طبول حرب جديدة في الجنوب

الكاتب: طوني عيسى | المصدر: هنا لبنان
9 تموز 2026

“الحزب” لا يصغي إلا إلى ما يقال له في طهران، التي لا هاجس لها إلا بقاء السلاح في يد حليفها، ولو أدى ذلك إلى سيطرة إسرائيل على الجنوب كله. وستكون لحظة الإعلان الرسمي عن سقوط تلة علي الطاهر، بمنشآتها الهائلة تحت الأرض، حاسمة عسكرياً وسياسياً، لأنها تمثل رمزية القيادة الإيرانية للمعركة. ولذلك، ليس في الأفق اللبناني مجال لتجنّب حرب جديدة موسعة على ما يبدو. وفي غياب المعجزات، هي تقترب سريعاً

 

سيكون للانتكاسة العسكرية والسياسية الطارئة على جبهة إيران تأثير حاسم على وضع لبنان. فالحرب عادت هناك، وقد تتصاعد، لأنّ التفاهمات كانت هشّة في الأساس، وكان كل فريق يراهن على أنّ الفريق الآخر سينكسر تماماً. وخلافاً للتحليلات التي شاعت عن قدرات تتمتع بها إيران، وسمحت لها بفرض شروطها على الأميركيين في التفاهم الأولي، ففي الواقع، إنّ إيران هي اليوم في أدنى قدراتها العسكرية والاقتصادية والسياسية، بل هي تشارف على الاستسلام أمام شروط واشنطن. وما سيظهر لاحقاً هو التشرذم العميق في داخل القيادة الإيرانية، بين متصلبين ومنفتحين. ومن الواضح أنّ من سيربح في النهاية هو الفريق الذي سيقتنع بالتعاون مع الولايات المتحدة، وبنقل طهران إلى الفلك الأميركي بالكامل. وحينذاك فقط، ستتوقف الحرب. فواشنطن لا تستعجل اليوم دفع نظام ما بعد علي خامنئي إلى الانهيار، منعاً لوقوع إيران في الفوضى والغموض والتفكك الذي لا يجدي. وهي تفضل أن ينزاح النظام الحالي بكامل هيكليته، ولو ضعيفاً، ليصبح حليفاً للولايات المتحدة. وهذا الهدف يريد الأميركيون تحقيقه، مهما طالت الحرب. وفي أي حال، لا شيء يدعو إلى الاستعجال.

​وسط هذه المعطيات على جبهة إيران، بديهي أن يسقط تماماً تفاهم طهران الفرعي مع واشنطن، الخاص بلبنان، الذي جرى إنجازه في باكستان وسويسرا، والذي يشرك الإيرانيين في ميكانيزم الترتيبات الأمنية والتسويات السياسية في لبنان. وسقوط هذا التفاهم الأميركي- الإيراني يريح بنيامين نتنياهو، ويسمح له باستئناف الضغط على “حزب الله” ولبنان الرسمي. وفي عبارة أوضح، بات لبنان موضوعاً على سكة المسار الذي رسمته إسرائيل، وأمامه جدول زمني محدد لا يمكنه التفلت منه، وهو مبرمج كالآتي:

​أولاً: بعد أيام، مبدئياً، في يومي 15 و16 تموز، ستنطلق جولة مفاوضات لبنانية- إسرائيلية، لن تعقد في واشنطن هذه المرة، بل في روما. وسيكون الحضور الأميركي فيها غير محدد بحجمه وتأثيره. ففي الجلسات السابقة، في مقر الخارجية الأميركية، كانت إدارة ترامب تتدخل بقوة وتفرض حداً معيناً من التوازن مع إسرائيل. ولبنان الضعيف كان يتكل على هذا التدخل المباشر ليحظى بمستوى معين من الدعم. وأما في روما، فالتأثير الأميركي قد يتلاشى جولة تلو جولة.

​ثانياً: بعد جولة روما بـ 5 أيام، سيعقد رئيس الجمهورية جوزاف عون قمة ثنائية مع ترامب في واشنطن. ومعلوم أنّ طموح ترامب هو ترتيب لقاء ثلاثي يجمع الرجلين مع نتنياهو المدعو إلى زيارة واشنطن في الفترة عينها. لكن هذا اللقاء ما زال موضع رفض من جانب الرئيس عون، أو على الأقل هو يُعدّ خطوة مبكرة، إذ يجب أن يأتي ثمرة لتنفيذ الاتفاق الإطاري، لجهة وقف النار وانسحاب إسرائيل.

​وهنا تبرز مشكلة لبنان المعقدة. فإسرائيل والولايات المتحدة تعتبران أنّ نجاح الاتفاق في تحقيق وقف النار والانسحاب يبقى مسؤولية لبنانية لا إسرائيلية في الدرجة الأولى، وتحديداً هو رهن بقدرة الجيش اللبناني على نزع سلاح “حزب الله”. لكن لبنان الرسمي، وحتى إشعار آخر، يتهيب اتخاذ أي خطوة جدية في اتجاه نزع السلاح، تجنّباً لصدام مع “الحزب”. بل إنّ كثيربن يعتبرون أنّ من الأفضل ترك “الحزب” يخوض مواجهته التي يرتضيها مع إسرائيل، وأن يتم حسم المعركة هناك، لأنّ ذلك – على الأقل – لا يؤدي إلى تعميق الشرخ الداخلي اللبناني.

​نقطة الضعف اللبنانية هذه تدركها إسرائيل جيداً وتستثمرها، وهي تدرك أنّ الوقت يصبّ في مصلحتها. لذلك، هي تمضي في خطتها على خطين متوازيين: رفع مستوى الضغط العسكري في الجنوب، ما سيقود إلى إنهاك “حزب الله” أكثر فأكثر، ورفع مستوى الضغط السياسي في المفاوضات، ما سيقود لبنان الرسمي إلى تقديم المزيد من التنازلات. والمشكلة الداخلية الكبرى هنا، هي أنّ لا “الحزب” قادر على تحقيق انتصارات في الميدان تقلب الطاولة، ولا لبنان الرسمي يستطيع تغليب كفته على طاولة المفاوضات.

طبعاً، يبقى تسليم “الحزب” سلاحه هو الطريق الأقل كلفة لتجنب الأسوأ. لكن “الحزب” لا يصغي إلا إلى ما يقال له في طهران، لا في لبنان. وأما طهران فلا هاجس لها إلا بقاء السلاح في يد حليفها، ولو أدى ذلك إلى سيطرة إسرائيل على الجنوب كله. وستكون لحظة الإعلان الرسمي عن سقوط تلة علي الطاهر، بمنشآتها الهائلة تحت الأرض، حاسمة عسكرياً وسياسياً، لأنها تمثل رمزية القيادة الإيرانية للمعركة.

ولذلك، ليس في الأفق اللبناني مجال لتجنّب حرب جديدة موسعة على ما يبدو. وفي غياب المعجزات، هي تقترب سريعاً.

طبول حرب جديدة في الجنوب

الكاتب: طوني عيسى | المصدر: هنا لبنان
9 تموز 2026

“الحزب” لا يصغي إلا إلى ما يقال له في طهران، التي لا هاجس لها إلا بقاء السلاح في يد حليفها، ولو أدى ذلك إلى سيطرة إسرائيل على الجنوب كله. وستكون لحظة الإعلان الرسمي عن سقوط تلة علي الطاهر، بمنشآتها الهائلة تحت الأرض، حاسمة عسكرياً وسياسياً، لأنها تمثل رمزية القيادة الإيرانية للمعركة. ولذلك، ليس في الأفق اللبناني مجال لتجنّب حرب جديدة موسعة على ما يبدو. وفي غياب المعجزات، هي تقترب سريعاً

 

سيكون للانتكاسة العسكرية والسياسية الطارئة على جبهة إيران تأثير حاسم على وضع لبنان. فالحرب عادت هناك، وقد تتصاعد، لأنّ التفاهمات كانت هشّة في الأساس، وكان كل فريق يراهن على أنّ الفريق الآخر سينكسر تماماً. وخلافاً للتحليلات التي شاعت عن قدرات تتمتع بها إيران، وسمحت لها بفرض شروطها على الأميركيين في التفاهم الأولي، ففي الواقع، إنّ إيران هي اليوم في أدنى قدراتها العسكرية والاقتصادية والسياسية، بل هي تشارف على الاستسلام أمام شروط واشنطن. وما سيظهر لاحقاً هو التشرذم العميق في داخل القيادة الإيرانية، بين متصلبين ومنفتحين. ومن الواضح أنّ من سيربح في النهاية هو الفريق الذي سيقتنع بالتعاون مع الولايات المتحدة، وبنقل طهران إلى الفلك الأميركي بالكامل. وحينذاك فقط، ستتوقف الحرب. فواشنطن لا تستعجل اليوم دفع نظام ما بعد علي خامنئي إلى الانهيار، منعاً لوقوع إيران في الفوضى والغموض والتفكك الذي لا يجدي. وهي تفضل أن ينزاح النظام الحالي بكامل هيكليته، ولو ضعيفاً، ليصبح حليفاً للولايات المتحدة. وهذا الهدف يريد الأميركيون تحقيقه، مهما طالت الحرب. وفي أي حال، لا شيء يدعو إلى الاستعجال.

​وسط هذه المعطيات على جبهة إيران، بديهي أن يسقط تماماً تفاهم طهران الفرعي مع واشنطن، الخاص بلبنان، الذي جرى إنجازه في باكستان وسويسرا، والذي يشرك الإيرانيين في ميكانيزم الترتيبات الأمنية والتسويات السياسية في لبنان. وسقوط هذا التفاهم الأميركي- الإيراني يريح بنيامين نتنياهو، ويسمح له باستئناف الضغط على “حزب الله” ولبنان الرسمي. وفي عبارة أوضح، بات لبنان موضوعاً على سكة المسار الذي رسمته إسرائيل، وأمامه جدول زمني محدد لا يمكنه التفلت منه، وهو مبرمج كالآتي:

​أولاً: بعد أيام، مبدئياً، في يومي 15 و16 تموز، ستنطلق جولة مفاوضات لبنانية- إسرائيلية، لن تعقد في واشنطن هذه المرة، بل في روما. وسيكون الحضور الأميركي فيها غير محدد بحجمه وتأثيره. ففي الجلسات السابقة، في مقر الخارجية الأميركية، كانت إدارة ترامب تتدخل بقوة وتفرض حداً معيناً من التوازن مع إسرائيل. ولبنان الضعيف كان يتكل على هذا التدخل المباشر ليحظى بمستوى معين من الدعم. وأما في روما، فالتأثير الأميركي قد يتلاشى جولة تلو جولة.

​ثانياً: بعد جولة روما بـ 5 أيام، سيعقد رئيس الجمهورية جوزاف عون قمة ثنائية مع ترامب في واشنطن. ومعلوم أنّ طموح ترامب هو ترتيب لقاء ثلاثي يجمع الرجلين مع نتنياهو المدعو إلى زيارة واشنطن في الفترة عينها. لكن هذا اللقاء ما زال موضع رفض من جانب الرئيس عون، أو على الأقل هو يُعدّ خطوة مبكرة، إذ يجب أن يأتي ثمرة لتنفيذ الاتفاق الإطاري، لجهة وقف النار وانسحاب إسرائيل.

​وهنا تبرز مشكلة لبنان المعقدة. فإسرائيل والولايات المتحدة تعتبران أنّ نجاح الاتفاق في تحقيق وقف النار والانسحاب يبقى مسؤولية لبنانية لا إسرائيلية في الدرجة الأولى، وتحديداً هو رهن بقدرة الجيش اللبناني على نزع سلاح “حزب الله”. لكن لبنان الرسمي، وحتى إشعار آخر، يتهيب اتخاذ أي خطوة جدية في اتجاه نزع السلاح، تجنّباً لصدام مع “الحزب”. بل إنّ كثيربن يعتبرون أنّ من الأفضل ترك “الحزب” يخوض مواجهته التي يرتضيها مع إسرائيل، وأن يتم حسم المعركة هناك، لأنّ ذلك – على الأقل – لا يؤدي إلى تعميق الشرخ الداخلي اللبناني.

​نقطة الضعف اللبنانية هذه تدركها إسرائيل جيداً وتستثمرها، وهي تدرك أنّ الوقت يصبّ في مصلحتها. لذلك، هي تمضي في خطتها على خطين متوازيين: رفع مستوى الضغط العسكري في الجنوب، ما سيقود إلى إنهاك “حزب الله” أكثر فأكثر، ورفع مستوى الضغط السياسي في المفاوضات، ما سيقود لبنان الرسمي إلى تقديم المزيد من التنازلات. والمشكلة الداخلية الكبرى هنا، هي أنّ لا “الحزب” قادر على تحقيق انتصارات في الميدان تقلب الطاولة، ولا لبنان الرسمي يستطيع تغليب كفته على طاولة المفاوضات.

طبعاً، يبقى تسليم “الحزب” سلاحه هو الطريق الأقل كلفة لتجنب الأسوأ. لكن “الحزب” لا يصغي إلا إلى ما يقال له في طهران، لا في لبنان. وأما طهران فلا هاجس لها إلا بقاء السلاح في يد حليفها، ولو أدى ذلك إلى سيطرة إسرائيل على الجنوب كله. وستكون لحظة الإعلان الرسمي عن سقوط تلة علي الطاهر، بمنشآتها الهائلة تحت الأرض، حاسمة عسكرياً وسياسياً، لأنها تمثل رمزية القيادة الإيرانية للمعركة.

ولذلك، ليس في الأفق اللبناني مجال لتجنّب حرب جديدة موسعة على ما يبدو. وفي غياب المعجزات، هي تقترب سريعاً.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار