“استنقاع” واستنزاف لمدّة طويلة؟

الكاتب: نبيل بومنصف | المصدر: النهار
29 تموز 2026

أقصى المحاذير تتمثل في عودة سريعة لاهبة للحرب في الجنوب وامتداداً إلى مناطق لبنانية أخرى لدى أيّ مغامرة جديدة قاتلة يرتكبها “حزب الله” خارج إطار المألوف من المماحكات الحربية الميدانية

قد يكون شبه مستحيل الجزم القاطع بأي اتجاه ستنتهي حرب الاستنزاف الجارية بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، في ظلّ سلوكيات، ولا نقول استراتيجية، الرئيس الأميركي دونالد ترامب حيال إيران التي تتسم بمزيج غرائبي بين موجات الحرب والتفاوض، من دون أن تبلغ الحسم النهائي بعد.

ولعله ليس غريباً إطلاقاً، أيضاً، أن يغلب الاستنزاف على تفاوت واختلاف الدرجات والمنسوب، على حروب المنطقة التي تتقلب على مزيج العنف والهدنات، من غزة والضفة الغربية إلى لبنان واليمن وإيران، ما لم نحتسب بينها سوريا والدول الخليجية التي تتعرّض لعدوانية إيرانية مفتوحة.
كلّ ذلك يوجّه اللبنانيين إلى تبريد الآمال وتقليص الطموحات وخفض التوقعات حيال نهاية سريعة للمخاض المعقد والصعب الذي يجتازه لبنان كلاً ولا سيما منه جنوبه، تبعاً لما أثارته التطورات الأخيرة التي أثارت الكثير من الرهانات البديهية لتخليص لبنان من قيود الحرب التي زُجّ فيها، وخصوصاً بعد النجاح الملحوظ إلى مستويات متقدمة في فصل الربط القسري بين مسار لبنان التفاوضي عن المسار الإيراني.

فالمرحلة البدائية للاتفاق الإطاري الذي عُقد بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية كشفت عمقاً أكبر من المتوقع للتعقيدات المتحكمة بالآليات التفصيلية والتنفيذية للاتفاق بدءاً بآلية المناطق التجريبية التي إن مضت على هذه الوتيرة يحتاج تنفيذ الاتفاق إلى مدة مفتوحة لاستكماله. ومع افتراض أن الضغط الذي يمارسه الرئيس الأميركي على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي التقاه أمس في البيت الأبيض، لإبقاء عمليات الجيش الإسرائيلي في المناطق المحتلة من الجنوب تحت وتيرة دون الحرب الشاملة، فإن الفترة الفاصلة بين توقيع الاتفاق الإطاري واللحظة الراهنة أثبتت أن ترامب لن يتجاوز حدود هذا الضغط إلى إرغام إسرائيل على وتيرة سريعة للانسحاب من كل الجنوب بل الالتزام في أقصى الحدود وفي أفضل الاحتمالات، بما نصّ عليه الاتفاق.

ومع اقتراب العد العكسي للانتخابات التشريعية العامة في إسرائيل في تشرين الأول ومن ثم الانتخابات النصفية في الولايات المتحدة الأميركية في تشرين الثاني، فإن أقصى المحاذير تتمثل في عودة سريعة لاهبة للحرب في الجنوب وامتداداً إلى مناطق لبنانية أخرى لدى أيّ مغامرة جديدة قاتلة يرتكبها “حزب الله” خارج إطار المألوف من المماحكات الحربية الميدانية، لأن نتنياهو يتربّص بأيّ فرصة من هذا النوع لإشعال الجبهة اللبنانية بلا أيّ ضوابط وروادع من الرئيس الأميركي.

وأما جوهر الواقع الاستنزافي الذي يرخي بكل ذيوله على المنطقة ولبنان فهو يتمثل في عدم الركون إلى أيّ معادلة ثابتة للنظام في إيران الذي يشكل يوماً بعد يوم لغزاً غير محسوم في ظلّ الذبذبة غير المسبوقة التي تطبع الازدواجية الإيرانية في التعامل مع المفاوضات والحرب.

صحيح أن لبنان فصل مبدئياً عن المسار الإيراني وشكل الاتفاق الإطاري كسراً مهماً لهيمنة النفوذ الإيراني عبر ذراعه “حزب الله”، غير أن ذلك لا يكفي للنوم على حرير هذا الإنجاز النسبي لأن إيران تثبت من خلال العدوانية اليومية التي تمارسها ضد الدول الخليجية، كما من خلال تصعيد الحرب السياسية والإعلامية لـ”حزب الله” على السلطة اللبنانية، أن الهدنة الحالية النسبية على الجبهة اللبنانية ليست مضمونة أبداً وأن الاستنزاف الجاري بموازاة انطلاق المرحلة الأولى البطيئة والمحدودة للمناطق التجريبية، تنذر في أفضل الأحوال باستنقاع طويل.

وغنيّ عن القول إن لبنان يواجه في نهاية المطاف الاستنزاف والاستنقاع ما لم يقلب الطاولة من مكان ما!

“استنقاع” واستنزاف لمدّة طويلة؟

الكاتب: نبيل بومنصف | المصدر: النهار
29 تموز 2026

أقصى المحاذير تتمثل في عودة سريعة لاهبة للحرب في الجنوب وامتداداً إلى مناطق لبنانية أخرى لدى أيّ مغامرة جديدة قاتلة يرتكبها “حزب الله” خارج إطار المألوف من المماحكات الحربية الميدانية

قد يكون شبه مستحيل الجزم القاطع بأي اتجاه ستنتهي حرب الاستنزاف الجارية بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، في ظلّ سلوكيات، ولا نقول استراتيجية، الرئيس الأميركي دونالد ترامب حيال إيران التي تتسم بمزيج غرائبي بين موجات الحرب والتفاوض، من دون أن تبلغ الحسم النهائي بعد.

ولعله ليس غريباً إطلاقاً، أيضاً، أن يغلب الاستنزاف على تفاوت واختلاف الدرجات والمنسوب، على حروب المنطقة التي تتقلب على مزيج العنف والهدنات، من غزة والضفة الغربية إلى لبنان واليمن وإيران، ما لم نحتسب بينها سوريا والدول الخليجية التي تتعرّض لعدوانية إيرانية مفتوحة.
كلّ ذلك يوجّه اللبنانيين إلى تبريد الآمال وتقليص الطموحات وخفض التوقعات حيال نهاية سريعة للمخاض المعقد والصعب الذي يجتازه لبنان كلاً ولا سيما منه جنوبه، تبعاً لما أثارته التطورات الأخيرة التي أثارت الكثير من الرهانات البديهية لتخليص لبنان من قيود الحرب التي زُجّ فيها، وخصوصاً بعد النجاح الملحوظ إلى مستويات متقدمة في فصل الربط القسري بين مسار لبنان التفاوضي عن المسار الإيراني.

فالمرحلة البدائية للاتفاق الإطاري الذي عُقد بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية كشفت عمقاً أكبر من المتوقع للتعقيدات المتحكمة بالآليات التفصيلية والتنفيذية للاتفاق بدءاً بآلية المناطق التجريبية التي إن مضت على هذه الوتيرة يحتاج تنفيذ الاتفاق إلى مدة مفتوحة لاستكماله. ومع افتراض أن الضغط الذي يمارسه الرئيس الأميركي على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي التقاه أمس في البيت الأبيض، لإبقاء عمليات الجيش الإسرائيلي في المناطق المحتلة من الجنوب تحت وتيرة دون الحرب الشاملة، فإن الفترة الفاصلة بين توقيع الاتفاق الإطاري واللحظة الراهنة أثبتت أن ترامب لن يتجاوز حدود هذا الضغط إلى إرغام إسرائيل على وتيرة سريعة للانسحاب من كل الجنوب بل الالتزام في أقصى الحدود وفي أفضل الاحتمالات، بما نصّ عليه الاتفاق.

ومع اقتراب العد العكسي للانتخابات التشريعية العامة في إسرائيل في تشرين الأول ومن ثم الانتخابات النصفية في الولايات المتحدة الأميركية في تشرين الثاني، فإن أقصى المحاذير تتمثل في عودة سريعة لاهبة للحرب في الجنوب وامتداداً إلى مناطق لبنانية أخرى لدى أيّ مغامرة جديدة قاتلة يرتكبها “حزب الله” خارج إطار المألوف من المماحكات الحربية الميدانية، لأن نتنياهو يتربّص بأيّ فرصة من هذا النوع لإشعال الجبهة اللبنانية بلا أيّ ضوابط وروادع من الرئيس الأميركي.

وأما جوهر الواقع الاستنزافي الذي يرخي بكل ذيوله على المنطقة ولبنان فهو يتمثل في عدم الركون إلى أيّ معادلة ثابتة للنظام في إيران الذي يشكل يوماً بعد يوم لغزاً غير محسوم في ظلّ الذبذبة غير المسبوقة التي تطبع الازدواجية الإيرانية في التعامل مع المفاوضات والحرب.

صحيح أن لبنان فصل مبدئياً عن المسار الإيراني وشكل الاتفاق الإطاري كسراً مهماً لهيمنة النفوذ الإيراني عبر ذراعه “حزب الله”، غير أن ذلك لا يكفي للنوم على حرير هذا الإنجاز النسبي لأن إيران تثبت من خلال العدوانية اليومية التي تمارسها ضد الدول الخليجية، كما من خلال تصعيد الحرب السياسية والإعلامية لـ”حزب الله” على السلطة اللبنانية، أن الهدنة الحالية النسبية على الجبهة اللبنانية ليست مضمونة أبداً وأن الاستنزاف الجاري بموازاة انطلاق المرحلة الأولى البطيئة والمحدودة للمناطق التجريبية، تنذر في أفضل الأحوال باستنقاع طويل.

وغنيّ عن القول إن لبنان يواجه في نهاية المطاف الاستنزاف والاستنقاع ما لم يقلب الطاولة من مكان ما!

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار