خيبة تاجرَ العقارات وحائك السّجّاد

مضت عشرة أيّام من مهلة الستّين يوماً القابلة للتجديد، التي اتّفقت واشنطن وطهران عليها. تعدّ دول المنطقة والعالم الأيّام التي سيؤجّل معها تنفيذ مذكّرة التفاهم، وتراقب ما ستخلِّفه الالتباسات في بنود إنهاء الحرب. مع استمرار التفاوض التقنيّ بشأن الملفّ الرئيس للحرب، أي النوويّ، برز تباعد في مقاربة الدولتين لعدّة نقاط أهمّها مصير اليورانيوم المخصّب، نظام عمل المفتّشين الدوليّين ودور المنظّمة الدوليّة للطاقة الذرّيّة، وطريقة التعامل مع الإفراج عن أرصدة إيرانيّة لشراء الأغذية من المحصول الأميركيّ…
سرعان ما تبدّدت الصورة الورديّة التي أنتجتها حسابات الصفقات التي توصّل إليها تاجر العقارات الأميركيّ، وصانع السجّاد الإيرانيّ في الأيّام القليلة اللاحقة للتوقيع الافتراضيّ لمذكّرة التفاهم،.
لم تنطبق هذه الحسابات، إضافة إلى تفاؤل نائب الرئيس الأميركيّ جي دي فانس، على الواقع. ظهر أنّ الآمال الأميركيّة التي عُلِّقت على مذكّرة التفاهم، وعلى الصفقات تحت الطاولة، في إسلام آباد ثمّ في سويسرا، كانت تبسيطيّة.
“النيّات” على الورق بين أميركا وإيران غيرها في الميدان. كذلك “إعلان النيّات” المفترض بين إسرائيل ولبنان. أعادت الالتباسات المقصودة في النصوص الأمور إلى مربّع التأزّم عبر فرعين من فروع الحرب في الساعات الماضية:
1- يطلق “حرس الثورة” النار على سفينة عبرت مضيق هرمز لسلوكها مساراً مشاطئاً لسلطنة عُمان. كانت مذكّرة التفاهم اكتفت بالإشارة إلى عدم استيفاء “الحرس” للرسوم التي ابتدعتها قيادته مع بداية الحرب في 28 شباط الماضي. لكنّ قادته أصرّوا على استغلال إغفال النصّ لعدم التحكّم بمرور السفن، كي يحافظوا على الكلمة الأخيرة لهم، بشأن هذا المرور. والهدف إبقاء حرّيّة الملاحة في المضيق معلّقة على قرار “الحرس”.
2- ترفض إسرائيل في مفاوضات واشنطن مطلب لبنان الرسميّ الانسحاب من الجنوب، فتتمسّك بالبقاء على الرغم من الإصرار الأميركيّ على فلسفة “المناطق النموذجيّة” أو “التجريبيّة” للانسحاب التدريجيّ. صعّدت جنوباً خرقها لوقف النار، بموازاة مطلبها تجريد “الحزب” من السلاح وتقديم ضمانات بشأن قدرة الجيش على القيام بالمهمّة شمال نهر الليطاني وجنوبه. في المقابل بُحَّ صوت “الحزب” صراخاً، اعتراضاً على التفاوض المباشر مع إسرائيل، تعبيراً عن رفض “الحرس” فصل وقف نكبة لبنان عن إمرته ودوره على الساحة اللبنانيّة.
قاسم… و”الحرس” وسيطاً مع أميركا؟
تكمن المفارقة العجيبة بشأن لبنان في دعوة “الحرس” عبر “الحزب” السلطة اللبنانيّة إلى وضع أوراقها في سلّة إيران بدلاً من مسار مفاوضات واشنطن، بحجّة أنّ طهران قادرة عبر علاقتها الجديدة مع أميركا على انتزاع مطالب لبنان عن طريق ضغط أميركيّ مفترض على إسرائيل. تجلّت المفارقة بدعوة الشيخ نعيم قاسم في كلمة له في 23 حزيران السلطة إلى الذهاب ومعالجة وضعها مع إيران، “والذي أمركم بأن تقطعوا العلاقة مع إيران هو يعيد هذه العلاقة”. أضاف: “أميركا لها مصالح في لبنان، لها مصالح في إيران، ولها مصالح في كلّ مكان، وتستطيع أميركا أن تأخذ مصالحها في لبنان وفي غير لبنان”.
مكمن الغرابة في ما قاله قاسم أنّه ينصح السلطة اللبنانيّة بسلوك التوجّه نفسه الذي تعتمده منذ دخلت المفاوضات مع إسرائيل برعاية أميركيّة. يراهن القادة اللبنانيّون على ضغوط أميركيّة على الجانب الإسرائيليّ كي يقبل ببرمجة انسحابه.
الرّهان اللّبنانيّ على أميركا
أركان الحكم اللبنانيّ، بمن فيهم حليف “الحزب” رئيس البرلمان نبيه برّي، حاسمون بأن لا خيار أمام لبنان سوى اللجوء إلى أميركا من أجل وقف الحرب الإسرائيليّة على البلد. لمس هؤلاء تفهّماً من البيت الأبيض لمطلبهم، ولمسألة انسحاب إسرائيل، نتيجة عوامل عدّة أهمّها إثبات هؤلاء استقلاليّة قرارهم عن طهران، واستعدادهم لحصر السلاح بيد الدولة وحدها. بل إنّ “الحزب” نفسه ساهم في تكوين هذا التفهّم الأميركيّ لموقف حكّام لبنان عبر هجوم قادته والمسؤولين الإيرانيّين على توجّهات رئيسَي الجمهوريّة العماد جوزف عون والحكومة نوّاف سلام. وهذا ما دفع دونالد ترامب إلى امتداح الرئيس اللبنانيّ والحكومة أكثر من مرّة.
لا أوهام لدى المفاوض اللبنانيّ في واشنطن في ما يتّصل بالخلاف بين ترامب وبنيامين نتنياهو، لكنّ الرهان على الضغوط الأميركيّة على تل أبيب يعود إلى جملة وقائع تتعلّق باهتمام ترامب نفسه بوقف الحرب ضدّ لبنان. تبدأ العوامل الموضوعيّة للاهتمام الأميركيّ بلبنان بأهميّته كمنصّة للنفوذ الإقليميّ لواشنطن، الذي باتت سوريا الدولة المحوريّة في دائرته.
في طليعة أسباب الاهتمام الرعايّة السعوديّة والخليجيّة للمرحلة الجديدة من الحكم فيه، ولا تنتهي عند الدور الأوروبيّ والفاتيكانيّ في نسج شبكة أمان حوله. لكنّ عوامل خاصّة بالبلد الصغير تضاف إلى أسباب اهتمام ترامب بوقف الحرب على لبنان، أوّلها تأثير الناخبين الأميركيّين من أصل لبناني، على محدوديّة عددهم، في الانتخابات النصفيّة المقبلة في تشرين الثاني، وبينهم الكثير من الشيعة الذين تعرّض أقاربهم للوحشيّة الإسرائيليّة.
لبنانيّو ترامب وأوهام “الحزب”
وفق قول مرجع لبنانيّ لـ”أساس”، حرصُ ترامب على التواصل المباشر مع سفيرة لبنان في واشنطن ندى حمادة معوّض له دلالة. يحصر البروتوكول الدبلوماسيّ التواصل مع السفراء بوزارة الخارجيّة، وبموظّفين في البيت الأبيض. يضاف إلى ذلك التواصل المستمرّ لوزير الخارجيّة ماركو روبيو ونائب الرئيس جي دي فانس مع الرئيس عون، ولا ينتقص المرجع من الدور الذي يلعبه بعض رجال إدارة ترامب اللبنانيّي الأصل، مثل توم بارّاك، مسعد بولس، والسفير ميشال عيسى، في التعاطف مع لبنان. حتّى قائد القيادة المركزيّة (سنتكوم) الجنرال براد كوبر يفاخر بأنّ جدّته لبنانيّة الأصل من إحدى قرى جبل لبنان.
ما يهمله “الحزب” جرّاء قناعته بأنّه و”الحرس” حقّقا انتصاراً باهراً على أميركا وإسرائيل، بنتيجة مذكّرة التفاهم، أنّ اضطرار دونالد ترامب إلى إنهاء الحرب لأسباب داخليّة وأخرى تتعلّق بتأثير إقفال هرمز على الاقتصاد العالميّ لا يعني تخلّيه عن إنهاء انفلاش إيران الإقليميّ. تتمسّك إدارته بهدف إنهاء الأدوار العسكريّة لـ”اللاعبين غير الحكوميّين” المسلّحين الذين رعتهم طهران، وفي طليعتهم “الحزب”. تبدو “عزيمة” قاسم للحكم اللبنانيّ على وليمة التعاون الأميركيّ الإيرانيّ أقرب إلى الغرق بالأوهام.
خيبة تاجرَ العقارات وحائك السّجّاد

مضت عشرة أيّام من مهلة الستّين يوماً القابلة للتجديد، التي اتّفقت واشنطن وطهران عليها. تعدّ دول المنطقة والعالم الأيّام التي سيؤجّل معها تنفيذ مذكّرة التفاهم، وتراقب ما ستخلِّفه الالتباسات في بنود إنهاء الحرب. مع استمرار التفاوض التقنيّ بشأن الملفّ الرئيس للحرب، أي النوويّ، برز تباعد في مقاربة الدولتين لعدّة نقاط أهمّها مصير اليورانيوم المخصّب، نظام عمل المفتّشين الدوليّين ودور المنظّمة الدوليّة للطاقة الذرّيّة، وطريقة التعامل مع الإفراج عن أرصدة إيرانيّة لشراء الأغذية من المحصول الأميركيّ…
سرعان ما تبدّدت الصورة الورديّة التي أنتجتها حسابات الصفقات التي توصّل إليها تاجر العقارات الأميركيّ، وصانع السجّاد الإيرانيّ في الأيّام القليلة اللاحقة للتوقيع الافتراضيّ لمذكّرة التفاهم،.
لم تنطبق هذه الحسابات، إضافة إلى تفاؤل نائب الرئيس الأميركيّ جي دي فانس، على الواقع. ظهر أنّ الآمال الأميركيّة التي عُلِّقت على مذكّرة التفاهم، وعلى الصفقات تحت الطاولة، في إسلام آباد ثمّ في سويسرا، كانت تبسيطيّة.
“النيّات” على الورق بين أميركا وإيران غيرها في الميدان. كذلك “إعلان النيّات” المفترض بين إسرائيل ولبنان. أعادت الالتباسات المقصودة في النصوص الأمور إلى مربّع التأزّم عبر فرعين من فروع الحرب في الساعات الماضية:
1- يطلق “حرس الثورة” النار على سفينة عبرت مضيق هرمز لسلوكها مساراً مشاطئاً لسلطنة عُمان. كانت مذكّرة التفاهم اكتفت بالإشارة إلى عدم استيفاء “الحرس” للرسوم التي ابتدعتها قيادته مع بداية الحرب في 28 شباط الماضي. لكنّ قادته أصرّوا على استغلال إغفال النصّ لعدم التحكّم بمرور السفن، كي يحافظوا على الكلمة الأخيرة لهم، بشأن هذا المرور. والهدف إبقاء حرّيّة الملاحة في المضيق معلّقة على قرار “الحرس”.
2- ترفض إسرائيل في مفاوضات واشنطن مطلب لبنان الرسميّ الانسحاب من الجنوب، فتتمسّك بالبقاء على الرغم من الإصرار الأميركيّ على فلسفة “المناطق النموذجيّة” أو “التجريبيّة” للانسحاب التدريجيّ. صعّدت جنوباً خرقها لوقف النار، بموازاة مطلبها تجريد “الحزب” من السلاح وتقديم ضمانات بشأن قدرة الجيش على القيام بالمهمّة شمال نهر الليطاني وجنوبه. في المقابل بُحَّ صوت “الحزب” صراخاً، اعتراضاً على التفاوض المباشر مع إسرائيل، تعبيراً عن رفض “الحرس” فصل وقف نكبة لبنان عن إمرته ودوره على الساحة اللبنانيّة.
قاسم… و”الحرس” وسيطاً مع أميركا؟
تكمن المفارقة العجيبة بشأن لبنان في دعوة “الحرس” عبر “الحزب” السلطة اللبنانيّة إلى وضع أوراقها في سلّة إيران بدلاً من مسار مفاوضات واشنطن، بحجّة أنّ طهران قادرة عبر علاقتها الجديدة مع أميركا على انتزاع مطالب لبنان عن طريق ضغط أميركيّ مفترض على إسرائيل. تجلّت المفارقة بدعوة الشيخ نعيم قاسم في كلمة له في 23 حزيران السلطة إلى الذهاب ومعالجة وضعها مع إيران، “والذي أمركم بأن تقطعوا العلاقة مع إيران هو يعيد هذه العلاقة”. أضاف: “أميركا لها مصالح في لبنان، لها مصالح في إيران، ولها مصالح في كلّ مكان، وتستطيع أميركا أن تأخذ مصالحها في لبنان وفي غير لبنان”.
مكمن الغرابة في ما قاله قاسم أنّه ينصح السلطة اللبنانيّة بسلوك التوجّه نفسه الذي تعتمده منذ دخلت المفاوضات مع إسرائيل برعاية أميركيّة. يراهن القادة اللبنانيّون على ضغوط أميركيّة على الجانب الإسرائيليّ كي يقبل ببرمجة انسحابه.
الرّهان اللّبنانيّ على أميركا
أركان الحكم اللبنانيّ، بمن فيهم حليف “الحزب” رئيس البرلمان نبيه برّي، حاسمون بأن لا خيار أمام لبنان سوى اللجوء إلى أميركا من أجل وقف الحرب الإسرائيليّة على البلد. لمس هؤلاء تفهّماً من البيت الأبيض لمطلبهم، ولمسألة انسحاب إسرائيل، نتيجة عوامل عدّة أهمّها إثبات هؤلاء استقلاليّة قرارهم عن طهران، واستعدادهم لحصر السلاح بيد الدولة وحدها. بل إنّ “الحزب” نفسه ساهم في تكوين هذا التفهّم الأميركيّ لموقف حكّام لبنان عبر هجوم قادته والمسؤولين الإيرانيّين على توجّهات رئيسَي الجمهوريّة العماد جوزف عون والحكومة نوّاف سلام. وهذا ما دفع دونالد ترامب إلى امتداح الرئيس اللبنانيّ والحكومة أكثر من مرّة.
لا أوهام لدى المفاوض اللبنانيّ في واشنطن في ما يتّصل بالخلاف بين ترامب وبنيامين نتنياهو، لكنّ الرهان على الضغوط الأميركيّة على تل أبيب يعود إلى جملة وقائع تتعلّق باهتمام ترامب نفسه بوقف الحرب ضدّ لبنان. تبدأ العوامل الموضوعيّة للاهتمام الأميركيّ بلبنان بأهميّته كمنصّة للنفوذ الإقليميّ لواشنطن، الذي باتت سوريا الدولة المحوريّة في دائرته.
في طليعة أسباب الاهتمام الرعايّة السعوديّة والخليجيّة للمرحلة الجديدة من الحكم فيه، ولا تنتهي عند الدور الأوروبيّ والفاتيكانيّ في نسج شبكة أمان حوله. لكنّ عوامل خاصّة بالبلد الصغير تضاف إلى أسباب اهتمام ترامب بوقف الحرب على لبنان، أوّلها تأثير الناخبين الأميركيّين من أصل لبناني، على محدوديّة عددهم، في الانتخابات النصفيّة المقبلة في تشرين الثاني، وبينهم الكثير من الشيعة الذين تعرّض أقاربهم للوحشيّة الإسرائيليّة.
لبنانيّو ترامب وأوهام “الحزب”
وفق قول مرجع لبنانيّ لـ”أساس”، حرصُ ترامب على التواصل المباشر مع سفيرة لبنان في واشنطن ندى حمادة معوّض له دلالة. يحصر البروتوكول الدبلوماسيّ التواصل مع السفراء بوزارة الخارجيّة، وبموظّفين في البيت الأبيض. يضاف إلى ذلك التواصل المستمرّ لوزير الخارجيّة ماركو روبيو ونائب الرئيس جي دي فانس مع الرئيس عون، ولا ينتقص المرجع من الدور الذي يلعبه بعض رجال إدارة ترامب اللبنانيّي الأصل، مثل توم بارّاك، مسعد بولس، والسفير ميشال عيسى، في التعاطف مع لبنان. حتّى قائد القيادة المركزيّة (سنتكوم) الجنرال براد كوبر يفاخر بأنّ جدّته لبنانيّة الأصل من إحدى قرى جبل لبنان.
ما يهمله “الحزب” جرّاء قناعته بأنّه و”الحرس” حقّقا انتصاراً باهراً على أميركا وإسرائيل، بنتيجة مذكّرة التفاهم، أنّ اضطرار دونالد ترامب إلى إنهاء الحرب لأسباب داخليّة وأخرى تتعلّق بتأثير إقفال هرمز على الاقتصاد العالميّ لا يعني تخلّيه عن إنهاء انفلاش إيران الإقليميّ. تتمسّك إدارته بهدف إنهاء الأدوار العسكريّة لـ”اللاعبين غير الحكوميّين” المسلّحين الذين رعتهم طهران، وفي طليعتهم “الحزب”. تبدو “عزيمة” قاسم للحكم اللبنانيّ على وليمة التعاون الأميركيّ الإيرانيّ أقرب إلى الغرق بالأوهام.








