لقاء عون – ترامب: رحلة الألف ميل تبدأ بقمة

القمة بين عون وترامب تعني أنّ لبنان قرر أن يكون جزءاً من المستقبل لا أسيراً للماضي. وتعني أنّ الدولة اللبنانية بدأت تستعيد موقعها كمخاطب شرعي للمجتمع الدولي. وتعني أيضاً أنّ العالم مستعد لمساعدة لبنان، شرط أن يساعد لبنان نفسه أولاً
ليس صحيحاً أنّ القمة المرتقبة بين الرئيس جوزاف عون والرئيس الأميركي دونالد ترامب هي مجرد محطة بروتوكولية في سجل العلاقات اللبنانية – الأميركية. وليست مجرد زيارة رسمية لرئيس لبناني إلى واشنطن كما يحاول البعض تصويرها أو التقليل من شأنها. الحقيقة أنها تمثل لحظة سياسية مفصلية قد ينظر إليها المؤرخون مستقبلاً باعتبارها نقطة الانطلاق الفعلية لمسار تعافي لبنان بعد سنوات طويلة من الانهيار والعزلة والتعطيل.
الأهم من ذلك أنّ هذه القمة لم تأتِ من فراغ. فهي ليست حدثاً معزولاً، بل النتيجة الطبيعية لاتفاق الإطار الذي وقعه لبنان في واشنطن ممثلاً بالسفيرة ندى معوض، والذي وضع للمرة الأولى أسس شراكة سياسية وأمنية واقتصادية واضحة بين لبنان والولايات المتحدة، وأطلق مساراً دولياً هدفه إعادة بناء الدولة اللبنانية وتمكين مؤسساتها الشرعية واستعادة ثقة العالم بلبنان.
منذ سنوات، يعيش لبنان داخل دائرة مفرغة: أزمات تتوالد من أزمات، وحكومات تدير الانهيار بدلاً من منعه، وقوى سياسية تتحدث باسم السيادة فيما تمارس كل ما يؤدي إلى تقويض الدولة. أما النتيجة فكانت كارثية: اقتصاد منهار، مؤسسات ضعيفة، استثمارات هاربة، شباب مهاجر، ودولة فقدت جزءاً كبيراً من قدرتها على اتخاذ القرار الحر.
اليوم، وللمرة الأولى منذ زمن طويل، يلوح في الأفق مشروع مختلف. مشروع يقوم على فكرة بسيطة لكنها حاسمة: لا يمكن إنقاذ لبنان من دون دولة قوية، ولا يمكن بناء دولة قوية من دون دعم دولي، ولا يمكن الحصول على هذا الدعم من دون خيارات سياسية واضحة. وهذا بالضبط ما يمثله اتفاق الإطار وما ستكرسه قمة عون – ترامب.
هنا يبدأ الانقسام الحقيقي في الداخل اللبناني. فهناك من يرى في هذه القمة فرصة تاريخية لإعادة لبنان إلى الخريطة الاقتصادية والسياسية الدولية، وهناك من ينظر إليها باعتبارها تهديداً مباشراً للمصالح التي راكمها خلال سنوات الفوضى. ولهذا السبب تحديداً ترتفع أصوات التشكيك والهجوم والتخوين قبل انعقاد القمة حتى.
فالمفارقة أنّ بعض القوى التي لم تقدم للبنان سوى المزيد من العزلة والانهيار تريد اليوم إقناع اللبنانيين بأنّ الانفتاح على العالم خطر، وأنّ استعادة ثقة المجتمع الدولي مؤامرة، وأنّ بناء الدولة مشروع مشبوه. وهي القوى نفسها التي بشّرت اللبنانيين لعقود بانتصارات استراتيجية كبرى، فإذا بالنتيجة دولة مفلسة، ومصارف منهارة، وحدود مستباحة، ومواطنون يبحثون عن فرصة حياة في أي مكان خارج وطنهم.
الحقيقة التي يحاول البعض الهروب منها هي أنّ المنطقة كلها تتغير. شرق أوسط الحروب المفتوحة يتراجع لمصلحة شرق أوسط الاقتصاد والاستثمار والتكامل الإقليمي. الدول التي فهمت التحول الجديد بدأت تحجز لنفسها موقعاً في المستقبل، أما الدول التي بقيت أسيرة شعارات الماضي فتواجه خطر التهميش. ولبنان اليوم أمام هذا الامتحان بالذات.
القمة بين عون وترامب تعني أنّ لبنان قرر أن يكون جزءاً من المستقبل لا أسيراً للماضي. وتعني أنّ الدولة اللبنانية بدأت تستعيد موقعها كمخاطب شرعي للمجتمع الدولي. وتعني أيضاً أنّ العالم مستعد لمساعدة لبنان، شرط أن يساعد لبنان نفسه أولاً.
من هنا يمكن فهم حجم الرهان على هذه القمة. فالأمر لا يتعلق بصورة في البيت الأبيض أو ببيان مشترك يصدر بعد الاجتماع. بل يتعلق بإطلاق مرحلة جديدة كاملة: استثمارات محتملة، دعم اقتصادي، إعادة تأهيل البنية التحتية، تعزيز قدرات الجيش اللبناني، استعادة الثقة بالقطاع المالي، وفتح الباب أمام إدماج لبنان في المشاريع الاقتصادية الكبرى التي تعيد رسم خريطة المنطقة.
ولهذا السبب أيضاً يخشى خصوم هذا المسار نجاحه. لأنّ نجاح الدولة يعني تراجع نفوذ الدويلة. ونجاح المؤسسات يعني سقوط منطق الأمر الواقع. ونجاح الاقتصاد يعني انتهاء زمن استخدام الفقر والانهيار كأدوات للسيطرة السياسية. ولذلك ليس مستغرباً أن نرى منذ الآن محاولات مكثفة للتقليل من أهمية القمة أو التشكيك بنتائجها أو الرهان على إفشالها.
لكن ما يغيب عن هؤلاء أنّ لبنان عام 2026 ليس لبنان عام 1983، وأنّ المنطقة ليست المنطقة نفسها، وأنّ موازين القوى ليست تلك التي كانت قائمة قبل أربعة عقود. يومها كان بالإمكان إسقاط اتفاقات عبر السلاح والفوضى والانقسامات الإقليمية. أما اليوم فإنّ معادلات المنطقة تغيّرت جذرياً، وأصبح الاقتصاد والاستقرار والتنمية هي اللغة التي يتحدث بها الجميع.
لهذا تبدو رهانات التعطيل أقرب إلى محاولة الوقوف في وجه حركة التاريخ. فالعالم لا ينتظر أحداً، والمنطقة لا تتوقف عند حدود لبنان، والمشاريع الكبرى التي تتشكل حوله ستستمر سواء شارك فيها أم بقي خارجها. والسؤال الحقيقي لم يعد: هل يتغير الشرق الأوسط؟ بل هل يملك لبنان الشجاعة للّحاق بهذا التغيير؟
لقاء عون وترامب يقدم جواباً واضحاً. إنه إعلان بأنّ لبنان اختار الخروج من غرفة الإنعاش والدخول إلى ورشة التعافي. صحيح أنّ الطريق طويلة، وصحيح أنّ التحديات لا تزال ضخمة، لكن أحداً لا يبدأ رحلة الألف ميل من نهايتها. البداية تكون دائماً بخطوة أولى، وهذه الخطوة هي القمة.
أما الذين يراهنون على إفشال المسار، فربما عليهم أن يجيبوا اللبنانيين عن سؤال بسيط: ماذا قدمت سنوات التعطيل سوى الخراب؟ وماذا حققت سياسات المواجهة الدائمة سوى المزيد من الفقر والعزلة؟ وماذا بقي من الشعارات الكبيرة عندما انهارت العملة وضاعت الودائع وهاجر الأبناء؟
لبنان يقف اليوم أمام فرصة نادرة. فرصة للعودة إلى الدولة، وإلى الاقتصاد، وإلى العالم. واتفاق الإطار الذي وقعته السفيرة ندى معوض كان الشرارة الأولى لهذا التحول. أما قمة عون – ترامب فهي اللحظة التي تنتقل فيها الفكرة من الورق إلى السياسة، ومن السياسة إلى التنفيذ.
قد لا تُحلّ كل الأزمات في يوم واحد، لكن الأكيد أنّ مسار التعافي يبدأ هنا. ومن واشنطن تحديداً. لأن الأمم لا تنهض بالانتظار، بل بالقرارات الكبرى. ولبنان، بعد سنوات طويلة من الدوران في الحلقة المفرغة، يبدو أخيراً أنه اتخذ قراره.
رحلة الألف ميل بدأت بالفعل. والقمة هي خطوتها الأولى.
لقاء عون – ترامب: رحلة الألف ميل تبدأ بقمة

القمة بين عون وترامب تعني أنّ لبنان قرر أن يكون جزءاً من المستقبل لا أسيراً للماضي. وتعني أنّ الدولة اللبنانية بدأت تستعيد موقعها كمخاطب شرعي للمجتمع الدولي. وتعني أيضاً أنّ العالم مستعد لمساعدة لبنان، شرط أن يساعد لبنان نفسه أولاً
ليس صحيحاً أنّ القمة المرتقبة بين الرئيس جوزاف عون والرئيس الأميركي دونالد ترامب هي مجرد محطة بروتوكولية في سجل العلاقات اللبنانية – الأميركية. وليست مجرد زيارة رسمية لرئيس لبناني إلى واشنطن كما يحاول البعض تصويرها أو التقليل من شأنها. الحقيقة أنها تمثل لحظة سياسية مفصلية قد ينظر إليها المؤرخون مستقبلاً باعتبارها نقطة الانطلاق الفعلية لمسار تعافي لبنان بعد سنوات طويلة من الانهيار والعزلة والتعطيل.
الأهم من ذلك أنّ هذه القمة لم تأتِ من فراغ. فهي ليست حدثاً معزولاً، بل النتيجة الطبيعية لاتفاق الإطار الذي وقعه لبنان في واشنطن ممثلاً بالسفيرة ندى معوض، والذي وضع للمرة الأولى أسس شراكة سياسية وأمنية واقتصادية واضحة بين لبنان والولايات المتحدة، وأطلق مساراً دولياً هدفه إعادة بناء الدولة اللبنانية وتمكين مؤسساتها الشرعية واستعادة ثقة العالم بلبنان.
منذ سنوات، يعيش لبنان داخل دائرة مفرغة: أزمات تتوالد من أزمات، وحكومات تدير الانهيار بدلاً من منعه، وقوى سياسية تتحدث باسم السيادة فيما تمارس كل ما يؤدي إلى تقويض الدولة. أما النتيجة فكانت كارثية: اقتصاد منهار، مؤسسات ضعيفة، استثمارات هاربة، شباب مهاجر، ودولة فقدت جزءاً كبيراً من قدرتها على اتخاذ القرار الحر.
اليوم، وللمرة الأولى منذ زمن طويل، يلوح في الأفق مشروع مختلف. مشروع يقوم على فكرة بسيطة لكنها حاسمة: لا يمكن إنقاذ لبنان من دون دولة قوية، ولا يمكن بناء دولة قوية من دون دعم دولي، ولا يمكن الحصول على هذا الدعم من دون خيارات سياسية واضحة. وهذا بالضبط ما يمثله اتفاق الإطار وما ستكرسه قمة عون – ترامب.
هنا يبدأ الانقسام الحقيقي في الداخل اللبناني. فهناك من يرى في هذه القمة فرصة تاريخية لإعادة لبنان إلى الخريطة الاقتصادية والسياسية الدولية، وهناك من ينظر إليها باعتبارها تهديداً مباشراً للمصالح التي راكمها خلال سنوات الفوضى. ولهذا السبب تحديداً ترتفع أصوات التشكيك والهجوم والتخوين قبل انعقاد القمة حتى.
فالمفارقة أنّ بعض القوى التي لم تقدم للبنان سوى المزيد من العزلة والانهيار تريد اليوم إقناع اللبنانيين بأنّ الانفتاح على العالم خطر، وأنّ استعادة ثقة المجتمع الدولي مؤامرة، وأنّ بناء الدولة مشروع مشبوه. وهي القوى نفسها التي بشّرت اللبنانيين لعقود بانتصارات استراتيجية كبرى، فإذا بالنتيجة دولة مفلسة، ومصارف منهارة، وحدود مستباحة، ومواطنون يبحثون عن فرصة حياة في أي مكان خارج وطنهم.
الحقيقة التي يحاول البعض الهروب منها هي أنّ المنطقة كلها تتغير. شرق أوسط الحروب المفتوحة يتراجع لمصلحة شرق أوسط الاقتصاد والاستثمار والتكامل الإقليمي. الدول التي فهمت التحول الجديد بدأت تحجز لنفسها موقعاً في المستقبل، أما الدول التي بقيت أسيرة شعارات الماضي فتواجه خطر التهميش. ولبنان اليوم أمام هذا الامتحان بالذات.
القمة بين عون وترامب تعني أنّ لبنان قرر أن يكون جزءاً من المستقبل لا أسيراً للماضي. وتعني أنّ الدولة اللبنانية بدأت تستعيد موقعها كمخاطب شرعي للمجتمع الدولي. وتعني أيضاً أنّ العالم مستعد لمساعدة لبنان، شرط أن يساعد لبنان نفسه أولاً.
من هنا يمكن فهم حجم الرهان على هذه القمة. فالأمر لا يتعلق بصورة في البيت الأبيض أو ببيان مشترك يصدر بعد الاجتماع. بل يتعلق بإطلاق مرحلة جديدة كاملة: استثمارات محتملة، دعم اقتصادي، إعادة تأهيل البنية التحتية، تعزيز قدرات الجيش اللبناني، استعادة الثقة بالقطاع المالي، وفتح الباب أمام إدماج لبنان في المشاريع الاقتصادية الكبرى التي تعيد رسم خريطة المنطقة.
ولهذا السبب أيضاً يخشى خصوم هذا المسار نجاحه. لأنّ نجاح الدولة يعني تراجع نفوذ الدويلة. ونجاح المؤسسات يعني سقوط منطق الأمر الواقع. ونجاح الاقتصاد يعني انتهاء زمن استخدام الفقر والانهيار كأدوات للسيطرة السياسية. ولذلك ليس مستغرباً أن نرى منذ الآن محاولات مكثفة للتقليل من أهمية القمة أو التشكيك بنتائجها أو الرهان على إفشالها.
لكن ما يغيب عن هؤلاء أنّ لبنان عام 2026 ليس لبنان عام 1983، وأنّ المنطقة ليست المنطقة نفسها، وأنّ موازين القوى ليست تلك التي كانت قائمة قبل أربعة عقود. يومها كان بالإمكان إسقاط اتفاقات عبر السلاح والفوضى والانقسامات الإقليمية. أما اليوم فإنّ معادلات المنطقة تغيّرت جذرياً، وأصبح الاقتصاد والاستقرار والتنمية هي اللغة التي يتحدث بها الجميع.
لهذا تبدو رهانات التعطيل أقرب إلى محاولة الوقوف في وجه حركة التاريخ. فالعالم لا ينتظر أحداً، والمنطقة لا تتوقف عند حدود لبنان، والمشاريع الكبرى التي تتشكل حوله ستستمر سواء شارك فيها أم بقي خارجها. والسؤال الحقيقي لم يعد: هل يتغير الشرق الأوسط؟ بل هل يملك لبنان الشجاعة للّحاق بهذا التغيير؟
لقاء عون وترامب يقدم جواباً واضحاً. إنه إعلان بأنّ لبنان اختار الخروج من غرفة الإنعاش والدخول إلى ورشة التعافي. صحيح أنّ الطريق طويلة، وصحيح أنّ التحديات لا تزال ضخمة، لكن أحداً لا يبدأ رحلة الألف ميل من نهايتها. البداية تكون دائماً بخطوة أولى، وهذه الخطوة هي القمة.
أما الذين يراهنون على إفشال المسار، فربما عليهم أن يجيبوا اللبنانيين عن سؤال بسيط: ماذا قدمت سنوات التعطيل سوى الخراب؟ وماذا حققت سياسات المواجهة الدائمة سوى المزيد من الفقر والعزلة؟ وماذا بقي من الشعارات الكبيرة عندما انهارت العملة وضاعت الودائع وهاجر الأبناء؟
لبنان يقف اليوم أمام فرصة نادرة. فرصة للعودة إلى الدولة، وإلى الاقتصاد، وإلى العالم. واتفاق الإطار الذي وقعته السفيرة ندى معوض كان الشرارة الأولى لهذا التحول. أما قمة عون – ترامب فهي اللحظة التي تنتقل فيها الفكرة من الورق إلى السياسة، ومن السياسة إلى التنفيذ.
قد لا تُحلّ كل الأزمات في يوم واحد، لكن الأكيد أنّ مسار التعافي يبدأ هنا. ومن واشنطن تحديداً. لأن الأمم لا تنهض بالانتظار، بل بالقرارات الكبرى. ولبنان، بعد سنوات طويلة من الدوران في الحلقة المفرغة، يبدو أخيراً أنه اتخذ قراره.
رحلة الألف ميل بدأت بالفعل. والقمة هي خطوتها الأولى.









