رسم خطوط قبل 22 حزيران!

الكاتب: طوني عيسى | المصدر: هنا لبنان
11 حزيران 2026

يبدو واضحاً أن الإسرائيليين ليسوا في عجلة من أمرهم لإبرام تسوية متسرّعة. فالوقت الميداني والسياسي يخدم أجندتهم بالكامل، ما دامت إدارة الرئيس دونالد ترامب تمنحهم الغطاء والدعم المُطلق، وما دامت القوى الدولية والإقليمية الكبرى قد وصلت إلى اقتناع مشترك بضرورة إنهاء أذرع إيران الإقليمية وكفّ يدها عن شاطئ المتوسط

 

بات مؤكداً أن القيادة الإسرائيلية تخوض سباقاً محموماً مع الوقت لاستعجال السيطرة على مواقع ومدن استراتيجية مفصلية في الجنوب، بهدف تثبيت الحزام الأمني الموسّع وتكريس وقائع ميدانية يصعب القفز فوقها في المسار السياسي.

تُحرّك إسرائيل آلتها العسكرية وعينها على الروزنامة الدبلوماسية. فالفترة الفاصلة عن موعد اللقاء التفاوضي التالي بين الوفدين اللبناني والإسرائيلي في وزارة الخارجية الأميركية، والمقرر في 22 حزيران الجاري، تمثل المهلة الميدانية المتاحة لإتمام هذه الاستراتيجية. والأرجح أن الجيش الإسرائيلي يحتاج إلى هذه الأيام الإضافية لإحكام السيطرة المباشرة أو فرض السيطرة النارية على مدينتي النبطية وصور ومواقع استراتيجية مهمة، ما يعني استمرار المعارك البرية العنيفة على الرقعة الجنوبية في المدى المنظور.

وهدف إسرائيل الأساسي راهناً يكمن في إحداث تحوّلات بنيوية على طاولة المفاوضات عبر القوة البرية. بل إن القيادة الإسرائيلية قد لا يزعجها بقاء الوضع القائم عسكرياً، لأنه يُتيح لها تكريس سيطرتها المطلقة جنوب الزهراني، بعدما أحكمت سيطرتها تماماً، في جولات سابقة، على جنوب الليطاني.

في مفهوم بنيامين نتنياهو، يمثّل إحكام القبضة على الجغرافيا وتثبيتها بالنار بديلاً استراتيجياً أنجع من إضاعة الوقت في إبرام اتفاق دبلوماسي جديد ومتسرّع مع لبنان لا يضمن في مندرجاته آلية نزع سلاح “حزب الله”. وهو يستند في هذا التقدير إلى عقدة اتفاق تشرين الثاني 2024. فالمؤسسة الأمنية الإسرائيلية ترى أن تجربة هذا الاتفاق أثبتت عقم الرهان على التعهّدات الورقية مع لبنان. فهي تلمّست مماطلةً وتلكؤاً من مؤسّسات الدولة اللبنانية في تنفيذ البنود المتعلقة بإنهاء سلاح “الحزب” فعلاً لا قولاً، إلى أن انفجرت الحرب الحالية وأظهرت، بصورة قاطعة، أن جنوب الليطاني ظلّ مسرحاً عملياتيّاً ومخزناً ضخماً للأنفاق والترسانة الصاروخية.

ويدرك الإسرائيليون والأميركيون أن لبنان الرسمي، على الرغم من انخراطه في المفاوضات المباشرة، سيتجنّب دائماً الدخول في مناخات تصادم داخلي أو مواجهة أهلية وعسكرية مع “حزب الله” لنزع سلاحه بقوة الأجهزة الرسمية، نظراً إلى خصوصيّة التركيبة اللبنانية الهشّة.

وبناءً على هذا الاستعصاء اللبناني الداخلي، يبدو أن الجالسين إلى طاولة المفاوضات في واشنطن يتجهون نحو اعتماد “أسلوب التدرّج العملياتي” كصيغة بديلة تمنع الانفجار الداخلي الكبير من جهة، وتنزع الذرائع من يد “حزب الله” من جهة أخرى. وهو مسار يحظى بترحيب لبناني رسمي، إذ يُتيح للمؤسسة العسكرية استكمال مهمّات الانتشار والربط المطلوبة منها ميدانياً، من دون التعرض لمآزق أو صدمات قد تشكّل تحدياً لقدراتها.

ويتولى السفير الأميركي في بيروت، ميشال عيسى، إدارة هذه الهندسة الحذرة بالتنسيق اللوجستي والسياسي المباشر مع رئيس مجلس النواب نبيه بري، لكونه الضامن الضمني لالتزام “حزب الله” بالحدود الدنيا من التفاهمات. ويتحرّك هذا المحور الدبلوماسي تحت عنوان محدّد: “إيضاح مُخرجات البيان الثلاثي” الذي صدر عن جلسة المفاوضات السياسية الأخيرة.

وتقوم هذه الآليّة التدريجية على تنفيذ ترتيبات أمنية وعسكرية مرحلية في مناطق جغرافية محددة تُصنف “مناطق نموذجية” أو “مناطق تجريبية”، مثل بلدتي زوطر وشقيف أرنون اللتين طُرحتا كاختبار أولي. وتتولّى واشنطن وقوى دولية وإقليمية تقديم المساعدات اللوجستية والميدانية المباشرة للجيش اللبناني، لتمكينه من بسط سلطته تدريجيّاً في هذه البقع، تمهيداً لتوسيعها بمرور الوقت وتجفيف البنية التحتية للسلاح غير الشرعي من دون صدام جبهوي.

وضمن هذه الرؤية الباردة، يبدو واضحاً أن الإسرائيليين ليسوا في عجلة من أمرهم لإبرام تسوية متسرّعة. فالوقت الميداني والسياسي يخدم أجندتهم بالكامل، ما دامت إدارة الرئيس دونالد ترامب تمنحهم الغطاء والدعم المطلق، وما دامت القوى الدولية والإقليمية الكبرى قد وصلت إلى اقتناع مشترك بضرورة إنهاء أذرع إيران الإقليمية وكفّ يدها عن شاطئ المتوسط.

والسباق للسيطرة على أوسع مساحة ممكنة من المنطقة الجنوبية الاستراتيجية الممتدة حتى الزهراني هو هدف إسرائيل الأساسي في هذه المرحلة. فالمعادلة الثابتة اليوم في غرف القرار الدولي تفيد بأنه لا مجال استراتيجياً للعودة إلى الاتفاقات السابقة التي عُدّت فاشلة، وأن جغرافيا الأرض المحروقة والممسوكة عسكرياً هي الضمانة الوحيدة المقبولة إسرائيلياً وأميركياً.

لذلك، فإن إصرار تل أبيب على المضي في معارك النبطية وصور وصولاً إلى خط الزهراني قبل محطة 22 حزيران يهدف إلى حصر التفاوض السياسي المقبل بهدف واحد، يتمثل في ترتيب الآليات المناسبة لإدخال “حزب الله” في مسار التنازل الميداني والسياسي.

رسم خطوط قبل 22 حزيران!

الكاتب: طوني عيسى | المصدر: هنا لبنان
11 حزيران 2026

يبدو واضحاً أن الإسرائيليين ليسوا في عجلة من أمرهم لإبرام تسوية متسرّعة. فالوقت الميداني والسياسي يخدم أجندتهم بالكامل، ما دامت إدارة الرئيس دونالد ترامب تمنحهم الغطاء والدعم المُطلق، وما دامت القوى الدولية والإقليمية الكبرى قد وصلت إلى اقتناع مشترك بضرورة إنهاء أذرع إيران الإقليمية وكفّ يدها عن شاطئ المتوسط

 

بات مؤكداً أن القيادة الإسرائيلية تخوض سباقاً محموماً مع الوقت لاستعجال السيطرة على مواقع ومدن استراتيجية مفصلية في الجنوب، بهدف تثبيت الحزام الأمني الموسّع وتكريس وقائع ميدانية يصعب القفز فوقها في المسار السياسي.

تُحرّك إسرائيل آلتها العسكرية وعينها على الروزنامة الدبلوماسية. فالفترة الفاصلة عن موعد اللقاء التفاوضي التالي بين الوفدين اللبناني والإسرائيلي في وزارة الخارجية الأميركية، والمقرر في 22 حزيران الجاري، تمثل المهلة الميدانية المتاحة لإتمام هذه الاستراتيجية. والأرجح أن الجيش الإسرائيلي يحتاج إلى هذه الأيام الإضافية لإحكام السيطرة المباشرة أو فرض السيطرة النارية على مدينتي النبطية وصور ومواقع استراتيجية مهمة، ما يعني استمرار المعارك البرية العنيفة على الرقعة الجنوبية في المدى المنظور.

وهدف إسرائيل الأساسي راهناً يكمن في إحداث تحوّلات بنيوية على طاولة المفاوضات عبر القوة البرية. بل إن القيادة الإسرائيلية قد لا يزعجها بقاء الوضع القائم عسكرياً، لأنه يُتيح لها تكريس سيطرتها المطلقة جنوب الزهراني، بعدما أحكمت سيطرتها تماماً، في جولات سابقة، على جنوب الليطاني.

في مفهوم بنيامين نتنياهو، يمثّل إحكام القبضة على الجغرافيا وتثبيتها بالنار بديلاً استراتيجياً أنجع من إضاعة الوقت في إبرام اتفاق دبلوماسي جديد ومتسرّع مع لبنان لا يضمن في مندرجاته آلية نزع سلاح “حزب الله”. وهو يستند في هذا التقدير إلى عقدة اتفاق تشرين الثاني 2024. فالمؤسسة الأمنية الإسرائيلية ترى أن تجربة هذا الاتفاق أثبتت عقم الرهان على التعهّدات الورقية مع لبنان. فهي تلمّست مماطلةً وتلكؤاً من مؤسّسات الدولة اللبنانية في تنفيذ البنود المتعلقة بإنهاء سلاح “الحزب” فعلاً لا قولاً، إلى أن انفجرت الحرب الحالية وأظهرت، بصورة قاطعة، أن جنوب الليطاني ظلّ مسرحاً عملياتيّاً ومخزناً ضخماً للأنفاق والترسانة الصاروخية.

ويدرك الإسرائيليون والأميركيون أن لبنان الرسمي، على الرغم من انخراطه في المفاوضات المباشرة، سيتجنّب دائماً الدخول في مناخات تصادم داخلي أو مواجهة أهلية وعسكرية مع “حزب الله” لنزع سلاحه بقوة الأجهزة الرسمية، نظراً إلى خصوصيّة التركيبة اللبنانية الهشّة.

وبناءً على هذا الاستعصاء اللبناني الداخلي، يبدو أن الجالسين إلى طاولة المفاوضات في واشنطن يتجهون نحو اعتماد “أسلوب التدرّج العملياتي” كصيغة بديلة تمنع الانفجار الداخلي الكبير من جهة، وتنزع الذرائع من يد “حزب الله” من جهة أخرى. وهو مسار يحظى بترحيب لبناني رسمي، إذ يُتيح للمؤسسة العسكرية استكمال مهمّات الانتشار والربط المطلوبة منها ميدانياً، من دون التعرض لمآزق أو صدمات قد تشكّل تحدياً لقدراتها.

ويتولى السفير الأميركي في بيروت، ميشال عيسى، إدارة هذه الهندسة الحذرة بالتنسيق اللوجستي والسياسي المباشر مع رئيس مجلس النواب نبيه بري، لكونه الضامن الضمني لالتزام “حزب الله” بالحدود الدنيا من التفاهمات. ويتحرّك هذا المحور الدبلوماسي تحت عنوان محدّد: “إيضاح مُخرجات البيان الثلاثي” الذي صدر عن جلسة المفاوضات السياسية الأخيرة.

وتقوم هذه الآليّة التدريجية على تنفيذ ترتيبات أمنية وعسكرية مرحلية في مناطق جغرافية محددة تُصنف “مناطق نموذجية” أو “مناطق تجريبية”، مثل بلدتي زوطر وشقيف أرنون اللتين طُرحتا كاختبار أولي. وتتولّى واشنطن وقوى دولية وإقليمية تقديم المساعدات اللوجستية والميدانية المباشرة للجيش اللبناني، لتمكينه من بسط سلطته تدريجيّاً في هذه البقع، تمهيداً لتوسيعها بمرور الوقت وتجفيف البنية التحتية للسلاح غير الشرعي من دون صدام جبهوي.

وضمن هذه الرؤية الباردة، يبدو واضحاً أن الإسرائيليين ليسوا في عجلة من أمرهم لإبرام تسوية متسرّعة. فالوقت الميداني والسياسي يخدم أجندتهم بالكامل، ما دامت إدارة الرئيس دونالد ترامب تمنحهم الغطاء والدعم المطلق، وما دامت القوى الدولية والإقليمية الكبرى قد وصلت إلى اقتناع مشترك بضرورة إنهاء أذرع إيران الإقليمية وكفّ يدها عن شاطئ المتوسط.

والسباق للسيطرة على أوسع مساحة ممكنة من المنطقة الجنوبية الاستراتيجية الممتدة حتى الزهراني هو هدف إسرائيل الأساسي في هذه المرحلة. فالمعادلة الثابتة اليوم في غرف القرار الدولي تفيد بأنه لا مجال استراتيجياً للعودة إلى الاتفاقات السابقة التي عُدّت فاشلة، وأن جغرافيا الأرض المحروقة والممسوكة عسكرياً هي الضمانة الوحيدة المقبولة إسرائيلياً وأميركياً.

لذلك، فإن إصرار تل أبيب على المضي في معارك النبطية وصور وصولاً إلى خط الزهراني قبل محطة 22 حزيران يهدف إلى حصر التفاوض السياسي المقبل بهدف واحد، يتمثل في ترتيب الآليات المناسبة لإدخال “حزب الله” في مسار التنازل الميداني والسياسي.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار