.
مدينة التاريخ والحضارة
إلى جانب البعد العسكري، تحمل النبطية قيمة رمزية كبيرة. فالمدينة تُعدّ إحدى أبرز مدن جبل عامل التي ارتبط اسمها بتاريخ الحركات السياسية الشيعية في لبنان، ومنها انطلقت شخصيات دينية وسياسية مؤثرة، كما شكّلت لعقود مركزًا للنشاط الشعبي والتنظيمي الذي استفاد منه “حزب الله” لتثبيت حضوره في الجنوب.
لهذا السبب، فإن أي تقدم إسرائيلي نحو مشارف المدينة أو أي محاولة لاستهداف البنية العسكرية فيها لا يُنظر إليه في إسرائيل كإنجاز ميداني فحسب، بل كضربة معنوية ورمزية لـ”الحزب” في واحدة من أهم ساحاته التاريخية.
من هنا، يمكن فهم توصيف بعض الأوساط العسكرية الإسرائيلية للنبطية بأنها “الحصن الأكبر” لـ”حزب الله” في الجنوب. فالمسألة لا تتعلق بمدينة أو موقع جغرافي فقط، بل بمنطقة تشكّل نقطة التقاء بين التاريخ والرمزية والسيطرة الميدانية وشبكات الإمداد، ما يجعل أي تغيير في واقعها العسكري حدثًا تتجاوز تداعياته حدود الجنوب إلى مجمل المشهد اللبناني.
لماذا تضع إسرائيل النبطية في بنك أهدافها؟
إذا افترضنا تحقق السيناريو الذي تتحدث عنه بعض التقديرات الإسرائيلية، فإن تداعيات سقوط النبطية ستتجاوز بكثير حدود مدينة جنوبية كبرى.
عسكريًا، سيعني ذلك فقدان “حزب الله” إحدى أهم العقد اللوجستية التي تربط عمقه الخلفي بمسرح العمليات جنوب الليطاني. كما سيؤدي إلى تقطيع أوصال شبكة الحركة بين القطاع الأوسط والقطاع الشرقي من الجنوب، وسيضع مناطق واسعة من جبل عامل تحت مراقبة نارية إسرائيلية مباشرة.
أما ميدانيًا، فإن سقوط النبطية سيجعل البلدات الواقعة بين الليطاني والزهراني أكثر عرضة للضغط العسكري، وسيمنح إسرائيل موقعًا متقدمًا يمكن البناء عليه للتوسع نحو مناطق أخرى أو فرض وقائع أمنية جديدة في الجنوب.
لكن الأثر الأخطر قد يكون معنويًا وسياسيًا. فسقوط النبطية سيشكّل ضربة للخطاب الذي بنى عليه “حزب الله” صورته كقوة قادرة على حماية الأرض ومنع أي تقدم إسرائيلي داخل المناطق ذات الثقل الشيعي.
عقدة الجنوب اللوجستية ورمز النفوذ الشيعي
التهديد الكبير الذي تتعرض له النبطية يطرح أسئلة قاسية داخل بيئة “الحزب” حول جدوى الاستراتيجية العسكرية التي أوصلت إلى خسارة مواقع كانت تُعتبر، حتى سنوات قليلة مضت، خارج أي تهديد مباشر. فبعد سقوط مواقع حدودية وقرى متاخمة للشريط الحدودي، سيبدو انتقال المعارك إلى النبطية بمثابة انتقال الحرب إلى قلب العمق الجنوبي نفسه.
فتاريخيًا، لم تشهد المدينة منذ الاجتياح الإسرائيلي عام 1982 مشهدًا مشابهًا. ولهذا السبب تحديدًا، ينظر “حزب الله” إلى النبطية بوصفها خط دفاع متقدمًا عن مشروعه ونفوذه في الجنوب. وإذا كانت القرى الحدودية تمثّل خط الدفاع الأول لـ”حزب الله”، فإن النبطية تمثّل قلب العمق الجنوبي، وسقوطها، إن حصل، لن يُقاس بعدد الكيلومترات التي يتقدمها الجيش الإسرائيلي، بل بحجم الضربة التي ستصيب البنية اللوجستية والرمزية والسياسية لـ”الحزب” في الجنوب.
بين تقدم إسرائيل ميدانيًا وماكينة الممانعة التضليلية
في حزيران 1967، لم تكن الهزيمة العسكرية العربية وحدها هي الكارثة، بل كان ما سبقها ورافقها من تضليل إعلامي. يومها، كانت إذاعة “صوت العرب” تبث بيانات الانتصارات فيما كانت الجبهات تتهاوى.
اليوم، يبدو المشهد وكأنه يتكرر. فالبلدات الجنوبية تتساقط الواحدة تلو الأخرى. لقد سقطت الغندورية، وامتدت العمليات باتجاه برج قلاويه وصريفا، ووصلت القوات الإسرائيلية إلى منطقة النبطية بعد التقدم في محاور عدة، سواء باتجاه ميفدون أو عدشيت. من هنا تكمن خطورة استمرار الإنكار وتقديم الروايات التعبوية على حساب المصارحة والواقعية.
والحقيقة التي ينبغي قولها بوضوح هي أن حماية الجنوب لا تكون بإخفاء الوقائع ولا بصناعة انتصارات إعلامية. حماية الجنوب تبدأ بالاعتراف بالخسائر، وقراءة موازين القوى كما هي، وتقديم مصلحة لبنان وأهله على أي اعتبار آخر. فالتاريخ علّمنا أن الهزائم لا تبدأ عندما تتراجع الجيوش، بل عندما تُستبدل الحقيقة بالدعاية الفارغة، والوقائع بالشعارات الكاذبة، والخسائر بالانتصارات الوهمية.
النبطية بين التاريخ والجغرافيا: لماذا تراها إسرائيل “الزلزال الأكبر”؟

إذا سقطت النبطية، ماذا يبقى من عمق “حزب الله” الجنوبي؟ السؤال كبير وخطير، ولا سيما أن الإعلام الإسرائيلي بدأ يروّج لمعركة النبطية وما بعد النبطية. فموقع “واللا” الإسرائيلي نشر تقريرًا نقلا عن ضباط في الجيش الإسرائيلي، يكشف أن “قائد القيادة الشمالية اللواء رافي ميلو يضغط لتدمير البنية التحتية لحزب الله في النبطية”. وعلمت “واللا” أن الجيش الإسرائيلي بدأ بالفعل عملية برية على مشارف مدينة النبطية، واستخدم أنواعًا مختلفة من الروبوتات لتحديد مواقع العبوات الناسفة وكشف خلايا “حزب الله” في المنطقة. كما اعتبر الموقع أن “سقوط النبطية، أكبر حصن في جنوب لبنان، سيتحول إلى زلزال”.
الحصن الذي يخشى “الحزب” سقوطه
إذا كانت الضاحية الجنوبية تمثّل المركز السياسي والشعبي لـ”حزب الله”، فإن النبطية تشكّل عمقه الجنوبي الاستراتيجي والعقدة التي تربط بين الداخل اللبناني والقطاع الحدودي.
لهذا السبب، يولي الجيش الإسرائيلي أهمية استثنائية للمدينة ومحيطها، باعتبارها الحلقة التي تربط بين منطقة الليطاني والقطاع الحدودي، وبين البقاع والجنوب، وبين مراكز القيادة والإمداد والخطوط الأمامية.
فالنبطية ليست مجرد مدينة كبرى في الجنوب، بل هي عاصمة جبل عامل التاريخية، ومركز إداري واقتصادي وتعليمي وصحي. ومنذ ثمانينيات القرن الماضي، تحوّلت إلى إحدى أهم البيئات الحاضنة لـ”الحزب”، الذي استثمر فيها سياسيًا واجتماعيًا وعسكريًا على مدى أكثر من أربعة عقود. وتكمن أهمية النبطية العسكرية في موقعها الجغرافي، إذ تقع على تقاطع طرق رئيسة تصل الساحل بالداخل، وتربط الزهراني وصيدا شمالا بمرجعيون والخيام والعرقوب شرقًا، كما تشكّل بوابة طبيعية نحو وادي الحجير ونهر السلوقي والمرتفعات المشرفة على القطاع الأوسط من الحدود.
وخلال حرب تموز 2006، لعبت المنطقة الممتدة بين النبطية ووادي الحجير دورًا محوريًا في عمليات “حزب الله” العسكرية، فيما اعتبرت إسرائيل أن السيطرة النارية على هذه المنطقة شرط أساسي لمنع إعادة بناء البنية العسكرية للحزب في الجنوب. كما أن النبطية تمثّل بالنسبة إلى “حزب الله” مركز ارتكاز خلفيًا لعناصره المنتشرة جنوب الليطاني. فالقسم الأكبر من البنية اللوجستية وشبكات الدعم والإمداد والاتصالات التي يعتمد عليها الحزب في القطاع الأوسط من الجنوب يمر عبر هذه المنطقة أو يتفرع منها نحو القرى الحدودية.
مدينة التاريخ والحضارة
إلى جانب البعد العسكري، تحمل النبطية قيمة رمزية كبيرة. فالمدينة تُعدّ إحدى أبرز مدن جبل عامل التي ارتبط اسمها بتاريخ الحركات السياسية الشيعية في لبنان، ومنها انطلقت شخصيات دينية وسياسية مؤثرة، كما شكّلت لعقود مركزًا للنشاط الشعبي والتنظيمي الذي استفاد منه “حزب الله” لتثبيت حضوره في الجنوب.
لهذا السبب، فإن أي تقدم إسرائيلي نحو مشارف المدينة أو أي محاولة لاستهداف البنية العسكرية فيها لا يُنظر إليه في إسرائيل كإنجاز ميداني فحسب، بل كضربة معنوية ورمزية لـ”الحزب” في واحدة من أهم ساحاته التاريخية.
من هنا، يمكن فهم توصيف بعض الأوساط العسكرية الإسرائيلية للنبطية بأنها “الحصن الأكبر” لـ”حزب الله” في الجنوب. فالمسألة لا تتعلق بمدينة أو موقع جغرافي فقط، بل بمنطقة تشكّل نقطة التقاء بين التاريخ والرمزية والسيطرة الميدانية وشبكات الإمداد، ما يجعل أي تغيير في واقعها العسكري حدثًا تتجاوز تداعياته حدود الجنوب إلى مجمل المشهد اللبناني.
لماذا تضع إسرائيل النبطية في بنك أهدافها؟
إذا افترضنا تحقق السيناريو الذي تتحدث عنه بعض التقديرات الإسرائيلية، فإن تداعيات سقوط النبطية ستتجاوز بكثير حدود مدينة جنوبية كبرى.
عسكريًا، سيعني ذلك فقدان “حزب الله” إحدى أهم العقد اللوجستية التي تربط عمقه الخلفي بمسرح العمليات جنوب الليطاني. كما سيؤدي إلى تقطيع أوصال شبكة الحركة بين القطاع الأوسط والقطاع الشرقي من الجنوب، وسيضع مناطق واسعة من جبل عامل تحت مراقبة نارية إسرائيلية مباشرة.
أما ميدانيًا، فإن سقوط النبطية سيجعل البلدات الواقعة بين الليطاني والزهراني أكثر عرضة للضغط العسكري، وسيمنح إسرائيل موقعًا متقدمًا يمكن البناء عليه للتوسع نحو مناطق أخرى أو فرض وقائع أمنية جديدة في الجنوب.
لكن الأثر الأخطر قد يكون معنويًا وسياسيًا. فسقوط النبطية سيشكّل ضربة للخطاب الذي بنى عليه “حزب الله” صورته كقوة قادرة على حماية الأرض ومنع أي تقدم إسرائيلي داخل المناطق ذات الثقل الشيعي.
عقدة الجنوب اللوجستية ورمز النفوذ الشيعي
التهديد الكبير الذي تتعرض له النبطية يطرح أسئلة قاسية داخل بيئة “الحزب” حول جدوى الاستراتيجية العسكرية التي أوصلت إلى خسارة مواقع كانت تُعتبر، حتى سنوات قليلة مضت، خارج أي تهديد مباشر. فبعد سقوط مواقع حدودية وقرى متاخمة للشريط الحدودي، سيبدو انتقال المعارك إلى النبطية بمثابة انتقال الحرب إلى قلب العمق الجنوبي نفسه.
فتاريخيًا، لم تشهد المدينة منذ الاجتياح الإسرائيلي عام 1982 مشهدًا مشابهًا. ولهذا السبب تحديدًا، ينظر “حزب الله” إلى النبطية بوصفها خط دفاع متقدمًا عن مشروعه ونفوذه في الجنوب. وإذا كانت القرى الحدودية تمثّل خط الدفاع الأول لـ”حزب الله”، فإن النبطية تمثّل قلب العمق الجنوبي، وسقوطها، إن حصل، لن يُقاس بعدد الكيلومترات التي يتقدمها الجيش الإسرائيلي، بل بحجم الضربة التي ستصيب البنية اللوجستية والرمزية والسياسية لـ”الحزب” في الجنوب.
بين تقدم إسرائيل ميدانيًا وماكينة الممانعة التضليلية
في حزيران 1967، لم تكن الهزيمة العسكرية العربية وحدها هي الكارثة، بل كان ما سبقها ورافقها من تضليل إعلامي. يومها، كانت إذاعة “صوت العرب” تبث بيانات الانتصارات فيما كانت الجبهات تتهاوى.
اليوم، يبدو المشهد وكأنه يتكرر. فالبلدات الجنوبية تتساقط الواحدة تلو الأخرى. لقد سقطت الغندورية، وامتدت العمليات باتجاه برج قلاويه وصريفا، ووصلت القوات الإسرائيلية إلى منطقة النبطية بعد التقدم في محاور عدة، سواء باتجاه ميفدون أو عدشيت. من هنا تكمن خطورة استمرار الإنكار وتقديم الروايات التعبوية على حساب المصارحة والواقعية.
والحقيقة التي ينبغي قولها بوضوح هي أن حماية الجنوب لا تكون بإخفاء الوقائع ولا بصناعة انتصارات إعلامية. حماية الجنوب تبدأ بالاعتراف بالخسائر، وقراءة موازين القوى كما هي، وتقديم مصلحة لبنان وأهله على أي اعتبار آخر. فالتاريخ علّمنا أن الهزائم لا تبدأ عندما تتراجع الجيوش، بل عندما تُستبدل الحقيقة بالدعاية الفارغة، والوقائع بالشعارات الكاذبة، والخسائر بالانتصارات الوهمية.







