ألف ليلة وليلة!

الكاتب: فارس خشان | المصدر: النهار
4 تموز 2026

بعد مرور ألف يوم على هجوم السابع من أكتوبر، تبدو المنطقة مختلفة جذرياً، لكن لبنان يبدو الأكثر دفعاً للأثمان مقارنة بحجم التحديات التي غامر “محور المقاومة” من أجلها.

فمنذ اللحظة التي قرر فيها “الحزب” فتح “جبهة الإسناد”، دخل لبنان حرباً لم يكن قرارها بيد دولته، ولم تكن أهدافها مرتبطة بمصالحه الوطنية، بل بحسابات المحور الذي تقوده إيران.

اليوم، وبعد ألف يوم، يصعب على أي مراقب تجاهل حقيقة أن إسرائيل خرجت من الحرب بجيش أكثر خبرة، وأكثر استعداداً، وأكثر قدرة على العمل في أكثر من جبهة في وقت واحد، فيما خرج لبنان بدولة أضعف، واقتصاد أكثر انهياراً، وجنوب مدمر، وسكان دفعوا أثماناً باهظة من أمنهم وأرزاقهم ومستقبلهم.

منذ الثامن من أكتوبر 2023، لم يكن السؤال في لبنان: هل يجب فتح الجبهة؟ بل: من يملك القدرة على تحمل تكاليفها؟

لقد اتخذ “الحزب” قرار الحرب منفرداً، خارج المؤسسات الدستورية، تماماً كما اتخذ سابقاً قرار امتلاك السلاح. وهنا تكمن المعضلة اللبنانية الأساسية: الدولة لم تكن صاحبة قرار السلم ولا الحرب، لكنها أصبحت صاحبة الفاتورة.

فالقرى الجنوبية دُمّرت، والبنى التحتية تضررت، والاقتصاد خسر مليارات الدولارات، والاستثمارات تبخرت، فيما لم يكن لدى الحكومة اللبنانية أي قدرة فعلية على التأثير في مسار الأحداث.

قد تختلف التقديرات بشأن حجم الإنجازات العسكرية الإسرائيلية، لكن يصعب إنكار أن إسرائيل نجحت في توجيه ضربات قاسية إلى قيادة “الحزب” وبنيته العسكرية، كما تمكنت من تقليص جزء كبير من قدراته الهجومية، وفرضت واقعاً أمنياً جديداً ليس على الحدود فقط بل على السلطة اللبنانية أيضاً.

أما لبنان، فلم يحقق أي مكسب وطني مقابل هذه الخسائر. فلم تتحرر أرض جديدة، ولم تتحسن شروط الدولة، ولم يُرفع العبء الاقتصادي عن اللبنانيين، بل على العكس، ازدادت مشاكل لبنان، وتراجعت ثقة المجتمع الدولي بقدرته على تنفيذ التزاماته، وفي مقدمتها القرار 1701 وحصر السلاح بيد الدولة، وأصبح التعامل المستقبلي مع حقه باستعادة سيادته مبنياً على نجاحه في تجارب ارتضى أن يخضع لها!

إيران… الرابح السياسي والخاسر الاستراتيجي

كانت طهران تنظر إلى لبنان باعتباره أهم ساحات نفوذها في الشرق الأوسط، لكن الحرب أظهرت أيضاً حدود هذا النفوذ.

فالمحور الذي أرادت إيران أن يبدو متماسكاً تعرض لضربات متزامنة في غزة ولبنان وسوريا، وأصبح مضطراً إلى إعادة ترتيب أولوياته.

تكشف تجربة الألف يوم مجدداً أن المشكلة اللبنانية لا تبدأ بالحرب، بل بالسلاح الخارج عن الدولة.

فوجود تنظيم عسكري يملك قرار الحرب والسلم يعني عملياً وجود دولة موازية، لها استراتيجيتها وتحالفاتها وحساباتها الخاصة، حتى لو تعارضت مع مصالح الدولة اللبنانية. وهذه ليست مشكلة أمنية فحسب، بل هي أصل الانهيار السياسي والاقتصادي. فلا استثمارات تأتي إلى بلد لا تحتكر دولته قرار الأمن، ولا إصلاحات تنجح في ظل ازدواجية السلطة، ولا مؤسسات تستعيد ثقة المواطنين إذا بقي القرار النهائي خارجها.

بعد ألف يوم، لا يزال الجنوب اللبناني يواجه تحدياً مزدوجاً. فإعادة الإعمار تحتاج إلى مليارات الدولارات، فيما يشترط المجتمع الدولي إصلاحات سياسية وأمنية قبل ضخ أي مساعدات كبيرة.

وفي المقابل، لا يبدو أن “الحزب” مستعد للتخلي عن سلاحه، بينما تؤكد إسرائيل أنها ستواصل عملياتها العسكرية كلما رأت تهديداً لأمنها، ولن تتخلى في الوقت نفسه عن شريط أمني أقامته وأخلته من المباني والسكان والبنية التحتية!

ربما يكون أهم ما كشفته هذه الحرب أن معادلة “السلاح يحمي لبنان” تعرضت لاختبار قاسٍ. فالنتيجة العملية كانت أن الدولة أصبحت أكثر ضعفاً، والاقتصاد أكثر انهياراً، والهجرة أكثر اتساعاً، فيما ازداد اعتماد لبنان على الخارج لإنقاذه مالياً وسياسياً.

لقد أثبتت التجربة أن أي سلاح خارج إطار الدولة، مهما كانت الشعارات التي يرفعها، يحوّل الدولة نفسها إلى الحلقة الأضعف.

بعد ألف يوم، لا يبدو السؤال الحقيقي هو من ربح المعركة العسكرية، بل من دفع الثمن الأكبر.

والجواب بالنسبة إلى اللبنانيين واضح: الدولة اللبنانية، والاقتصاد اللبناني، والمجتمع اللبناني كانوا الخاسر الأكبر.

أما الخروج من هذه الحلقة، فلن يكون عبر جولة عسكرية جديدة، ولا عبر شعارات “المقاومة” أو “النصر”، بل عبر استعادة الدولة لاحتكارها الكامل للسلاح وقرار الحرب والسلم، وبناء سياسة خارجية تنطلق من المصلحة الوطنية اللبنانية لا من أولويات المحاور الإقليمية.

فلبنان، بعد ألف يوم، يحتاج إلى دولة أكثر مما يحتاج إلى جبهة جديدة.

ألف ليلة وليلة!

الكاتب: فارس خشان | المصدر: النهار
4 تموز 2026

بعد مرور ألف يوم على هجوم السابع من أكتوبر، تبدو المنطقة مختلفة جذرياً، لكن لبنان يبدو الأكثر دفعاً للأثمان مقارنة بحجم التحديات التي غامر “محور المقاومة” من أجلها.

فمنذ اللحظة التي قرر فيها “الحزب” فتح “جبهة الإسناد”، دخل لبنان حرباً لم يكن قرارها بيد دولته، ولم تكن أهدافها مرتبطة بمصالحه الوطنية، بل بحسابات المحور الذي تقوده إيران.

اليوم، وبعد ألف يوم، يصعب على أي مراقب تجاهل حقيقة أن إسرائيل خرجت من الحرب بجيش أكثر خبرة، وأكثر استعداداً، وأكثر قدرة على العمل في أكثر من جبهة في وقت واحد، فيما خرج لبنان بدولة أضعف، واقتصاد أكثر انهياراً، وجنوب مدمر، وسكان دفعوا أثماناً باهظة من أمنهم وأرزاقهم ومستقبلهم.

منذ الثامن من أكتوبر 2023، لم يكن السؤال في لبنان: هل يجب فتح الجبهة؟ بل: من يملك القدرة على تحمل تكاليفها؟

لقد اتخذ “الحزب” قرار الحرب منفرداً، خارج المؤسسات الدستورية، تماماً كما اتخذ سابقاً قرار امتلاك السلاح. وهنا تكمن المعضلة اللبنانية الأساسية: الدولة لم تكن صاحبة قرار السلم ولا الحرب، لكنها أصبحت صاحبة الفاتورة.

فالقرى الجنوبية دُمّرت، والبنى التحتية تضررت، والاقتصاد خسر مليارات الدولارات، والاستثمارات تبخرت، فيما لم يكن لدى الحكومة اللبنانية أي قدرة فعلية على التأثير في مسار الأحداث.

قد تختلف التقديرات بشأن حجم الإنجازات العسكرية الإسرائيلية، لكن يصعب إنكار أن إسرائيل نجحت في توجيه ضربات قاسية إلى قيادة “الحزب” وبنيته العسكرية، كما تمكنت من تقليص جزء كبير من قدراته الهجومية، وفرضت واقعاً أمنياً جديداً ليس على الحدود فقط بل على السلطة اللبنانية أيضاً.

أما لبنان، فلم يحقق أي مكسب وطني مقابل هذه الخسائر. فلم تتحرر أرض جديدة، ولم تتحسن شروط الدولة، ولم يُرفع العبء الاقتصادي عن اللبنانيين، بل على العكس، ازدادت مشاكل لبنان، وتراجعت ثقة المجتمع الدولي بقدرته على تنفيذ التزاماته، وفي مقدمتها القرار 1701 وحصر السلاح بيد الدولة، وأصبح التعامل المستقبلي مع حقه باستعادة سيادته مبنياً على نجاحه في تجارب ارتضى أن يخضع لها!

إيران… الرابح السياسي والخاسر الاستراتيجي

كانت طهران تنظر إلى لبنان باعتباره أهم ساحات نفوذها في الشرق الأوسط، لكن الحرب أظهرت أيضاً حدود هذا النفوذ.

فالمحور الذي أرادت إيران أن يبدو متماسكاً تعرض لضربات متزامنة في غزة ولبنان وسوريا، وأصبح مضطراً إلى إعادة ترتيب أولوياته.

تكشف تجربة الألف يوم مجدداً أن المشكلة اللبنانية لا تبدأ بالحرب، بل بالسلاح الخارج عن الدولة.

فوجود تنظيم عسكري يملك قرار الحرب والسلم يعني عملياً وجود دولة موازية، لها استراتيجيتها وتحالفاتها وحساباتها الخاصة، حتى لو تعارضت مع مصالح الدولة اللبنانية. وهذه ليست مشكلة أمنية فحسب، بل هي أصل الانهيار السياسي والاقتصادي. فلا استثمارات تأتي إلى بلد لا تحتكر دولته قرار الأمن، ولا إصلاحات تنجح في ظل ازدواجية السلطة، ولا مؤسسات تستعيد ثقة المواطنين إذا بقي القرار النهائي خارجها.

بعد ألف يوم، لا يزال الجنوب اللبناني يواجه تحدياً مزدوجاً. فإعادة الإعمار تحتاج إلى مليارات الدولارات، فيما يشترط المجتمع الدولي إصلاحات سياسية وأمنية قبل ضخ أي مساعدات كبيرة.

وفي المقابل، لا يبدو أن “الحزب” مستعد للتخلي عن سلاحه، بينما تؤكد إسرائيل أنها ستواصل عملياتها العسكرية كلما رأت تهديداً لأمنها، ولن تتخلى في الوقت نفسه عن شريط أمني أقامته وأخلته من المباني والسكان والبنية التحتية!

ربما يكون أهم ما كشفته هذه الحرب أن معادلة “السلاح يحمي لبنان” تعرضت لاختبار قاسٍ. فالنتيجة العملية كانت أن الدولة أصبحت أكثر ضعفاً، والاقتصاد أكثر انهياراً، والهجرة أكثر اتساعاً، فيما ازداد اعتماد لبنان على الخارج لإنقاذه مالياً وسياسياً.

لقد أثبتت التجربة أن أي سلاح خارج إطار الدولة، مهما كانت الشعارات التي يرفعها، يحوّل الدولة نفسها إلى الحلقة الأضعف.

بعد ألف يوم، لا يبدو السؤال الحقيقي هو من ربح المعركة العسكرية، بل من دفع الثمن الأكبر.

والجواب بالنسبة إلى اللبنانيين واضح: الدولة اللبنانية، والاقتصاد اللبناني، والمجتمع اللبناني كانوا الخاسر الأكبر.

أما الخروج من هذه الحلقة، فلن يكون عبر جولة عسكرية جديدة، ولا عبر شعارات “المقاومة” أو “النصر”، بل عبر استعادة الدولة لاحتكارها الكامل للسلاح وقرار الحرب والسلم، وبناء سياسة خارجية تنطلق من المصلحة الوطنية اللبنانية لا من أولويات المحاور الإقليمية.

فلبنان، بعد ألف يوم، يحتاج إلى دولة أكثر مما يحتاج إلى جبهة جديدة.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار