أطنان الأسلحة العراقية برسم «التصدير» لكن إلى أين؟

فرض إعلان وزارة الداخلية السورية أنّ وحداتها المختصة أحبطت محاولة إدخال »شحنة أسلحة نوعية وصواريخ وطائرات مسيّرة» في طريقها إلى «حزب الله» في لبنان عبر الحدود السورية – العراقية، فتح بعض الملفات السابقة التي تناولت مثل هذه العمليات، وتجاوزت تهريب الأسلحة بوجود الأطنان المجهّزة للتصدير من العراق، وقد تعدّتها إلى نقل الأموال والممنوعات وما نمى على جانبَيها من روايات ربطتها في الكواليس الأمنية والاستخبارية بأعمال اغتيال دقيقة، بقِيَت ظروفها غامضة. وهذه عيّنة منها.
إن تعمُّق بعض المراقبين العسكريّين والأمنيّين، ومعهم عدد قليل من الديبلوماسيّين الذين شاركوا في ترميم العلاقات بين لبنان ودول مجلس التعاون الخليجي، في التعليق على بيان وزارة الداخلية السورية وتفنيد مضمونه وما حمله من معطيات، لم تشكّل أي مفاجأة في أوساطهم. ومردّ البرودة في التعاطي مع الحدث، أنّهم خَبِروا عمليات مشابهة في وقت سابق، لمجرّد العودة إلى الوراء وجوجلة المعلومات المتوافرة عن مثيلاتها، خصوصاً في المرحلة التي رافقت سقوط نظام الرئيس بشار الأسد في كانون الأول عام 2024 وما قبلها بقليل وما تلاها من أحداث، وما انتهت إليه المعالجات التي لم تكتمل فصولها. وهو ما دفع أحد المطّلعين على بعض هذه الملفات إلى فتح خزائنه المعلوماتية القديمة، بعدما كان أول مَن أشار إلى وجود أنفاق ربطت بين جانبَي الحدود اللبنانية – السورية، استعداداً لمثل الظروف التي نشأت بعد سقوط النظام السوري، معطوفةً في بعض الحالات التي عكسها تشديد الأجهزة الأمنية اللبنانية من تدابيرها على المعابر الشرعية لمنع أعمال الإتجار بالبشر وتهريب الأموال والأسلحة والممنوعات على أنواعها.
ولا ينسى هؤلاء الربط بين ما رافق تلك الأحداث وما استدرجته من قطيعة سعودية قاتلة، شملت المنتجات الزراعية اللبنانية في نهاية العام 2021، قبل أن تتضامن معها دول مجلس التعاون الخليجي إثر اكتشاف شبكات تهريب الشاي والليمون والرمان المخدّر، وتلك التي استخدمت شاسيهات شاحنات النقل العابرة للحدود لتهريب الكابتاغون، وخفّفت منها المبادرة الكويتية التي حملها إلى بيروت وزير الخارجية الكويتي أحمد ناصر المحمد الصباح في 23 كانون الثاني 2022، على قاعدة ترميم «بناء جسور الثقة مع الجمهورية اللبنانية الشقيقة»، وما حملته من «إجراءات وخطوات ثابتة لإزالة أي خلاف ينشأ بين لبنان وأشقائه الخليجيِّين»، واكتملت فصولها قبل أسابيع قليلة.
لم تكن العودة إلى تلك المرحلة لمجرّد تأريخ لبعض الأحداث المتصلة بتهريب المال والسلاح والمخدّرات بين هذه الدول. فقد كان واضحاً أنّها كانت عملية منظّمة برعاية أنظمة حكومية، جعلتها أعمالاً سهلة وطبيعية في ظل «الأوتوستراد العريض» الذي كان مفتوحاً بين طهران ولبنان عبر العاصمتَين العراقية والسورية، والفلتان على الحدود بين هذه الدول. وقد كان طبيعياً أن تتقلّص هذه العمليات إلى الحدود الدنيا، نتيجة المتغيّرات الكبرى في لبنان وسوريا والعراق وما أصاب «محور الممانعة» من ندوب ووهن، إلى أن تبيّن أنّها لم تتوقف بعد نهائياً، وأنّها اتخذت منحى آخر، بعدما خُصِّصت لها قدرات أخرى بهدف تأمين السلاح والمال لـ«حزب الله» في لبنان، للتعويض عمّا اتُخِذ من إجراءات، عكَسها حظر هبوط الطائرات الإيرانية في مطار بيروت الدولي والتشدُّد في المطارات الروسية والتركية، التي تحوَّلت وسيطاً بين طهران وأذرعها، إثر مصادرة ملايين الدولارات التي عبرت عبرهما في اتجاه لبنان وبالعكس.
وإلى هذه المعطيات، يكشف العارفون أنّ المحاولات لاستئناف أعمال التهريب للمال والسلاح لم تتوقف بعد. وبدأت بعض الشبكات المكلّفة بالمهمّة باستخدام وسائل وآليات أخرى لضمان الموارد الكافية للمجموعات الموالية لإيران، وقد تمكّنت لفترة وجيزة من القيام ببعض العمليات قبل أن يشدِّد الجانب العراقي في الفترة الأخيرة من تدابير «حظر السلاح غير الشرعي»، وهو متوافر بالأطنان لدى الفصائل التي حلّت أجنحتها العسكرية. ففُتح باب جديد لنقل ما يمكن نقله إلى لبنان وربما إلى سوريا والأردن – وإن توافر ثمنه البخس لبعض الشبكات فلا ضَير في ذلك. علماً أنّ أصناف هذه الأسلحة موحّدة في البلدَين، طالما أنّها من إنتاج إيراني أو كوري. فكيف إن رُبِط بين هذه العمليات وما كان مطروحاً على طاولة البحث قبل فترة قليلة في لبنان لنقل السلاح الإيراني الذي يستخدمه الحزب إلى العراق، لو قرّر التخلّي عنه من دون تسليمه إلى الجيش والقوى الأمنية اللبنانية الشرعية.
لا يريد العارفون الكشف عمّا لا يمكن البَوح به اليوم، لكنّ مراجع أمنية واستخبارية كشفت عن وجود آلية تعاون جديدة ترعاها واشنطن ومعها بعض عواصم الخليج والشرق الأوسط، عن اعتماد آلية تعاون دقيقة ومتينة في ما بينها، ومع كل من «العهود الجديدة» في بغداد ودمشق وبيروت للإمساك بهذه الشبكات. وخصوصاً أنّ بعض التجارب قد حققت إنجازات «مذهلة» على مستوى مراقبة وملاحقة المطلوبين ومواجهة شبكات الخطف بهدف الابتزاز المالي، التي طاولت رجال أعمال سوريّين وعراقيّين وخليجيّين في لبنان، وصولاً إلى كشف العملاء المرتبطين بالموساد والأجهزة الإسرائيلية الأخرى، وآخرهم مَن سُمِّي «العميل اللبناني الخطير» الذي أوقف قبل أيام قليلة في مطار بيروت قبل انتقاله إلى العراق.
وترجّح المعلومات المتداولة على نطاق ضيّق، أن تصل التحقيقات إلى الربط المنطقي بين مسلسل الإغتيالات، وما تكشفه من المفاجآت الكبرى، وخصوصاً إن ثَبُت أنّ المسلسل الطويل بدأ باغتيال قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني اللواء قاسم سليماني ورفيقه نائب رئيس هيئة أركان «الحشد الشعبي» العراقي أبو مهدي المهندس، في غارة جوية شنّتها مسيّرة أميركية قرب مطار بغداد الدولي في 3 كانون الثاني 2020، وصولاً إلى اغتيال الأمينَين العامَّين لـ«حزب الله» في لبنان يومَي 27 أيلول و3 تشرين الأول 2024، ومعهما القادة العسكريّون من لبنانيّين وفلسطينيّين.
أطنان الأسلحة العراقية برسم «التصدير» لكن إلى أين؟

فرض إعلان وزارة الداخلية السورية أنّ وحداتها المختصة أحبطت محاولة إدخال »شحنة أسلحة نوعية وصواريخ وطائرات مسيّرة» في طريقها إلى «حزب الله» في لبنان عبر الحدود السورية – العراقية، فتح بعض الملفات السابقة التي تناولت مثل هذه العمليات، وتجاوزت تهريب الأسلحة بوجود الأطنان المجهّزة للتصدير من العراق، وقد تعدّتها إلى نقل الأموال والممنوعات وما نمى على جانبَيها من روايات ربطتها في الكواليس الأمنية والاستخبارية بأعمال اغتيال دقيقة، بقِيَت ظروفها غامضة. وهذه عيّنة منها.
إن تعمُّق بعض المراقبين العسكريّين والأمنيّين، ومعهم عدد قليل من الديبلوماسيّين الذين شاركوا في ترميم العلاقات بين لبنان ودول مجلس التعاون الخليجي، في التعليق على بيان وزارة الداخلية السورية وتفنيد مضمونه وما حمله من معطيات، لم تشكّل أي مفاجأة في أوساطهم. ومردّ البرودة في التعاطي مع الحدث، أنّهم خَبِروا عمليات مشابهة في وقت سابق، لمجرّد العودة إلى الوراء وجوجلة المعلومات المتوافرة عن مثيلاتها، خصوصاً في المرحلة التي رافقت سقوط نظام الرئيس بشار الأسد في كانون الأول عام 2024 وما قبلها بقليل وما تلاها من أحداث، وما انتهت إليه المعالجات التي لم تكتمل فصولها. وهو ما دفع أحد المطّلعين على بعض هذه الملفات إلى فتح خزائنه المعلوماتية القديمة، بعدما كان أول مَن أشار إلى وجود أنفاق ربطت بين جانبَي الحدود اللبنانية – السورية، استعداداً لمثل الظروف التي نشأت بعد سقوط النظام السوري، معطوفةً في بعض الحالات التي عكسها تشديد الأجهزة الأمنية اللبنانية من تدابيرها على المعابر الشرعية لمنع أعمال الإتجار بالبشر وتهريب الأموال والأسلحة والممنوعات على أنواعها.
ولا ينسى هؤلاء الربط بين ما رافق تلك الأحداث وما استدرجته من قطيعة سعودية قاتلة، شملت المنتجات الزراعية اللبنانية في نهاية العام 2021، قبل أن تتضامن معها دول مجلس التعاون الخليجي إثر اكتشاف شبكات تهريب الشاي والليمون والرمان المخدّر، وتلك التي استخدمت شاسيهات شاحنات النقل العابرة للحدود لتهريب الكابتاغون، وخفّفت منها المبادرة الكويتية التي حملها إلى بيروت وزير الخارجية الكويتي أحمد ناصر المحمد الصباح في 23 كانون الثاني 2022، على قاعدة ترميم «بناء جسور الثقة مع الجمهورية اللبنانية الشقيقة»، وما حملته من «إجراءات وخطوات ثابتة لإزالة أي خلاف ينشأ بين لبنان وأشقائه الخليجيِّين»، واكتملت فصولها قبل أسابيع قليلة.
لم تكن العودة إلى تلك المرحلة لمجرّد تأريخ لبعض الأحداث المتصلة بتهريب المال والسلاح والمخدّرات بين هذه الدول. فقد كان واضحاً أنّها كانت عملية منظّمة برعاية أنظمة حكومية، جعلتها أعمالاً سهلة وطبيعية في ظل «الأوتوستراد العريض» الذي كان مفتوحاً بين طهران ولبنان عبر العاصمتَين العراقية والسورية، والفلتان على الحدود بين هذه الدول. وقد كان طبيعياً أن تتقلّص هذه العمليات إلى الحدود الدنيا، نتيجة المتغيّرات الكبرى في لبنان وسوريا والعراق وما أصاب «محور الممانعة» من ندوب ووهن، إلى أن تبيّن أنّها لم تتوقف بعد نهائياً، وأنّها اتخذت منحى آخر، بعدما خُصِّصت لها قدرات أخرى بهدف تأمين السلاح والمال لـ«حزب الله» في لبنان، للتعويض عمّا اتُخِذ من إجراءات، عكَسها حظر هبوط الطائرات الإيرانية في مطار بيروت الدولي والتشدُّد في المطارات الروسية والتركية، التي تحوَّلت وسيطاً بين طهران وأذرعها، إثر مصادرة ملايين الدولارات التي عبرت عبرهما في اتجاه لبنان وبالعكس.
وإلى هذه المعطيات، يكشف العارفون أنّ المحاولات لاستئناف أعمال التهريب للمال والسلاح لم تتوقف بعد. وبدأت بعض الشبكات المكلّفة بالمهمّة باستخدام وسائل وآليات أخرى لضمان الموارد الكافية للمجموعات الموالية لإيران، وقد تمكّنت لفترة وجيزة من القيام ببعض العمليات قبل أن يشدِّد الجانب العراقي في الفترة الأخيرة من تدابير «حظر السلاح غير الشرعي»، وهو متوافر بالأطنان لدى الفصائل التي حلّت أجنحتها العسكرية. ففُتح باب جديد لنقل ما يمكن نقله إلى لبنان وربما إلى سوريا والأردن – وإن توافر ثمنه البخس لبعض الشبكات فلا ضَير في ذلك. علماً أنّ أصناف هذه الأسلحة موحّدة في البلدَين، طالما أنّها من إنتاج إيراني أو كوري. فكيف إن رُبِط بين هذه العمليات وما كان مطروحاً على طاولة البحث قبل فترة قليلة في لبنان لنقل السلاح الإيراني الذي يستخدمه الحزب إلى العراق، لو قرّر التخلّي عنه من دون تسليمه إلى الجيش والقوى الأمنية اللبنانية الشرعية.
لا يريد العارفون الكشف عمّا لا يمكن البَوح به اليوم، لكنّ مراجع أمنية واستخبارية كشفت عن وجود آلية تعاون جديدة ترعاها واشنطن ومعها بعض عواصم الخليج والشرق الأوسط، عن اعتماد آلية تعاون دقيقة ومتينة في ما بينها، ومع كل من «العهود الجديدة» في بغداد ودمشق وبيروت للإمساك بهذه الشبكات. وخصوصاً أنّ بعض التجارب قد حققت إنجازات «مذهلة» على مستوى مراقبة وملاحقة المطلوبين ومواجهة شبكات الخطف بهدف الابتزاز المالي، التي طاولت رجال أعمال سوريّين وعراقيّين وخليجيّين في لبنان، وصولاً إلى كشف العملاء المرتبطين بالموساد والأجهزة الإسرائيلية الأخرى، وآخرهم مَن سُمِّي «العميل اللبناني الخطير» الذي أوقف قبل أيام قليلة في مطار بيروت قبل انتقاله إلى العراق.
وترجّح المعلومات المتداولة على نطاق ضيّق، أن تصل التحقيقات إلى الربط المنطقي بين مسلسل الإغتيالات، وما تكشفه من المفاجآت الكبرى، وخصوصاً إن ثَبُت أنّ المسلسل الطويل بدأ باغتيال قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني اللواء قاسم سليماني ورفيقه نائب رئيس هيئة أركان «الحشد الشعبي» العراقي أبو مهدي المهندس، في غارة جوية شنّتها مسيّرة أميركية قرب مطار بغداد الدولي في 3 كانون الثاني 2020، وصولاً إلى اغتيال الأمينَين العامَّين لـ«حزب الله» في لبنان يومَي 27 أيلول و3 تشرين الأول 2024، ومعهما القادة العسكريّون من لبنانيّين وفلسطينيّين.










