هل الجيش مكشوف سياسياً؟

الكاتب: جوني منيّر | المصدر: الجمهورية
13 تموز 2026

دخلت المواجهات الأميركية ـ الإيرانية في الخليج مرحلة أكثر خطورة مما كانت عليه قبل أيام. فبعد كلام الرئيس الأميركي دونالد ترامب الواضح، على هامش أعمال قمة دول حلف شمال الأطلسي، عن أنّ مذكرة التفاهم انتهت، وكذلك وقف إطلاق النار، نفّذت قيادة «سينتكوم» ضربات جوية واسعة داخل إيران، في مقابل ردّ إيراني واسع استهدف قواعد ومصالح أميركية في الخليج. وتمحور هذا التصعيد حول سؤال أساسي: من هي الجهة التي تبسط سيطرتها فعلياً على مضيق هرمز؟.

يأمل عدد من الدول الخليجية أن يكون التصعيد الحالي وسيلة لتحسين شروط التفاوض، أكثر من كونه مقدمة لحرب طويلة جديدة، استناداً إلى تجارب سابقة، حيث كان الهدف من رفع مستوى الحماوة تعزيز الأوراق التفاوضية لا الذهاب إلى جولة حربية شاملة مجدداً. وجاء تبادل الضربات، ولكن بنحو محدود مع تجنّب استهداف مواقع تؤدي للإنزلاق في اتجاه عنف مفتوح، لتعزز هذه الآمال، خصوصاً مع دخول سلطنة عمان وقطر على خط الوساطة. فالطرفان يدركان كلفة الحرب المفتوحة.

لكن ثمة سيناريو آخر يرفع من مستوى القلق، وهو يتمحور حول استمرار الضربات طوال الأيام والأسابيع المقبلة بسبب غياب الضوابط، خصوصاً أنّ ترامب كان أعلن عن رمي إتفاق الإطار جانباً. وفي هذه الحالة، ستعمد طهران إلى استهداف القواعد والمنشآت العسكرية الأميركية في المنطقة، إضافة إلى السفن والمنشآت النفطية، في موازاة قصف أميركي لمواقع عسكرية وأمنية حساسة داخل إيران. وفي هذه الحالة، ستعاود أسعار النفط ارتفاعها، وسط اضطرابات ستصيب مضيق هرمز. وهذا الوضع ستكون آثاره الإنتخابية سيئة جداً على الحزب الجمهوري الأميركي في الإنتخابات النصفية بعد أقل من أربعة أشهر. لا بل هنالك من يعتقد أنّ تصعيد ترامب المفاجئ جاء بعد اقتناعه بأنّ طهران تعمد إلى استهلاك الوقت وصولاً إلى النصف الثاني من شهر آب، وهو التوقيت الإنتخابي الأميركي القاتل، عندها ستُقدم على إغلاق مضيق هرمز وأيضاً باب المندب. وقد رصدت في هذا الإطار تحضيرات عسكرية حوثية بعد هدنة طويلة، تؤشر إلى إستعدادات حول باب المندب. وهو ما سيجعل أسعار النفط تحلّق، ما سينعكس بشكل كارثي على الحظوظ الإنتخابية لحزب ترامب. وفي حال حصول سيطرة ديموقراطية كبيرة داخل الكونغرس، فهذا سيعني حصاراً مالياً على إدارة ترامب، وبالتالي ستضمن إيران إنعدام فرص الحرب ضدّها مجدداً، وحيث لا يزال الحزب الديموقراطي يحتفظ بقنوات تواصله مع طهران. ووفق هذا السيناريو تحرّك ترامب عبر هجوم استباقي، يهدف إلى إرغام حكام طهران على الذهاب إلى اتفاق ثابت ونهائي، سيستفيد منه انتخابياً الحزب الجمهوري، وهو ما سيعني إبقاء سيف «مزاجية» ترامب مصلتاً فوق عنق النظام الإيراني.

وتتفق الأوساط المراقبة على أنّ ترامب يطبّق النهج الذي اتبعه سابقاً وفي ملفات عدة، والقائم على مبدأ «حافة الهاوية». فهو يرفع مستوى الضغوط إلى الحدّ الأقصى قبل فتح الأبواب أمام التسوية. فدفعت قيادة «سينتكوم» بأكثر من 20 سفينة حربية تابعة للبحرية الأميركية، بينها حاملتا الطائرات «أبراهام لينكولن» و«جورج دبليو بوش» إلى المياه القريبة من إيران، وذلك بعد يومين فقط من تلويح ترامب بإمكانية إعادة فرض حصار بحري على الموانئ الإيرانية. من هنا جاءت الضربات الأميركية المكثفة بمثابة رسالة بأنّ ترامب مستعد لاستخدام القوة إذا رفضت طهران تعديل سلوكها، لكنه في الوقت عينه سيبقي الباب مفتوحاً أمام العودة إلى المسار التفاوضي. ومن هذه الزاوية يمكن تفسير ما روّجته أوساط إعلامية أميركية، من أنّ طهران أبلغت إلى واشنطن أنّ استهداف السفن جاء بتصرّف فردي وهدفه تخريب الإتفاق.

لكن طهران باتت تتعاطى مع مضيق هرمز وكأنّه جزء أساسي من أمنها القومي وأداة رئيسية لترسيخ نفوذها الإقليمي، وهو ما قد يجعلها مستعدة لتحمّل كلفة عسكرية باهظة مقابل عدم تقديم تنازلات.
وتحذّر تقارير لمراكز أبحاث غربية، من أنّ افتراض واشنطن بأنّ طهران ستتراجع تلقائياً أمام التفوق العسكري الأميركي قد لا يكون صائباً.

فطهران تمتلك خيارات متعددة للردّ، من بينها شن حرب استنزاف طويلة الأمد عبر استخدام الطائرات المسيّرة والصواريخ البالستية وتهديد الملاحة في مضيق هرمز وربما باب المندب. وثمة اقتناع متزايد داخل الأوساط البحثية الأميركية، أنّ تغيير سلوك إيران لا يمكن أن يتحقق عبر أداة واحدة، بل يحتاج إلى استراتيجية مركّبة تجمع بين الضغوط الإقتصادية والعزلة الديبلوماسية والردع العسكري المحدود، مع إبقاء باب التفاوض مفتوحاً.

لكن السؤال الأهم يبقى حول طبيعة انعكاس هذا التصعيد على الساحة اللبنانية، خصوصاً وسط الدفع الحاصل للبدء بتطبيق صيغة الإطار التي تمّ توقيعها في واشنطن، وذلك عبر تنفيذ المناطق التجريبية. ولا شك في أنّ أي مواجهة طويلة الأمد، ستزيد من الضغوط على الساحة اللبنانية، ولو أنّ ذلك لن يؤدي إلى اندلاع حرب شاملة تلقائياً. فعودة الحرب تعتمد على حسابات أوسع لواشنطن وتل أبيب وطهران، وما إذا كانت تخدم أهدافهم. ومن الثابت أنّ نتنياهو يسعى بقوة إلى عودة الحرب المفتوحة إن في إيران أو في لبنان. لذلك كان مفهوما أن يوزع الإعلام الإسرائيلي تقديرات بانعدام فرص التوصل إلى اتفاق أميركي ـ إيراني. وكذلك استباق إسرائيل للجولة السادسة من المفاوضات مع لبنان والمحدّدة في روما، بتصعيد واضح في جنوب لبنان. وهذا التصعيد يؤشر إلى مسألتين: الأولى أنّ إسرائيل متمسكة بمبدأ «حرّية الحركة» وهي لن تتخلّى عنه، والثانية أنّها ذاهبة إلى المفاوضات تلبية للضغوط الأميركية، خصوصاً أنّ إدارة ترامب تريد انسحاباً إسرائيلياً من منطقة تحتلها كلياً، لتكون المنطقة التجريبية وفق المواصفات التي حدّدها الجيش اللبناني. ووفق هذا التصنيف باشر الجيش اللبناني اجتماعاته مع الوفد العسكري الأميركي.

لكن الواقعية تفرض الحذر في طريقة مقاربة هذا المسار الشائك والمحفوف بالمخاطر. وهو ما يجعل فرص نجاح خطوة المناطق التجريبية متوسطة وتميل إلى الصعوبة أكثر منه إلى النجاح. فالضغط الأميركي وحده قد لا يكون عاملاً كافياً لتأمين النجاح، لأنّ التعاون الإسرائيلي مشكوك بأمره، واحتمال وقوع حوادث أمنية مفتعلة تعطّل التنفيذ مسألة واردة وبقوة. كذلك هنالك ثغرة واضحة على مستوى القرار اللبناني، وحيث أنّ الجيش متروك بلا مظلة سياسية واضحة. فالجيش يأتمر بمجلس الوزراء الذي لم يناقش «الصيغة الإطار»، وبالتالي لم يصدر أي قرارات واضحة للجيش للقيام بالمهمات المطلوبة. ما يعني أنّ حصول أي أخطاء (أكانت عرضية أم مدبّرة) سيجعل الجيش مكشوفاً، وسيؤدي إلى دفعه الى المستنقع وهو مكشوف الرأس. والجميع يعلم أنّ الخلاف اللبناني على أوجه حول بند السلاح. وبالتالي، في حال نجاح خطوة المنطقة التجريبية الأولى، ما هي الخطوة التالية؟ ووفق أي خطة سيتحرّك الجيش في اتجاه بند حصر السلاح؟ كما أنّ هنالك غياباً لآلية رقابة تكون واضحة ومتفق عليها، والتي من المفترض أن تواكب إنجاز المنطقة التجريبية. والأخطر أنّه في حال تعثر هذا المشروع من البداية فهذا يعني أنّه قد يتجمّد لفترة طويلة.

خلال ندوة إلكترونية مع «معهد الأمن القومي اليهودي الأميركي» تحدث القائد السابق لـ«سينتكوم» الجنرال فرانك ماكينزي بإسهاب عن موضوع القواعد الأميركية في دول الخليج، كاشفاً أنّه كان طَرَح نقلها حين كان يشغل مسؤولياته. وأضاف أنّه طلب نقلها من الخليج إلى الغرب وتحديداً إلى إسرائيل ومصر ودول مجاورة، لحمايتها من الصواريخ والمسيّرات الإيرانية، خصوصاً أنّ مقر قيادة «سينتكوم «يبعد نحو 100 ميل فقط عن إيران. وكشف أنّه اقترح على إدارة بايدن عام 2022 نقل القواعد من الإمارات وقطر والكويت والبحرين في اتجاه الغرب. لكن إدارة بايدن رفضت هذا الإقتراح وبشدة. وما لم يقله ماكينزي، إنّ السبب يعود يومها إلى أنّ الأولوية كانت لسياسة احتواء الصين والتركيز على المحيطين الهندي والهادئ. لذلك كانت الإستراتيجية العسكرية تقضي بتوجيه الموارد شرقاً نحو الصين. يومها حذّر ماكينزي من تنامي القدرات الصاروخية لإيران. أما البيت الأبيض فرأى يومها أنّ الردع القائم مع توزيع القوات على قواعد متعددة كافٍ، طالما أنّ واشنطن لا تخطط لحرب مباشرة مع إيران. والتقييم العسكري الآن أظهر أنّ تحذيرات ماكينزي كانت بعيدة النظر، وأنّ الصين عرفت كيف تجري التفافاً على الإستراتيجية الأميركية من خلال إيران، وأنّ الإدارة الديموقراطية كانت تنتهج سياسة التعايش مع النظام الإيراني القائم، مع غضّ النظر عن أسلوب القضم الذي كان حاصلاً.

لذلك، قد تكون إيران تأمل بعودة «مظفرة» للديموقراطيين، مع استعدادها لتحمّل تكاليف إضافية. وهو ما يعني ضمناً أنّ الأشهر المقبلة ستكون حبلى بالمفاجآت.

هل الجيش مكشوف سياسياً؟

الكاتب: جوني منيّر | المصدر: الجمهورية
13 تموز 2026

دخلت المواجهات الأميركية ـ الإيرانية في الخليج مرحلة أكثر خطورة مما كانت عليه قبل أيام. فبعد كلام الرئيس الأميركي دونالد ترامب الواضح، على هامش أعمال قمة دول حلف شمال الأطلسي، عن أنّ مذكرة التفاهم انتهت، وكذلك وقف إطلاق النار، نفّذت قيادة «سينتكوم» ضربات جوية واسعة داخل إيران، في مقابل ردّ إيراني واسع استهدف قواعد ومصالح أميركية في الخليج. وتمحور هذا التصعيد حول سؤال أساسي: من هي الجهة التي تبسط سيطرتها فعلياً على مضيق هرمز؟.

يأمل عدد من الدول الخليجية أن يكون التصعيد الحالي وسيلة لتحسين شروط التفاوض، أكثر من كونه مقدمة لحرب طويلة جديدة، استناداً إلى تجارب سابقة، حيث كان الهدف من رفع مستوى الحماوة تعزيز الأوراق التفاوضية لا الذهاب إلى جولة حربية شاملة مجدداً. وجاء تبادل الضربات، ولكن بنحو محدود مع تجنّب استهداف مواقع تؤدي للإنزلاق في اتجاه عنف مفتوح، لتعزز هذه الآمال، خصوصاً مع دخول سلطنة عمان وقطر على خط الوساطة. فالطرفان يدركان كلفة الحرب المفتوحة.

لكن ثمة سيناريو آخر يرفع من مستوى القلق، وهو يتمحور حول استمرار الضربات طوال الأيام والأسابيع المقبلة بسبب غياب الضوابط، خصوصاً أنّ ترامب كان أعلن عن رمي إتفاق الإطار جانباً. وفي هذه الحالة، ستعمد طهران إلى استهداف القواعد والمنشآت العسكرية الأميركية في المنطقة، إضافة إلى السفن والمنشآت النفطية، في موازاة قصف أميركي لمواقع عسكرية وأمنية حساسة داخل إيران. وفي هذه الحالة، ستعاود أسعار النفط ارتفاعها، وسط اضطرابات ستصيب مضيق هرمز. وهذا الوضع ستكون آثاره الإنتخابية سيئة جداً على الحزب الجمهوري الأميركي في الإنتخابات النصفية بعد أقل من أربعة أشهر. لا بل هنالك من يعتقد أنّ تصعيد ترامب المفاجئ جاء بعد اقتناعه بأنّ طهران تعمد إلى استهلاك الوقت وصولاً إلى النصف الثاني من شهر آب، وهو التوقيت الإنتخابي الأميركي القاتل، عندها ستُقدم على إغلاق مضيق هرمز وأيضاً باب المندب. وقد رصدت في هذا الإطار تحضيرات عسكرية حوثية بعد هدنة طويلة، تؤشر إلى إستعدادات حول باب المندب. وهو ما سيجعل أسعار النفط تحلّق، ما سينعكس بشكل كارثي على الحظوظ الإنتخابية لحزب ترامب. وفي حال حصول سيطرة ديموقراطية كبيرة داخل الكونغرس، فهذا سيعني حصاراً مالياً على إدارة ترامب، وبالتالي ستضمن إيران إنعدام فرص الحرب ضدّها مجدداً، وحيث لا يزال الحزب الديموقراطي يحتفظ بقنوات تواصله مع طهران. ووفق هذا السيناريو تحرّك ترامب عبر هجوم استباقي، يهدف إلى إرغام حكام طهران على الذهاب إلى اتفاق ثابت ونهائي، سيستفيد منه انتخابياً الحزب الجمهوري، وهو ما سيعني إبقاء سيف «مزاجية» ترامب مصلتاً فوق عنق النظام الإيراني.

وتتفق الأوساط المراقبة على أنّ ترامب يطبّق النهج الذي اتبعه سابقاً وفي ملفات عدة، والقائم على مبدأ «حافة الهاوية». فهو يرفع مستوى الضغوط إلى الحدّ الأقصى قبل فتح الأبواب أمام التسوية. فدفعت قيادة «سينتكوم» بأكثر من 20 سفينة حربية تابعة للبحرية الأميركية، بينها حاملتا الطائرات «أبراهام لينكولن» و«جورج دبليو بوش» إلى المياه القريبة من إيران، وذلك بعد يومين فقط من تلويح ترامب بإمكانية إعادة فرض حصار بحري على الموانئ الإيرانية. من هنا جاءت الضربات الأميركية المكثفة بمثابة رسالة بأنّ ترامب مستعد لاستخدام القوة إذا رفضت طهران تعديل سلوكها، لكنه في الوقت عينه سيبقي الباب مفتوحاً أمام العودة إلى المسار التفاوضي. ومن هذه الزاوية يمكن تفسير ما روّجته أوساط إعلامية أميركية، من أنّ طهران أبلغت إلى واشنطن أنّ استهداف السفن جاء بتصرّف فردي وهدفه تخريب الإتفاق.

لكن طهران باتت تتعاطى مع مضيق هرمز وكأنّه جزء أساسي من أمنها القومي وأداة رئيسية لترسيخ نفوذها الإقليمي، وهو ما قد يجعلها مستعدة لتحمّل كلفة عسكرية باهظة مقابل عدم تقديم تنازلات.
وتحذّر تقارير لمراكز أبحاث غربية، من أنّ افتراض واشنطن بأنّ طهران ستتراجع تلقائياً أمام التفوق العسكري الأميركي قد لا يكون صائباً.

فطهران تمتلك خيارات متعددة للردّ، من بينها شن حرب استنزاف طويلة الأمد عبر استخدام الطائرات المسيّرة والصواريخ البالستية وتهديد الملاحة في مضيق هرمز وربما باب المندب. وثمة اقتناع متزايد داخل الأوساط البحثية الأميركية، أنّ تغيير سلوك إيران لا يمكن أن يتحقق عبر أداة واحدة، بل يحتاج إلى استراتيجية مركّبة تجمع بين الضغوط الإقتصادية والعزلة الديبلوماسية والردع العسكري المحدود، مع إبقاء باب التفاوض مفتوحاً.

لكن السؤال الأهم يبقى حول طبيعة انعكاس هذا التصعيد على الساحة اللبنانية، خصوصاً وسط الدفع الحاصل للبدء بتطبيق صيغة الإطار التي تمّ توقيعها في واشنطن، وذلك عبر تنفيذ المناطق التجريبية. ولا شك في أنّ أي مواجهة طويلة الأمد، ستزيد من الضغوط على الساحة اللبنانية، ولو أنّ ذلك لن يؤدي إلى اندلاع حرب شاملة تلقائياً. فعودة الحرب تعتمد على حسابات أوسع لواشنطن وتل أبيب وطهران، وما إذا كانت تخدم أهدافهم. ومن الثابت أنّ نتنياهو يسعى بقوة إلى عودة الحرب المفتوحة إن في إيران أو في لبنان. لذلك كان مفهوما أن يوزع الإعلام الإسرائيلي تقديرات بانعدام فرص التوصل إلى اتفاق أميركي ـ إيراني. وكذلك استباق إسرائيل للجولة السادسة من المفاوضات مع لبنان والمحدّدة في روما، بتصعيد واضح في جنوب لبنان. وهذا التصعيد يؤشر إلى مسألتين: الأولى أنّ إسرائيل متمسكة بمبدأ «حرّية الحركة» وهي لن تتخلّى عنه، والثانية أنّها ذاهبة إلى المفاوضات تلبية للضغوط الأميركية، خصوصاً أنّ إدارة ترامب تريد انسحاباً إسرائيلياً من منطقة تحتلها كلياً، لتكون المنطقة التجريبية وفق المواصفات التي حدّدها الجيش اللبناني. ووفق هذا التصنيف باشر الجيش اللبناني اجتماعاته مع الوفد العسكري الأميركي.

لكن الواقعية تفرض الحذر في طريقة مقاربة هذا المسار الشائك والمحفوف بالمخاطر. وهو ما يجعل فرص نجاح خطوة المناطق التجريبية متوسطة وتميل إلى الصعوبة أكثر منه إلى النجاح. فالضغط الأميركي وحده قد لا يكون عاملاً كافياً لتأمين النجاح، لأنّ التعاون الإسرائيلي مشكوك بأمره، واحتمال وقوع حوادث أمنية مفتعلة تعطّل التنفيذ مسألة واردة وبقوة. كذلك هنالك ثغرة واضحة على مستوى القرار اللبناني، وحيث أنّ الجيش متروك بلا مظلة سياسية واضحة. فالجيش يأتمر بمجلس الوزراء الذي لم يناقش «الصيغة الإطار»، وبالتالي لم يصدر أي قرارات واضحة للجيش للقيام بالمهمات المطلوبة. ما يعني أنّ حصول أي أخطاء (أكانت عرضية أم مدبّرة) سيجعل الجيش مكشوفاً، وسيؤدي إلى دفعه الى المستنقع وهو مكشوف الرأس. والجميع يعلم أنّ الخلاف اللبناني على أوجه حول بند السلاح. وبالتالي، في حال نجاح خطوة المنطقة التجريبية الأولى، ما هي الخطوة التالية؟ ووفق أي خطة سيتحرّك الجيش في اتجاه بند حصر السلاح؟ كما أنّ هنالك غياباً لآلية رقابة تكون واضحة ومتفق عليها، والتي من المفترض أن تواكب إنجاز المنطقة التجريبية. والأخطر أنّه في حال تعثر هذا المشروع من البداية فهذا يعني أنّه قد يتجمّد لفترة طويلة.

خلال ندوة إلكترونية مع «معهد الأمن القومي اليهودي الأميركي» تحدث القائد السابق لـ«سينتكوم» الجنرال فرانك ماكينزي بإسهاب عن موضوع القواعد الأميركية في دول الخليج، كاشفاً أنّه كان طَرَح نقلها حين كان يشغل مسؤولياته. وأضاف أنّه طلب نقلها من الخليج إلى الغرب وتحديداً إلى إسرائيل ومصر ودول مجاورة، لحمايتها من الصواريخ والمسيّرات الإيرانية، خصوصاً أنّ مقر قيادة «سينتكوم «يبعد نحو 100 ميل فقط عن إيران. وكشف أنّه اقترح على إدارة بايدن عام 2022 نقل القواعد من الإمارات وقطر والكويت والبحرين في اتجاه الغرب. لكن إدارة بايدن رفضت هذا الإقتراح وبشدة. وما لم يقله ماكينزي، إنّ السبب يعود يومها إلى أنّ الأولوية كانت لسياسة احتواء الصين والتركيز على المحيطين الهندي والهادئ. لذلك كانت الإستراتيجية العسكرية تقضي بتوجيه الموارد شرقاً نحو الصين. يومها حذّر ماكينزي من تنامي القدرات الصاروخية لإيران. أما البيت الأبيض فرأى يومها أنّ الردع القائم مع توزيع القوات على قواعد متعددة كافٍ، طالما أنّ واشنطن لا تخطط لحرب مباشرة مع إيران. والتقييم العسكري الآن أظهر أنّ تحذيرات ماكينزي كانت بعيدة النظر، وأنّ الصين عرفت كيف تجري التفافاً على الإستراتيجية الأميركية من خلال إيران، وأنّ الإدارة الديموقراطية كانت تنتهج سياسة التعايش مع النظام الإيراني القائم، مع غضّ النظر عن أسلوب القضم الذي كان حاصلاً.

لذلك، قد تكون إيران تأمل بعودة «مظفرة» للديموقراطيين، مع استعدادها لتحمّل تكاليف إضافية. وهو ما يعني ضمناً أنّ الأشهر المقبلة ستكون حبلى بالمفاجآت.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار