لبنان بقطار تركيا: يقظة “البوزقورت” لصد إسرائيل واحتواء أيران

السبب الأساسي، وهو ليس الوحيد طبعاً في إسقاط السلطنة العثمانية، يمكنه أن يكون السبب في إعادة توسيع مشروع تركيا على مستوى المنطقة. لا يمكن فهم التحرك التركي الحالي بمعزل عن التاريخ. فخلال السنوات الأخيرة من عمر السلطنة العثمانية، شكّل المشروع الصهيوني في فلسطين أحد أبرز ملفات الخلاف بينها وبين القوى الأوروبية، بعدما رفض السلطان عبد الحميد الثاني الموافقة على إقامة وطن لليهود في فلسطين، رغم الضغوط والإغراءات التي مورست عليه. خاضت السلطنة العثمانية صراعاً دائماً مع الغرب، وأوروبا بالتحديد، ولا سيما فرنسا وبريطانيا، صاحبتا “وعد بلفور”. أما اليوم فتجمع ما بين تركيا وكل من فرنسا، وبريطانيا ودول أوروبية أخرى خلافات كبيرة مع إسرائيل-نتنياهو، ومشروعه التوسعي الذي يريد من خلاله تغيير الحدود ورسم وجه المنطقة من جديد.
تركيا والملفّ اللبناني
تتغير المصالح بين الدول، وهو ما يعيد الدفع باتجاه تطوير العلاقات بين تركيا، وكل من بريطانيا وفرنسا، إذ يجري البحث حالياً بالدخول في مشاريع دفاعية مشتركة إلى جانب مشاريع اقتصادية. عملت تركيا على تحسين وتعزيز علاقاتها مع دول الخليج العربي ومصر، وتسعى إلى بناء تحالفات تمتد من باكستان إلى السعودية، وقطر ومصر، مع التقدم الأساسي الذي تحرزه في سوريا، والاستعداد للاهتمام بشكل حثيث بالملف اللبناني، خصوصاً أنه يوم الجمعة المقبلة سيزور رئيس الحكومة نواف سلام تركيا، وسيستقبله الرئيس التركي رجب طيب أردوغان. في الشكل كما في المضمون، سيكون الاستقبال معبراً عن حجم الاهتمام والاحتفاء، إلى جانب إبداء أنقرة الاستعداد لتقديم كل أشكال المساعدة للبنان، عسكرياً أو سياسياً، أو دعماً للجيش اللبناني، أو حتى استعداداً لنشر قوات لحلف الناتو في الجنوب كبديل عن اليونيفيل، ومن بينها القوام الأكبر من الجنود الأتراك، وتقوية الموقف اللبناني في مواجهة الضغط الإسرائيلي ومحاولات الاستفراد، ومحاولة تعديل الاتفاق بين لبنان وإسرائيل، خصوصاً أنه يشكل خطراً على دول كثيرة وليس على لبنان فقط، إضافة إلى البحث في مشاريع اقتصادية واستثمارية، وكي يستفيد لبنان من المسارات التي تتكون حديثاً في المنطقة، سواء على خطوط الغاز والنفط أو الترانزيت.
خطّ الحجاز القديم
تنظر تركيا إلى نفسها اليوم، بوصفها حاجة إلى جهات كثيرة، عربية، أوروبية. يستفيد أردوغان من علاقته القوية بالرئيس الأميركي دونالد ترامب، ولا يمكن لزيارة سلام إلى تركيا إلا أن تكون منسقة مع الدول العربية، ومع الولايات المتحدة الأميركية، وهي بالتأكيد خطوة ستستفز إسرائيل إلى حدود بعيدة، وهي التي استفزها مشهد انعقاد قمة حلف الناتو في تركيا، أو استعداد ترامب لمنح تركيا طائرات الـf35، وكانت قد استفزتها من قبل زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لدمشق ولقاؤه بالرئيس السوري أحمد الشرع. هذه التقاطعات العربية والدولية، تريد أنقرة أن توظفها في لبنان وسوريا. هنا، وفي الوقت الذي يسعى فيه أردوغان إلى تصفير المشاكل مع دول وجهات عديدة، يذهب إلى مواجهة أو مقارعة مع إسرائيل. لذلك لا بد من مراقبة المواقف التركية من الحرب على إيران، إلى العلاقة مع الخليج وتحسين العلاقات مع أميركا وأوروبا، لفهم المشهد أكثر، مشهد تعود فيه أنقرة إلى فعالية “إحياء خط الحجاز القديم”، مع ما يشكله من رمزية بالمعنى التاريخي أو الثقافي أو الاقتصادي الفعلي. وهنا لا يمكن إغفال طموح أنقرة في بناء تحالفات كي تكون هي وحلفاؤها نقاط التقاطع الأساسية لخطوط التجارة وممرات النفط.
مبادرة تركية عُرضت على الأميركيين
انطلاقاً من ذلك، يأتي الاهتمام التركي المتزايد بالملف اللبناني، خصوصاً أن تركيا عززت نفوذها في سوريا، ولا بد لمن يكون له نفوذ في دمشق أن يؤثر على ملف لبنان. من هنا تطرح أنقرة رؤيتها لاحتواء الوضع في المنطقة، أولاً من خلال احتواء إيران وحلفائها، وسط قناعة دولية بأنه يجب كف النفوذ الإيراني الكبير عن العراق، سوريا ولبنان وصولاً إلى اليمن. وثانياً، من خلال إقامة حائط صد بوجه التوسع الإسرائيلي الذي يمثله بنيامين نتياهو. هنا تبرز مبادرة تركية عرضت على الأميركيين، وجرت مناقشتها مع دول عربية عديدة تقوم على زيادة التنسيق في سبيل إقامة توازن على مستوى المنطقة ومنع إسرائيل من التفوق والسيطرة، ومن تحقيق مشروعها. فأميركا تهتم طبعاً بأمن إسرائيل وحمايتها وتبني معها علاقة أكثر من استراتيجية، لكنها تعلم أنه لا يمكنها مخاصمة كل هذه الدول التي تنسق في ما بينها.
رؤية تركيا: احتواء السلاح
بجزء منها تشمل المبادرة الملف اللبناني، وسط رؤية تركية ترتكز على مبدأ احتواء السلاح، ومعالجته من خلال تعزيز العلاقات مع الدولة اللبنانية وبالتنسيق مع الدول العربية، وبناء على المتغيرات التي حصلت على مستوى المنطقة، ولا سيما بعد الحرب الأميركية على إيران. عنوان المبادرة هو تقوية الدولة ومؤسساتها، ورفع شعار تطبيق اتفاق الطائف، الفحوى نفسها التي تحدث بها وزير الخارجية السوري الوزير أسعد الشيباني لدى زيارته لبنان، وهو المضمون نفسه لكل المواقف السعودية والقطرية تجاه الملف اللبناني. في مقابل البحث عن مقاربة تقوم على ضغط الأمريكيين على إسرائيل لوقف اعتداءاتها وانسحابها من الأراضي اللبنانية والسورية، وهذا كان مدار بحث بين أردوغان وترامب، في مقابل أن تعمل تركيا مع الدول الأخرى على إيجاد طريقة لمعالجة ملف السلاح وليس على قاعدة الصراع أو القتال أو القوة، ولا على قاعدة عزل أي طرف، من العراق إلى سوريا فلبنان.
أردوغان وطموح التوسّع
يقتنع أردوغان دوماً بمقولة لجلال الدين الرومي:” هناك أمل بعد اليأس، والكثير من الشموس بعد الظلمة.” يتعاطى أردوغان وكأنه يقبض على الجمر، ويتسلح بالصبر، لتحيّن الظروف المناسبة لتحقيق مشروع. يمثل ذلك محاولة لاستعادة رمزية وغير مباشرة لما ترتكز عليه الأسطورة التركية التاريخية، المعروفة بأسطورة البوزقورت والتي تقول:” اذا بقي تركي وحيد على وجه الأرض فهو عبارة عن أمة جديدة.” تلك الأمة بمعناها التركي الحديث أو التركي الأردوغاني، لها بعد سياسي وإسلامي، بشكل يختلف كلياً عن الأمة التركية لدى مصطفى كمال أتاتورك، والذي كان تركيزه يتمحور حول القومية التركية وتعزيزها، بينما طموح أردوغان هو التوسع. فيما يتهمه خصومه بأنه يحاول بطريقة توسعه الإقتصادية أو العسكرية لإعادة إحياء أمجاد السلطنة العثمانية، مستنداً على الروابط التاريخية والثقافية في بقعة جغرافية مشتركة لكنها واسعة ومترامية الأطراف. ومعروف عن أسطورة البوزقورت “الذئب الأغبر” أنها مستمدة تاريخياً من توفير هذا الذئب الحماية لأحد الأتراك الذي أنشأ الأمة التركية. حالياً، يبدو أردوغان وكأنه يحلم بركوب قطار، ينطلق من اسطنبول إلى أضنة فحلب فحمص فدمشق فعمان فالرياض، ويعرج من سوريا إلى العراق أو إلى لبنان، ويحلم بالإبحار من شرق المتوسط إلى غربه، وربطه بالخليج العربي، أو بالبحر الأسود أو بقزوين، في استعادة لأمجاد قديمة، لكنها تبنى بقواعد جديدة ومع دول قائمة، وهو ما لا تريده إسرائيل وستحاربه.
لبنان بقطار تركيا: يقظة “البوزقورت” لصد إسرائيل واحتواء أيران

السبب الأساسي، وهو ليس الوحيد طبعاً في إسقاط السلطنة العثمانية، يمكنه أن يكون السبب في إعادة توسيع مشروع تركيا على مستوى المنطقة. لا يمكن فهم التحرك التركي الحالي بمعزل عن التاريخ. فخلال السنوات الأخيرة من عمر السلطنة العثمانية، شكّل المشروع الصهيوني في فلسطين أحد أبرز ملفات الخلاف بينها وبين القوى الأوروبية، بعدما رفض السلطان عبد الحميد الثاني الموافقة على إقامة وطن لليهود في فلسطين، رغم الضغوط والإغراءات التي مورست عليه. خاضت السلطنة العثمانية صراعاً دائماً مع الغرب، وأوروبا بالتحديد، ولا سيما فرنسا وبريطانيا، صاحبتا “وعد بلفور”. أما اليوم فتجمع ما بين تركيا وكل من فرنسا، وبريطانيا ودول أوروبية أخرى خلافات كبيرة مع إسرائيل-نتنياهو، ومشروعه التوسعي الذي يريد من خلاله تغيير الحدود ورسم وجه المنطقة من جديد.
تركيا والملفّ اللبناني
تتغير المصالح بين الدول، وهو ما يعيد الدفع باتجاه تطوير العلاقات بين تركيا، وكل من بريطانيا وفرنسا، إذ يجري البحث حالياً بالدخول في مشاريع دفاعية مشتركة إلى جانب مشاريع اقتصادية. عملت تركيا على تحسين وتعزيز علاقاتها مع دول الخليج العربي ومصر، وتسعى إلى بناء تحالفات تمتد من باكستان إلى السعودية، وقطر ومصر، مع التقدم الأساسي الذي تحرزه في سوريا، والاستعداد للاهتمام بشكل حثيث بالملف اللبناني، خصوصاً أنه يوم الجمعة المقبلة سيزور رئيس الحكومة نواف سلام تركيا، وسيستقبله الرئيس التركي رجب طيب أردوغان. في الشكل كما في المضمون، سيكون الاستقبال معبراً عن حجم الاهتمام والاحتفاء، إلى جانب إبداء أنقرة الاستعداد لتقديم كل أشكال المساعدة للبنان، عسكرياً أو سياسياً، أو دعماً للجيش اللبناني، أو حتى استعداداً لنشر قوات لحلف الناتو في الجنوب كبديل عن اليونيفيل، ومن بينها القوام الأكبر من الجنود الأتراك، وتقوية الموقف اللبناني في مواجهة الضغط الإسرائيلي ومحاولات الاستفراد، ومحاولة تعديل الاتفاق بين لبنان وإسرائيل، خصوصاً أنه يشكل خطراً على دول كثيرة وليس على لبنان فقط، إضافة إلى البحث في مشاريع اقتصادية واستثمارية، وكي يستفيد لبنان من المسارات التي تتكون حديثاً في المنطقة، سواء على خطوط الغاز والنفط أو الترانزيت.
خطّ الحجاز القديم
تنظر تركيا إلى نفسها اليوم، بوصفها حاجة إلى جهات كثيرة، عربية، أوروبية. يستفيد أردوغان من علاقته القوية بالرئيس الأميركي دونالد ترامب، ولا يمكن لزيارة سلام إلى تركيا إلا أن تكون منسقة مع الدول العربية، ومع الولايات المتحدة الأميركية، وهي بالتأكيد خطوة ستستفز إسرائيل إلى حدود بعيدة، وهي التي استفزها مشهد انعقاد قمة حلف الناتو في تركيا، أو استعداد ترامب لمنح تركيا طائرات الـf35، وكانت قد استفزتها من قبل زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لدمشق ولقاؤه بالرئيس السوري أحمد الشرع. هذه التقاطعات العربية والدولية، تريد أنقرة أن توظفها في لبنان وسوريا. هنا، وفي الوقت الذي يسعى فيه أردوغان إلى تصفير المشاكل مع دول وجهات عديدة، يذهب إلى مواجهة أو مقارعة مع إسرائيل. لذلك لا بد من مراقبة المواقف التركية من الحرب على إيران، إلى العلاقة مع الخليج وتحسين العلاقات مع أميركا وأوروبا، لفهم المشهد أكثر، مشهد تعود فيه أنقرة إلى فعالية “إحياء خط الحجاز القديم”، مع ما يشكله من رمزية بالمعنى التاريخي أو الثقافي أو الاقتصادي الفعلي. وهنا لا يمكن إغفال طموح أنقرة في بناء تحالفات كي تكون هي وحلفاؤها نقاط التقاطع الأساسية لخطوط التجارة وممرات النفط.
مبادرة تركية عُرضت على الأميركيين
انطلاقاً من ذلك، يأتي الاهتمام التركي المتزايد بالملف اللبناني، خصوصاً أن تركيا عززت نفوذها في سوريا، ولا بد لمن يكون له نفوذ في دمشق أن يؤثر على ملف لبنان. من هنا تطرح أنقرة رؤيتها لاحتواء الوضع في المنطقة، أولاً من خلال احتواء إيران وحلفائها، وسط قناعة دولية بأنه يجب كف النفوذ الإيراني الكبير عن العراق، سوريا ولبنان وصولاً إلى اليمن. وثانياً، من خلال إقامة حائط صد بوجه التوسع الإسرائيلي الذي يمثله بنيامين نتياهو. هنا تبرز مبادرة تركية عرضت على الأميركيين، وجرت مناقشتها مع دول عربية عديدة تقوم على زيادة التنسيق في سبيل إقامة توازن على مستوى المنطقة ومنع إسرائيل من التفوق والسيطرة، ومن تحقيق مشروعها. فأميركا تهتم طبعاً بأمن إسرائيل وحمايتها وتبني معها علاقة أكثر من استراتيجية، لكنها تعلم أنه لا يمكنها مخاصمة كل هذه الدول التي تنسق في ما بينها.
رؤية تركيا: احتواء السلاح
بجزء منها تشمل المبادرة الملف اللبناني، وسط رؤية تركية ترتكز على مبدأ احتواء السلاح، ومعالجته من خلال تعزيز العلاقات مع الدولة اللبنانية وبالتنسيق مع الدول العربية، وبناء على المتغيرات التي حصلت على مستوى المنطقة، ولا سيما بعد الحرب الأميركية على إيران. عنوان المبادرة هو تقوية الدولة ومؤسساتها، ورفع شعار تطبيق اتفاق الطائف، الفحوى نفسها التي تحدث بها وزير الخارجية السوري الوزير أسعد الشيباني لدى زيارته لبنان، وهو المضمون نفسه لكل المواقف السعودية والقطرية تجاه الملف اللبناني. في مقابل البحث عن مقاربة تقوم على ضغط الأمريكيين على إسرائيل لوقف اعتداءاتها وانسحابها من الأراضي اللبنانية والسورية، وهذا كان مدار بحث بين أردوغان وترامب، في مقابل أن تعمل تركيا مع الدول الأخرى على إيجاد طريقة لمعالجة ملف السلاح وليس على قاعدة الصراع أو القتال أو القوة، ولا على قاعدة عزل أي طرف، من العراق إلى سوريا فلبنان.
أردوغان وطموح التوسّع
يقتنع أردوغان دوماً بمقولة لجلال الدين الرومي:” هناك أمل بعد اليأس، والكثير من الشموس بعد الظلمة.” يتعاطى أردوغان وكأنه يقبض على الجمر، ويتسلح بالصبر، لتحيّن الظروف المناسبة لتحقيق مشروع. يمثل ذلك محاولة لاستعادة رمزية وغير مباشرة لما ترتكز عليه الأسطورة التركية التاريخية، المعروفة بأسطورة البوزقورت والتي تقول:” اذا بقي تركي وحيد على وجه الأرض فهو عبارة عن أمة جديدة.” تلك الأمة بمعناها التركي الحديث أو التركي الأردوغاني، لها بعد سياسي وإسلامي، بشكل يختلف كلياً عن الأمة التركية لدى مصطفى كمال أتاتورك، والذي كان تركيزه يتمحور حول القومية التركية وتعزيزها، بينما طموح أردوغان هو التوسع. فيما يتهمه خصومه بأنه يحاول بطريقة توسعه الإقتصادية أو العسكرية لإعادة إحياء أمجاد السلطنة العثمانية، مستنداً على الروابط التاريخية والثقافية في بقعة جغرافية مشتركة لكنها واسعة ومترامية الأطراف. ومعروف عن أسطورة البوزقورت “الذئب الأغبر” أنها مستمدة تاريخياً من توفير هذا الذئب الحماية لأحد الأتراك الذي أنشأ الأمة التركية. حالياً، يبدو أردوغان وكأنه يحلم بركوب قطار، ينطلق من اسطنبول إلى أضنة فحلب فحمص فدمشق فعمان فالرياض، ويعرج من سوريا إلى العراق أو إلى لبنان، ويحلم بالإبحار من شرق المتوسط إلى غربه، وربطه بالخليج العربي، أو بالبحر الأسود أو بقزوين، في استعادة لأمجاد قديمة، لكنها تبنى بقواعد جديدة ومع دول قائمة، وهو ما لا تريده إسرائيل وستحاربه.










