مَن هم تحت القانون يُموِّلون مَن هم فوق القانون!

الكاتب: جان الفغالي | المصدر: هنا لبنان
27 حزيران 2026

لا يمكن لأي دولة أن تستقيم إذا بقي قرار الحرب خارج مؤسّساتها الدستورية. ولا يمكن لأي اقتصاد أن يتعافى إذا ظلّ معرّضًا، في أي لحظة، لقرارات لا تخضع للحسابات الوطنية الشاملة. ولا يمكن لأي مواطن أن يشعر بالعدالة إذا كان مطالبًا دائمًا بالدفع، فيما القرار بيد غيره.

 

في الدول الطبيعية، تقوم العلاقة بين المواطن والدولة على عقد واضح: يدفع المواطن الضرائب والرسوم، وتلتزم الدولة بتأمين الأمن والخدمات والبنى التحتية وحماية السيادة. أمّا في لبنان، فقد تحوّل هذا العقد إلى معادلة شاذّة ومقلوبة، إذ يجد المواطن نفسه مُطالبًا بتمويل إعادة إعمار ما تهدّم، فيما القرارات التي أدّت إلى التدمير تُتخذ خارج مؤسّسات الدولة ومن دون العودة إليها.

السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط مَن سيدفع فاتورة إعادة الإعمار، بل مَن يتحمّل مسؤولية التدمير أصلًا؟ وهل من العدل أن يتحمّل المواطن اللبناني، الذي يرزح تحت وطأة الضرائب والرسوم والأزمات الاقتصادية المُتلاحقة، كلفة قرارات لم يكن شريكًا فيها ولم يوافق عليها؟

لقد قامت فكرة الدولة الحديثة على احتكار السلطة الشرعيّة لاستخدام القوة. فالحرب والسّلم من أخطر القرارات التي يمكن أن تواجه أي شعب، ولذلك تُتخذ عبر المؤسّسات الدستورية المنتخبة التي تمثّل المواطنين وتتحمّل أمامهم المسؤولية السياسية والقانونية. لكنّ الواقع اللبناني، منذ سنوات طويلة، يسير في اتجاهٍ مُختلفٍ، حيث أصبح هناك طرف مسلّح يمتلك القدرة على اتخاذ قرارات مصيريّة تتعلّق بالحرب والمواجهة العسكرية بمعزل عن مؤسّسات الدولة.

وعندما تندلع الحرب وتتوسّع المواجهات، لا تقتصر النتائج على الخسائر العسكرية أو السياسية، بل تمتدّ إلى حياة النّاس اليومية: منازل مدمّرة، ومؤسّسات مقفلة ومهدّمة، واستثمارات هاربة، وفرص عمل ضائعة. وعند انتهاء المعارك تبدأ مرحلة جديدة عنوانها إعادة الإعمار، لتظهر الدولة مجدّدًا بوصفها الجهة المطالبة بترميم ما تهدم، على الرغم من أنها لم تكن صاحبة القرار الذي قاد إلى الكارثة.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى. المواطن الذي يدفع ضريبة القيمة المضافة، والرسوم الجمركية، وضرائب الدخل، والرسوم البلدية، وسائر الأعباء المالية، يجد نفسه مُجبرًا على المساهمة في إصلاح نتائج قرارات لم يُشارك في اتخاذها. الموظف، والعامل، وصاحب المؤسّسة الصغيرة، والمتقاعد، جميعهم يصبحون شركاء في تمويل فاتورة حرب لم يقرّروا خوضها.

المشكلة لا تقتصر على الجانب المالي فقط، بل تمتدّ إلى مفهوم العدالة السياسية نفسه. ففي أي نظام ديمقراطي، ترتبط السلطة بالمسؤولية. مَن يتخذ القرار يتحمّل نتائجه، ومَن يملك الصلاحية يتحمّل المحاسبة. أمّا عندما تكون هناك جهة قادرة على اتخاذ قرار الحرب من دون تحمّل تبعاته المالية أو السياسية أو القانونية، فإنّ ميزان العدالة يختلّ بصورة جوهرية.

إن إعادة إعمار ما دمّرته الحروب ضرورة وطنية وإنسانية لا خلاف عليها، لأنّ المتضرّرين هم مواطنون لبنانيون يستحقّون الدعم والمساعدة. لكن ذلك لا يُلغي حقّ اللبنانيّين في طرح الأسئلة الصعبة: مَن قرر؟ ومَن يتحمل المسؤولية؟ ومَن يدفع الثمن؟ ولماذا تتحوّل الخزينة العامة إلى صندوق لتغطية نتائج قرارات اتُّخذت خارج مؤسّساتها؟

لقد عانى لبنان خلال العقود الماضية من تكرار هذا المشهد. تُتخذ قرارات كبرى خارج إطار الدولة، ثم يُطلب من الدولة أن تتدخّل لإنقاذ الوضع، وأن تستدين، وأن تجمع الضرائب، وأن تطلب المساعدات الخارجية، وأن تتحمّل أعباء إعادة البناء. وفي كلّ مرة تتراجع قدرة الدولة على القيام بوظائفها الأساسية، فيما يزداد العبء على المواطنين الذين يُفترض أنهم أصحاب السيادة ومصدر الشرعية.

الأخطر من ذلك أنّ استمرار هذه المعادلة يوجه رسالة سلبيّة إلى المجتمع اللبناني وإلى العالم في آنٍ واحد. فهو يقول إنّ هناك فئة تخضع للقوانين وتدفع الضرائب وتتحمّل الأعباء، وفئة أخرى تملك حقّ اتخاذ القرارات المصيرية من دون أن تخضع للآليّات نفسها أو للمحاسبة ذاتها. وهذا ما يضرب أسس الدولة الحديثة ويجعل مفهوم المواطنة المتساوية مجرّد شعار لا أكثر.

إنّ النقاش الحقيقي اليوم لا يجب أن يقتصر على كيفية جمع الأموال لإعادة الإعمار، بل يجب أن يتناول أيضًا مسألة القرار الوطني نفسه. فمن غير المنطقي أن يبقى اللبنانيون يدفعون أثمان حروب لا يقرّرونها، ثم يُطلب منهم لاحقًا تمويل إعادة إعمار نتائجها. فالمشكلة ليست فقط في فاتورة الترميم، بل في الآليّة التي تنتج هذه الفواتير المتكرّرة.

لا يمكن لأي دولة أن تستقيم إذا بقي قرار الحرب خارج مؤسّساتها الدستورية. ولا يمكن لأي اقتصاد أن يتعافى إذا ظلّ معرّضًا، في أي لحظة، لقرارات لا تخضع للحسابات الوطنية الشاملة. ولا يمكن لأي مواطن أن يشعر بالعدالة إذا كان مطالبًا دائمًا بالدفع، فيما القرار بيد غيره.

في النهاية، ليست القضية قضية حزب أو فريق سياسي بعينه، بل قضية مبدأ يتعلّق بطبيعة الدولة التي يريدها اللبنانيون. هل يريدون دولة يكون جميع مواطنيها تحت القانون، وتُتخذ فيها القرارات المصيرية عبر المؤسّسات الشرعية؟ أم يريدون استمرار واقع تكون فيه كلفة القرارات على الجميع، فيما سلطة اتخاذها محصورة ببعضهم؟

هذا هو السؤال الذي يواجه لبنان اليوم: هل يبقى الذين تحت القانون يموّلون نتائج قرارات يتخذها مَن هم فوق القانون، أم آن الأوان لإعادة ربط السلطة بالمسؤوليّة، والقرار بالمحاسبة، والحرب والسلم بالدولة وحدها؟

مَن هم تحت القانون يُموِّلون مَن هم فوق القانون!

الكاتب: جان الفغالي | المصدر: هنا لبنان
27 حزيران 2026

لا يمكن لأي دولة أن تستقيم إذا بقي قرار الحرب خارج مؤسّساتها الدستورية. ولا يمكن لأي اقتصاد أن يتعافى إذا ظلّ معرّضًا، في أي لحظة، لقرارات لا تخضع للحسابات الوطنية الشاملة. ولا يمكن لأي مواطن أن يشعر بالعدالة إذا كان مطالبًا دائمًا بالدفع، فيما القرار بيد غيره.

 

في الدول الطبيعية، تقوم العلاقة بين المواطن والدولة على عقد واضح: يدفع المواطن الضرائب والرسوم، وتلتزم الدولة بتأمين الأمن والخدمات والبنى التحتية وحماية السيادة. أمّا في لبنان، فقد تحوّل هذا العقد إلى معادلة شاذّة ومقلوبة، إذ يجد المواطن نفسه مُطالبًا بتمويل إعادة إعمار ما تهدّم، فيما القرارات التي أدّت إلى التدمير تُتخذ خارج مؤسّسات الدولة ومن دون العودة إليها.

السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط مَن سيدفع فاتورة إعادة الإعمار، بل مَن يتحمّل مسؤولية التدمير أصلًا؟ وهل من العدل أن يتحمّل المواطن اللبناني، الذي يرزح تحت وطأة الضرائب والرسوم والأزمات الاقتصادية المُتلاحقة، كلفة قرارات لم يكن شريكًا فيها ولم يوافق عليها؟

لقد قامت فكرة الدولة الحديثة على احتكار السلطة الشرعيّة لاستخدام القوة. فالحرب والسّلم من أخطر القرارات التي يمكن أن تواجه أي شعب، ولذلك تُتخذ عبر المؤسّسات الدستورية المنتخبة التي تمثّل المواطنين وتتحمّل أمامهم المسؤولية السياسية والقانونية. لكنّ الواقع اللبناني، منذ سنوات طويلة، يسير في اتجاهٍ مُختلفٍ، حيث أصبح هناك طرف مسلّح يمتلك القدرة على اتخاذ قرارات مصيريّة تتعلّق بالحرب والمواجهة العسكرية بمعزل عن مؤسّسات الدولة.

وعندما تندلع الحرب وتتوسّع المواجهات، لا تقتصر النتائج على الخسائر العسكرية أو السياسية، بل تمتدّ إلى حياة النّاس اليومية: منازل مدمّرة، ومؤسّسات مقفلة ومهدّمة، واستثمارات هاربة، وفرص عمل ضائعة. وعند انتهاء المعارك تبدأ مرحلة جديدة عنوانها إعادة الإعمار، لتظهر الدولة مجدّدًا بوصفها الجهة المطالبة بترميم ما تهدم، على الرغم من أنها لم تكن صاحبة القرار الذي قاد إلى الكارثة.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى. المواطن الذي يدفع ضريبة القيمة المضافة، والرسوم الجمركية، وضرائب الدخل، والرسوم البلدية، وسائر الأعباء المالية، يجد نفسه مُجبرًا على المساهمة في إصلاح نتائج قرارات لم يُشارك في اتخاذها. الموظف، والعامل، وصاحب المؤسّسة الصغيرة، والمتقاعد، جميعهم يصبحون شركاء في تمويل فاتورة حرب لم يقرّروا خوضها.

المشكلة لا تقتصر على الجانب المالي فقط، بل تمتدّ إلى مفهوم العدالة السياسية نفسه. ففي أي نظام ديمقراطي، ترتبط السلطة بالمسؤولية. مَن يتخذ القرار يتحمّل نتائجه، ومَن يملك الصلاحية يتحمّل المحاسبة. أمّا عندما تكون هناك جهة قادرة على اتخاذ قرار الحرب من دون تحمّل تبعاته المالية أو السياسية أو القانونية، فإنّ ميزان العدالة يختلّ بصورة جوهرية.

إن إعادة إعمار ما دمّرته الحروب ضرورة وطنية وإنسانية لا خلاف عليها، لأنّ المتضرّرين هم مواطنون لبنانيون يستحقّون الدعم والمساعدة. لكن ذلك لا يُلغي حقّ اللبنانيّين في طرح الأسئلة الصعبة: مَن قرر؟ ومَن يتحمل المسؤولية؟ ومَن يدفع الثمن؟ ولماذا تتحوّل الخزينة العامة إلى صندوق لتغطية نتائج قرارات اتُّخذت خارج مؤسّساتها؟

لقد عانى لبنان خلال العقود الماضية من تكرار هذا المشهد. تُتخذ قرارات كبرى خارج إطار الدولة، ثم يُطلب من الدولة أن تتدخّل لإنقاذ الوضع، وأن تستدين، وأن تجمع الضرائب، وأن تطلب المساعدات الخارجية، وأن تتحمّل أعباء إعادة البناء. وفي كلّ مرة تتراجع قدرة الدولة على القيام بوظائفها الأساسية، فيما يزداد العبء على المواطنين الذين يُفترض أنهم أصحاب السيادة ومصدر الشرعية.

الأخطر من ذلك أنّ استمرار هذه المعادلة يوجه رسالة سلبيّة إلى المجتمع اللبناني وإلى العالم في آنٍ واحد. فهو يقول إنّ هناك فئة تخضع للقوانين وتدفع الضرائب وتتحمّل الأعباء، وفئة أخرى تملك حقّ اتخاذ القرارات المصيرية من دون أن تخضع للآليّات نفسها أو للمحاسبة ذاتها. وهذا ما يضرب أسس الدولة الحديثة ويجعل مفهوم المواطنة المتساوية مجرّد شعار لا أكثر.

إنّ النقاش الحقيقي اليوم لا يجب أن يقتصر على كيفية جمع الأموال لإعادة الإعمار، بل يجب أن يتناول أيضًا مسألة القرار الوطني نفسه. فمن غير المنطقي أن يبقى اللبنانيون يدفعون أثمان حروب لا يقرّرونها، ثم يُطلب منهم لاحقًا تمويل إعادة إعمار نتائجها. فالمشكلة ليست فقط في فاتورة الترميم، بل في الآليّة التي تنتج هذه الفواتير المتكرّرة.

لا يمكن لأي دولة أن تستقيم إذا بقي قرار الحرب خارج مؤسّساتها الدستورية. ولا يمكن لأي اقتصاد أن يتعافى إذا ظلّ معرّضًا، في أي لحظة، لقرارات لا تخضع للحسابات الوطنية الشاملة. ولا يمكن لأي مواطن أن يشعر بالعدالة إذا كان مطالبًا دائمًا بالدفع، فيما القرار بيد غيره.

في النهاية، ليست القضية قضية حزب أو فريق سياسي بعينه، بل قضية مبدأ يتعلّق بطبيعة الدولة التي يريدها اللبنانيون. هل يريدون دولة يكون جميع مواطنيها تحت القانون، وتُتخذ فيها القرارات المصيرية عبر المؤسّسات الشرعية؟ أم يريدون استمرار واقع تكون فيه كلفة القرارات على الجميع، فيما سلطة اتخاذها محصورة ببعضهم؟

هذا هو السؤال الذي يواجه لبنان اليوم: هل يبقى الذين تحت القانون يموّلون نتائج قرارات يتخذها مَن هم فوق القانون، أم آن الأوان لإعادة ربط السلطة بالمسؤوليّة، والقرار بالمحاسبة، والحرب والسلم بالدولة وحدها؟

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار