قبل 48 سنة: مجزرة البقاع الشمالي يوم أراد الأسد توسيع الجرح المسيحي

الكاتب: نبيل يوسف | المصدر: نداء الوطن
4 تموز 2026

قبل ظهر الأربعاء 28 حزيران 1978 بدأت تصل إلى بيروت أخبار من البقاع الشمالي تقول إن مجزرة وقعت هناك في القرى المسيحية الكاثوليكية: القاع وراس بعلبك وجديدة الفاكهة ارتكبتها القوات السورية بحق العشرات من الشبان المسالمين، ومع تقدم الساعات بدأت تتضح الصورة أكثر ليتبيّن أن رجال الوحدات الخاصة السورية ارتكبوا فجرًا مجزرة من أكبر المجازر التي ارتكبوها في لبنان، راح ضحيتها 26 شابًا.

ماذا جرى يومها في البلدات المسيحية الكاثوليكية في البقاع الشمالي؟

في تقرير سري وصل إلى الأجهزة الأمنية في بيروت نشرت بعض تفاصيله صحيفة “العمل” الكتائبية، يوضح ما حصل، فيشير إلى أنه حوالى الساعة 6 من مساء الثلثاء 27 حزيران، شوهدت عناصر الوحدات الخاصة السورية المتمركزة في القاع بقيادة ضابط برتبة رائد يدعى علي ديب، تقوم بنزع ثيابها العسكرية وارتداء ثياب مدنية، على مرأى كثيرين من الأهالي الذين فوجئوا بما يشاهدون، ويذكر التقرير أسماء بعض الأشخاص الذين شاهدوا ما يحصل.

يتابع التقرير: قرابة الساعة 1 من بعد منتصف ليل الثلثاء 27 – الأربعاء 28 حزيران، دخلت مجموعة من هذه القوات يقدر عددها بـ40 عنصرًا مزودين بأسلحة كلاشينكوف، يرافقهم 3 أشخاص ملثمين أحياء راس بعلبك، حيث اقتادت 6 شبان لا تزيد أعمارهم على 25 سنة معظمهم من الطلاب، وفي نفس الوقت دخلت مجموعة أخرى تقدر بـ30 عنصرًا جديدة الفاكهة واقتادت 5 شبان، كما داهمت قوة يقدر عددها بـ60 عنصرًا، القاع واعتقلت 15 شابًا من منازلهم وكان مع المجموعات السورية لوائح اسمية بالمطلوب القبض عليهم.

ورد في التقرير أن إحدى السيدات من قرية البزالية البعلبكية أخبرت أحد عناصر الشعبة الثانية في الجيش اللبناني أنها شاهدت فجر 28 حزيران سيارات عسكرية سورية تنقل أشخاصًا مدنيين شرقي البلدة وسمعت لاحقًا دوي إطلاق رصاص بغزارة ثم شاهدت السيارات تعود خالية من الأشخاص.

على أثر المعلومات التي أدلت بها السيدة، توجّه العنصر سرًّا إلى الموقع الذي أشارت إليه في محلة تُسمّى وادي الرعيان، فوجد جثث 26 شابًا مكبّلي اليدين من الخلف، مرمية على الأرض، وقد مزّق الرصاص أجسادها بكثافة. وعندما حاول تفتيش الجثث للتعرّف إلى أصحابها، تعرّض لإطلاق النار، فنجا بأعجوبة.

وأشار التقرير إلى أن ضباط قوى الأمن الداخلي حاولوا سؤال ضباط الوحدات الخاصة السورية المكلّفين بالأمن في منطقة بعلبك عن معلوماتهم، فنفوا علمهم بما حصل، ولاحقًا حاولوا تضييع التحقيق، وفي نهاية المطاف اتهموا بعض العصابات الشيعية من الهرمل بارتكاب المجزرة.

ويختم التقرير بذكر أسماء ورتب الضباط السوريين الذين قادوا المجموعات العسكرية داخل البلدات المذكورة، إضافة إلى أسماء العناصر اللبنانية الملثمة الذين رافقوا السوريين وانتماءاتهم السياسية.

أما الأب ميشال بركات خادم رعية الروم الكاثوليك في الفاكهة، فروى أخبار المجزرة في كتابه “شهادة حياة”، ومما جاء في روايته أنه حوالى الساعة 1 من فجر 28 حزيران دخل رجال مسلحون يرتدون الثياب المدنية في نفس الوقت إلى القرى المسيحية: القاع ورأس بعلبك والفاكهة، وعرّفوا عن أنفسهم أنهم من الأمن السوري بعث بهم قائد القطاع ليأتوه بعدد من الأشخاص كي يستجوبهم في بعض المسائل ثم يعودوا إلى بيوتهم، فكان هؤلاء الجنود يدخلون البيوت بلطف كبير ويسألون عن الشخص المطلوب أن يذهب معهم مؤكدين له ولأهله بهدوء أعصاب عجيب أنه سيعود الى بيته عن قريب، وهكذا أوقفوا 26 شابًا.

يتابع: مع الأسف الشديد انتظر أهلهم حتى ظهر 28 حزيران ولم يرجع أحد، وبدأ خبر مقتلهم الفظيع ينتشر، وعصر 28 حزيران استدعاني الرائد السوري علي ديب وكلّفني التوجه إلى البزالية لنقل 26 جثة وتسليمها إلى أهاليها، فذهبت إلى مكان ارتكاب المجزرة وذعرت عندما شاهدت الجثث مصفوفة بعضها إلى جانب بعض ووجوهها الى الأرض لأن رصاصًا غزيرًا اخترقها من قفا العنق. كان منظرًا فظيعًا لا يمكن لكائن بشري تحمله، ثم تمالكت نفسي وأخذت أجمع الجثامين بمساعدة من رافقني، فكوّمناها في شاحنتين بعضها فوق بعض ثم أخذناها كلًّا إلى قريتها، وهناك كان المشهد مؤثرًا جدًّا، كان الصراخ والعويل والدموع من كل صوب، ولم نتمكن من نقل الجثامين إلى الكنائس إلا بصعوبة كبيرة، وصباح 29 حزيران ومن دون أن نتمكن من اتمام تلاوة الصلوات الطقسية بسبب الجو الثقيل الضاغط قمنا بدفن ضحايانا، التي لم ندرك سبب التضحية بها، فخسرنا بذلك بعض أفراد النخبة المسيحية في قرانا البقاعية الشمالية منهم 9 مدّرسين، ويختم الأب بركات بأنه يستبعد أن يكون الهدف من المجزرة الانتقام لضحايا مجزرة إهدن، لافتًا إلى أن هدفها هو تهجير المسيحيين من البقاع الشمالي.

أثارت المجزرة حملة واسعة من السخط والاستنكار شملت معظم القيادات اللبنانية التي استنكرتها بشدة وطالبت بمعاقبة المسؤولين عنها، ولمحاولة إبعاد الشبهات عن المنفذين الحقيقيين، عمدت بعض الأبواق الحليفة لسوريا على تشييع أخبار أن منفذي المجزرة هم من الزغرتاويين ردًّا على مجزرة إهدن، لكن أحدًا لم يقتنع بهذه الروايات، ونقلت الصحف المحلية الصادرة الجمعة 30 حزيران تصريحًا للرئيس كميل شمعون أدلى به اثر انتهاء اجتماع “الجبهة اللبنانية”، اعتبر فيه أن اتهام المردة الزغرتاويين في مجزرة البقاع الشمالي “كاذب كاذب كاذب”، وهو يعرف الذين قاموا بهذا العمل البربري وسيكشفهم قريبًا.

أما دمشق ففي أول تعليق نقلته وكالة “سانا” منتصف ليل 30 حزيران، اتهم المعلّق السياسي عملاء جريمة إهدن بتنفيذ مجزرة البقاع الشمالي، معتبرًا الإشاعات التي تنشر حول ظروف الجريمة هي محاولة لتضييع التحقيق ونشر البلبلة بين الأهالي، وأعلن إدانة سوريا لهذه الجريمة البربرية التي لا يستفيد منها سوى أعداء لبنان لتفجير الوضع الأمني وإعادة طرح مخطط التقسيم وهو الأمر الذي لن تسمح به دمشق على الاطلاق.

هل من علاقة بين ما حصل في إهدن فجر 13 حزيران وفي البقاع الشمالي فجر 28 حزيران 1978؟

ورد في كتاب الصحافي ريشار لابييفير، الذي وثّق أحداث إهدن، نقلا عن أصحاب أحد مطاعم إهدن، أنه ليل 12 حزيران قبل المجزرة بساعات، دخل 3 أشخاص إلى المطعم في سيارة فولكسفاغن زرقاء لحضور مباراة في كأس العالم وأعلنوا أنهم من القاع.

على هذا الخبر يرد رئيس بلدية القاع بشير مطر وهو نجل أحد شهداء المجرزة بالقول: لنسلّم جدلا بصحة الرواية، وهي برأينا غير صحيحة، فهل يُعقل بمن أتى للمشاركة في تنفيذ عملية قتل طوني فرنجية أن يفصح عن هويته؟ وهل كانوا مرتاحين إلى هذا الحد ليطلبوا مشاهدة مباراة في كأس العالم؟ وإن كانوا شاركوا في تنفيذ ما جرى في إهدن، فلماذا يتم الانتقام من بلدة بكاملها؟ وما ذنب أبناء رأس بعلبك وجديدة الفاكهة؟

يتابع مطر: بعد البحث، تبيّن أن ليلة 12-13 حزيران 1978 لم تُقم أي مباراة، فقد انتهى الدور الأول في 11 حزيران، ثم كان يوما 12 و13 حزيران يومَي راحة قبل انطلاق الدور الثاني في 14 حزيران.

في زغرتا، رواية أخرى تقول إن هؤلاء الشبان حجزوا غرفًا في أوتيل “بلمون” المشرف على منزل النائب فرنجية في إهدن قبل 24 ساعة من فجر 13 حزيران، ويبدو أن مهمتهم كانت مراقبة المنزل وغادروا مع المهاجمين.

على هذا الكلام رد بشير مطر: هل هم من الغباء ليحجزوا غرفًا بأسمائهم الحقيقية؟

يضيف: أعطونا أسماء الشبان الذين حجزوا الغرف، فكل الكلام عن 3 شبان من القاع ولا يوجد أي اسم.

في قناعة بشير مطر أن نظام الأسد نفذ مجزرة البقاع الشمالي بعد أيام من 13 حزيران 1978 ليربطها بما جرى في إهدن لتوسيع الشرخ المسيحي.

يتابع: في مجزرة البقاع الشمالي، عندما لم يجدوا الأب أخذوا الابن، وأخذوا الإخوة عندما احتجوا على سحب أخيهم الأصغر. لقد خسرنا آباءً وإخوةً وأبناءً، كما خسر غيرنا أحباءهم. ودماؤنا ليست أقل قيمة من دماء أي ضحية أخرى في لبنان، ولذلك فإن أي حديث عن الحقيقة يجب أن يشمل جميع الضحايا، وأي إدانة أو مطالبة بالعدالة يجب أن تكون شاملة وغير انتقائية، وأن تشمل شهداء البقاع الشمالي.

إن الذين اقتادوا الشبان من بيوتهم قبل اكتشاف جثامينهم لم يكونوا مسلحين مدنيين، بل جنودًا نظاميين منتشرين على الأراضي اللبنانية بهدف حفظ الأمن والنظام، تحت راية جامعة الدول العربية وبقرار منها. وبالتالي، فهذه جريمة ارتكبها جيش نظامي يخضع لقيادة جامعة الدول العربية، ولا تسقط بمرور السنين.

يختم مطر بالقول: إن أسوأ وأقسى تداعيات مجزرة القاع وجديدة الفاكهة ورأس بعلبك أننا لم نجد مدعيًا عامًا ولا قاضي تحقيق لكتابة ادعاء أو رواية أو تحقيق فيها، ولم تتم إحالتها إلى المجلس العدلي أسوة ببقية الجرائم الكبرى. ويبدو أن ذلك لأن شهداءنا كانوا مواطنين عاديين، لا زعماء ولا نوابًا ولا رؤساء ولا وزراء. حتى إن وزير العدل الحالي لم ينتبه إلى هذه المجزرة وهو يعيّن محققًا عدليًا في ملف قضية إهدن.

أعلم أن هذا الكلام ليس وقته، وأننا بحاجة إلى المصالحات والسير قدمًا للحفاظ على من تبقّى من المسيحيين واللبنانيين في لبنان، في ظل الأخطار التي تهدد وجود هذا الوطن. ولكن لا يجوز أن تُذكر كل المجازر التي وقعت في لبنان خلال الحرب، وأن تُتناسى مجزرة البقاع الشمالي. وإن كان هناك من يصرّ على فتح بعض ملفات الحرب، فإننا نؤكد أن أي مطالبة بالتحقيق في أي قضية معينة يجب أن يقابلها تحقيق مماثل في القضايا الأخرى التي سقط فيها شهداء أبرياء ولم تنل حقها من العدالة والاهتمام، وبخاصة مجزرة البقاع الشمالي. إن دماء شهدائنا في البقاع الشمالي ليست أقل قيمة من دماء أي شهداء آخرين، وذاكرتنا ليست أقل شأنًا من ذاكرة أي منطقة أو عائلة أو حزب، فلا يجوز أن تتجزأ الحقيقة والعدالة.

نحن لا نريد العودة إلى الحرب بل احترام جميع الشهداء والضحايا، فإن كان المطلوب فتح ملفات الماضي، فلتُفتح كلها، وإن كان المطلوب تحقيق العدالة، فلتكن العدالة للجميع، وإن كان الهدف استخلاص العبر من الحرب، فلتُسمع جميع الروايات وتُحترم جميع الآلام، لا أن تُستحضر بعض الذكريات وتُطمس أخرى.

لقد التقينا بالدكتور سمير جعجع قبل المصالحة مع الوزير سليمان فرنجية، وناقشناه بصراحة حول هذه الصفحة المؤلمة من تاريخنا، وكانت رغبتنا في طيها لا تقل عن رغبته، لا من باب النسيان أو التنازل عن حقوق شهدائنا، بل من باب الحرص على مستقبل مجتمعنا ووحدة ما تبقى من الحضور المسيحي في لبنان

كلنا أمل اليوم في أن تُفتح ملفات المخابرات السورية بعد سقوط نظام الأسد، وأن نستطيع معرفة حقيقة ما جرى تلك الليلة في بلداتنا، ومن أعطى الأمر بهذه المجزرة ونفّذها، لبنانيين كانوا أم سوريين.

تداعيات المجزرة

بالعودة إلى تداعيات المجزرة آنذاك، واستنكارًا لما جرى، وتلبيةً لدعوة “الجبهة اللبنانية”، نفّذت حينها المنطقة الشرقية نهار السبت 1 تموز إضرابًا عامًا.

حوالي الظهر، راحت الأخبار تتوارد عن توقيف الشيخ بشير الجميّل ورئيس قسم الدامور الكتائبي إيلي قرداحي، مع مرافقين، من قبل حاجز سوري، وكانوا في طريقهم إلى الحدث لعيادة جريحة أُصيبت برصاصة قبل أيام. ونُقل الجميع إلى مقر القوات السورية في برج رزق في الأشرفية، وبدأ الغليان.

لم يخفف نبأ الافراج عن الشيخ بشير ورفاقه من حدة التوتر الذي سرعان ما تحول الى قصف سوري عنيف شمل عين الرمانة وفرن الشباك وسن الفيل والأشرفية، وفي اليوم التالي توسعت رقعة المواجهات.

هكذا اندلعت حرب المئة يوم بين الجيش السوري ومقاتلي أحزاب “الجبهة اللبنانية”، وشهدت أحياء بيروت الشرقية والضاحية الشمالية الشرقية للعاصمة قصفًا مدفعيًّا وصاروخيًّا لم تشهده الحرب اللبنانية، لم يوفر زاوية خاصة منطقة الاشرفية، في ظل ملاحم بطولية سطرها المقاتلون اللبنانيون.

أما القرى المسيحية في البقاع الشمالي، فما بعد المجزرة غير ما كان قبلها، إذ فرغت تقريبًا من أهلها الذين غادرها معظمهم، وأصبحوا اليوم يقيمون في ما كان يُعرف بالمنطقة الشرقية. وقد يكون هذا التحوّل السكاني من أهداف المجزرة.

قبل 48 سنة: مجزرة البقاع الشمالي يوم أراد الأسد توسيع الجرح المسيحي

الكاتب: نبيل يوسف | المصدر: نداء الوطن
4 تموز 2026

قبل ظهر الأربعاء 28 حزيران 1978 بدأت تصل إلى بيروت أخبار من البقاع الشمالي تقول إن مجزرة وقعت هناك في القرى المسيحية الكاثوليكية: القاع وراس بعلبك وجديدة الفاكهة ارتكبتها القوات السورية بحق العشرات من الشبان المسالمين، ومع تقدم الساعات بدأت تتضح الصورة أكثر ليتبيّن أن رجال الوحدات الخاصة السورية ارتكبوا فجرًا مجزرة من أكبر المجازر التي ارتكبوها في لبنان، راح ضحيتها 26 شابًا.

ماذا جرى يومها في البلدات المسيحية الكاثوليكية في البقاع الشمالي؟

في تقرير سري وصل إلى الأجهزة الأمنية في بيروت نشرت بعض تفاصيله صحيفة “العمل” الكتائبية، يوضح ما حصل، فيشير إلى أنه حوالى الساعة 6 من مساء الثلثاء 27 حزيران، شوهدت عناصر الوحدات الخاصة السورية المتمركزة في القاع بقيادة ضابط برتبة رائد يدعى علي ديب، تقوم بنزع ثيابها العسكرية وارتداء ثياب مدنية، على مرأى كثيرين من الأهالي الذين فوجئوا بما يشاهدون، ويذكر التقرير أسماء بعض الأشخاص الذين شاهدوا ما يحصل.

يتابع التقرير: قرابة الساعة 1 من بعد منتصف ليل الثلثاء 27 – الأربعاء 28 حزيران، دخلت مجموعة من هذه القوات يقدر عددها بـ40 عنصرًا مزودين بأسلحة كلاشينكوف، يرافقهم 3 أشخاص ملثمين أحياء راس بعلبك، حيث اقتادت 6 شبان لا تزيد أعمارهم على 25 سنة معظمهم من الطلاب، وفي نفس الوقت دخلت مجموعة أخرى تقدر بـ30 عنصرًا جديدة الفاكهة واقتادت 5 شبان، كما داهمت قوة يقدر عددها بـ60 عنصرًا، القاع واعتقلت 15 شابًا من منازلهم وكان مع المجموعات السورية لوائح اسمية بالمطلوب القبض عليهم.

ورد في التقرير أن إحدى السيدات من قرية البزالية البعلبكية أخبرت أحد عناصر الشعبة الثانية في الجيش اللبناني أنها شاهدت فجر 28 حزيران سيارات عسكرية سورية تنقل أشخاصًا مدنيين شرقي البلدة وسمعت لاحقًا دوي إطلاق رصاص بغزارة ثم شاهدت السيارات تعود خالية من الأشخاص.

على أثر المعلومات التي أدلت بها السيدة، توجّه العنصر سرًّا إلى الموقع الذي أشارت إليه في محلة تُسمّى وادي الرعيان، فوجد جثث 26 شابًا مكبّلي اليدين من الخلف، مرمية على الأرض، وقد مزّق الرصاص أجسادها بكثافة. وعندما حاول تفتيش الجثث للتعرّف إلى أصحابها، تعرّض لإطلاق النار، فنجا بأعجوبة.

وأشار التقرير إلى أن ضباط قوى الأمن الداخلي حاولوا سؤال ضباط الوحدات الخاصة السورية المكلّفين بالأمن في منطقة بعلبك عن معلوماتهم، فنفوا علمهم بما حصل، ولاحقًا حاولوا تضييع التحقيق، وفي نهاية المطاف اتهموا بعض العصابات الشيعية من الهرمل بارتكاب المجزرة.

ويختم التقرير بذكر أسماء ورتب الضباط السوريين الذين قادوا المجموعات العسكرية داخل البلدات المذكورة، إضافة إلى أسماء العناصر اللبنانية الملثمة الذين رافقوا السوريين وانتماءاتهم السياسية.

أما الأب ميشال بركات خادم رعية الروم الكاثوليك في الفاكهة، فروى أخبار المجزرة في كتابه “شهادة حياة”، ومما جاء في روايته أنه حوالى الساعة 1 من فجر 28 حزيران دخل رجال مسلحون يرتدون الثياب المدنية في نفس الوقت إلى القرى المسيحية: القاع ورأس بعلبك والفاكهة، وعرّفوا عن أنفسهم أنهم من الأمن السوري بعث بهم قائد القطاع ليأتوه بعدد من الأشخاص كي يستجوبهم في بعض المسائل ثم يعودوا إلى بيوتهم، فكان هؤلاء الجنود يدخلون البيوت بلطف كبير ويسألون عن الشخص المطلوب أن يذهب معهم مؤكدين له ولأهله بهدوء أعصاب عجيب أنه سيعود الى بيته عن قريب، وهكذا أوقفوا 26 شابًا.

يتابع: مع الأسف الشديد انتظر أهلهم حتى ظهر 28 حزيران ولم يرجع أحد، وبدأ خبر مقتلهم الفظيع ينتشر، وعصر 28 حزيران استدعاني الرائد السوري علي ديب وكلّفني التوجه إلى البزالية لنقل 26 جثة وتسليمها إلى أهاليها، فذهبت إلى مكان ارتكاب المجزرة وذعرت عندما شاهدت الجثث مصفوفة بعضها إلى جانب بعض ووجوهها الى الأرض لأن رصاصًا غزيرًا اخترقها من قفا العنق. كان منظرًا فظيعًا لا يمكن لكائن بشري تحمله، ثم تمالكت نفسي وأخذت أجمع الجثامين بمساعدة من رافقني، فكوّمناها في شاحنتين بعضها فوق بعض ثم أخذناها كلًّا إلى قريتها، وهناك كان المشهد مؤثرًا جدًّا، كان الصراخ والعويل والدموع من كل صوب، ولم نتمكن من نقل الجثامين إلى الكنائس إلا بصعوبة كبيرة، وصباح 29 حزيران ومن دون أن نتمكن من اتمام تلاوة الصلوات الطقسية بسبب الجو الثقيل الضاغط قمنا بدفن ضحايانا، التي لم ندرك سبب التضحية بها، فخسرنا بذلك بعض أفراد النخبة المسيحية في قرانا البقاعية الشمالية منهم 9 مدّرسين، ويختم الأب بركات بأنه يستبعد أن يكون الهدف من المجزرة الانتقام لضحايا مجزرة إهدن، لافتًا إلى أن هدفها هو تهجير المسيحيين من البقاع الشمالي.

أثارت المجزرة حملة واسعة من السخط والاستنكار شملت معظم القيادات اللبنانية التي استنكرتها بشدة وطالبت بمعاقبة المسؤولين عنها، ولمحاولة إبعاد الشبهات عن المنفذين الحقيقيين، عمدت بعض الأبواق الحليفة لسوريا على تشييع أخبار أن منفذي المجزرة هم من الزغرتاويين ردًّا على مجزرة إهدن، لكن أحدًا لم يقتنع بهذه الروايات، ونقلت الصحف المحلية الصادرة الجمعة 30 حزيران تصريحًا للرئيس كميل شمعون أدلى به اثر انتهاء اجتماع “الجبهة اللبنانية”، اعتبر فيه أن اتهام المردة الزغرتاويين في مجزرة البقاع الشمالي “كاذب كاذب كاذب”، وهو يعرف الذين قاموا بهذا العمل البربري وسيكشفهم قريبًا.

أما دمشق ففي أول تعليق نقلته وكالة “سانا” منتصف ليل 30 حزيران، اتهم المعلّق السياسي عملاء جريمة إهدن بتنفيذ مجزرة البقاع الشمالي، معتبرًا الإشاعات التي تنشر حول ظروف الجريمة هي محاولة لتضييع التحقيق ونشر البلبلة بين الأهالي، وأعلن إدانة سوريا لهذه الجريمة البربرية التي لا يستفيد منها سوى أعداء لبنان لتفجير الوضع الأمني وإعادة طرح مخطط التقسيم وهو الأمر الذي لن تسمح به دمشق على الاطلاق.

هل من علاقة بين ما حصل في إهدن فجر 13 حزيران وفي البقاع الشمالي فجر 28 حزيران 1978؟

ورد في كتاب الصحافي ريشار لابييفير، الذي وثّق أحداث إهدن، نقلا عن أصحاب أحد مطاعم إهدن، أنه ليل 12 حزيران قبل المجزرة بساعات، دخل 3 أشخاص إلى المطعم في سيارة فولكسفاغن زرقاء لحضور مباراة في كأس العالم وأعلنوا أنهم من القاع.

على هذا الخبر يرد رئيس بلدية القاع بشير مطر وهو نجل أحد شهداء المجرزة بالقول: لنسلّم جدلا بصحة الرواية، وهي برأينا غير صحيحة، فهل يُعقل بمن أتى للمشاركة في تنفيذ عملية قتل طوني فرنجية أن يفصح عن هويته؟ وهل كانوا مرتاحين إلى هذا الحد ليطلبوا مشاهدة مباراة في كأس العالم؟ وإن كانوا شاركوا في تنفيذ ما جرى في إهدن، فلماذا يتم الانتقام من بلدة بكاملها؟ وما ذنب أبناء رأس بعلبك وجديدة الفاكهة؟

يتابع مطر: بعد البحث، تبيّن أن ليلة 12-13 حزيران 1978 لم تُقم أي مباراة، فقد انتهى الدور الأول في 11 حزيران، ثم كان يوما 12 و13 حزيران يومَي راحة قبل انطلاق الدور الثاني في 14 حزيران.

في زغرتا، رواية أخرى تقول إن هؤلاء الشبان حجزوا غرفًا في أوتيل “بلمون” المشرف على منزل النائب فرنجية في إهدن قبل 24 ساعة من فجر 13 حزيران، ويبدو أن مهمتهم كانت مراقبة المنزل وغادروا مع المهاجمين.

على هذا الكلام رد بشير مطر: هل هم من الغباء ليحجزوا غرفًا بأسمائهم الحقيقية؟

يضيف: أعطونا أسماء الشبان الذين حجزوا الغرف، فكل الكلام عن 3 شبان من القاع ولا يوجد أي اسم.

في قناعة بشير مطر أن نظام الأسد نفذ مجزرة البقاع الشمالي بعد أيام من 13 حزيران 1978 ليربطها بما جرى في إهدن لتوسيع الشرخ المسيحي.

يتابع: في مجزرة البقاع الشمالي، عندما لم يجدوا الأب أخذوا الابن، وأخذوا الإخوة عندما احتجوا على سحب أخيهم الأصغر. لقد خسرنا آباءً وإخوةً وأبناءً، كما خسر غيرنا أحباءهم. ودماؤنا ليست أقل قيمة من دماء أي ضحية أخرى في لبنان، ولذلك فإن أي حديث عن الحقيقة يجب أن يشمل جميع الضحايا، وأي إدانة أو مطالبة بالعدالة يجب أن تكون شاملة وغير انتقائية، وأن تشمل شهداء البقاع الشمالي.

إن الذين اقتادوا الشبان من بيوتهم قبل اكتشاف جثامينهم لم يكونوا مسلحين مدنيين، بل جنودًا نظاميين منتشرين على الأراضي اللبنانية بهدف حفظ الأمن والنظام، تحت راية جامعة الدول العربية وبقرار منها. وبالتالي، فهذه جريمة ارتكبها جيش نظامي يخضع لقيادة جامعة الدول العربية، ولا تسقط بمرور السنين.

يختم مطر بالقول: إن أسوأ وأقسى تداعيات مجزرة القاع وجديدة الفاكهة ورأس بعلبك أننا لم نجد مدعيًا عامًا ولا قاضي تحقيق لكتابة ادعاء أو رواية أو تحقيق فيها، ولم تتم إحالتها إلى المجلس العدلي أسوة ببقية الجرائم الكبرى. ويبدو أن ذلك لأن شهداءنا كانوا مواطنين عاديين، لا زعماء ولا نوابًا ولا رؤساء ولا وزراء. حتى إن وزير العدل الحالي لم ينتبه إلى هذه المجزرة وهو يعيّن محققًا عدليًا في ملف قضية إهدن.

أعلم أن هذا الكلام ليس وقته، وأننا بحاجة إلى المصالحات والسير قدمًا للحفاظ على من تبقّى من المسيحيين واللبنانيين في لبنان، في ظل الأخطار التي تهدد وجود هذا الوطن. ولكن لا يجوز أن تُذكر كل المجازر التي وقعت في لبنان خلال الحرب، وأن تُتناسى مجزرة البقاع الشمالي. وإن كان هناك من يصرّ على فتح بعض ملفات الحرب، فإننا نؤكد أن أي مطالبة بالتحقيق في أي قضية معينة يجب أن يقابلها تحقيق مماثل في القضايا الأخرى التي سقط فيها شهداء أبرياء ولم تنل حقها من العدالة والاهتمام، وبخاصة مجزرة البقاع الشمالي. إن دماء شهدائنا في البقاع الشمالي ليست أقل قيمة من دماء أي شهداء آخرين، وذاكرتنا ليست أقل شأنًا من ذاكرة أي منطقة أو عائلة أو حزب، فلا يجوز أن تتجزأ الحقيقة والعدالة.

نحن لا نريد العودة إلى الحرب بل احترام جميع الشهداء والضحايا، فإن كان المطلوب فتح ملفات الماضي، فلتُفتح كلها، وإن كان المطلوب تحقيق العدالة، فلتكن العدالة للجميع، وإن كان الهدف استخلاص العبر من الحرب، فلتُسمع جميع الروايات وتُحترم جميع الآلام، لا أن تُستحضر بعض الذكريات وتُطمس أخرى.

لقد التقينا بالدكتور سمير جعجع قبل المصالحة مع الوزير سليمان فرنجية، وناقشناه بصراحة حول هذه الصفحة المؤلمة من تاريخنا، وكانت رغبتنا في طيها لا تقل عن رغبته، لا من باب النسيان أو التنازل عن حقوق شهدائنا، بل من باب الحرص على مستقبل مجتمعنا ووحدة ما تبقى من الحضور المسيحي في لبنان

كلنا أمل اليوم في أن تُفتح ملفات المخابرات السورية بعد سقوط نظام الأسد، وأن نستطيع معرفة حقيقة ما جرى تلك الليلة في بلداتنا، ومن أعطى الأمر بهذه المجزرة ونفّذها، لبنانيين كانوا أم سوريين.

تداعيات المجزرة

بالعودة إلى تداعيات المجزرة آنذاك، واستنكارًا لما جرى، وتلبيةً لدعوة “الجبهة اللبنانية”، نفّذت حينها المنطقة الشرقية نهار السبت 1 تموز إضرابًا عامًا.

حوالي الظهر، راحت الأخبار تتوارد عن توقيف الشيخ بشير الجميّل ورئيس قسم الدامور الكتائبي إيلي قرداحي، مع مرافقين، من قبل حاجز سوري، وكانوا في طريقهم إلى الحدث لعيادة جريحة أُصيبت برصاصة قبل أيام. ونُقل الجميع إلى مقر القوات السورية في برج رزق في الأشرفية، وبدأ الغليان.

لم يخفف نبأ الافراج عن الشيخ بشير ورفاقه من حدة التوتر الذي سرعان ما تحول الى قصف سوري عنيف شمل عين الرمانة وفرن الشباك وسن الفيل والأشرفية، وفي اليوم التالي توسعت رقعة المواجهات.

هكذا اندلعت حرب المئة يوم بين الجيش السوري ومقاتلي أحزاب “الجبهة اللبنانية”، وشهدت أحياء بيروت الشرقية والضاحية الشمالية الشرقية للعاصمة قصفًا مدفعيًّا وصاروخيًّا لم تشهده الحرب اللبنانية، لم يوفر زاوية خاصة منطقة الاشرفية، في ظل ملاحم بطولية سطرها المقاتلون اللبنانيون.

أما القرى المسيحية في البقاع الشمالي، فما بعد المجزرة غير ما كان قبلها، إذ فرغت تقريبًا من أهلها الذين غادرها معظمهم، وأصبحوا اليوم يقيمون في ما كان يُعرف بالمنطقة الشرقية. وقد يكون هذا التحوّل السكاني من أهداف المجزرة.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار