هل يدخل الجنوب حربه الثالثة؟

قد تكون زيارة نتنياهو تمهيداً مباشراً لإعادة رسم الخريطة الأمنيّة في الشرق الأوسط. وإذا لم ينجح لبنان الرسمي في تقديم النموذج العملي والحاسم في مفاوضات روما، فإنّ الجنوب قد يستيقظ على قرع طبول جولة عسكرية ثالثة وأكثر شراسة، لا تبقي على الخط الأصفر الحالي، وقد لا تقف عند حدود الليطاني والزهراني
أكثر ما شغل المتابعين للقاء المغلق بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو هو الحرص المشترك على كتم المعلومات. فقد اكتفى نتنياهو، بعد اللقاء، برسم ابتسامة، ووصف الزيارة بـ”الممتازة”، فيما حرص الطرفان على إبقاء الملفات الأكثر التهاباً، أي مسائل طهران وأذرعها في لبنان واليمن والعراق، إلى غزة والضفة الغربية، طي الكتمان المطلق. وهذا الصمت لا يعكس بالضرورة تطابقاً تاماً، لكنه يؤشر بالتأكيد إلى دخول الطرفين في مرحلة الحسابات المعقدة سياسياً وعسكرياً.
يدرك نتنياهو، ومعه صقور حكومته، أنّ هامش المناورة الإستراتيجية يضيق بسرعة في الشرق الأوسط، خصوصاً أنّ الرجلين مقبلان على استحقاقات انتخابية مصيرية، كل في موقعه: ترامب يُواجه انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، بينما يتّجه نتنياهو نحو انتخابات عامة، في الخريف.
في المقابل، تستند الاستراتيجية الإيرانية تقليدياً إلى تقنية “الزمن المطاط”، أي شراء الوقت بالتفاوض والرهان على تآكل ولايات الرؤساء الأميركيين، من باراك أوباما إلى ولاية ترامب الأولى، مروراً بجو بايدن. واليوم، تراهن طهران على أنّ دخول ترامب المنحدر الثاني من ولايته الرئاسية بعد الانتخابات النصفية سيكسر اندفاعته الخارجيّة نسبياً. ووفق التسريبات، حاول نتنياهو إقناع ترامب بأنّ منح طهران وأذرعها أي هامش مناورة إضافي سينقل المواجهة الآتية حكماً إلى لحظة أشد تعقيداً وأعلى كلفة.
وتُترجم القراءة الإسرائيلية في الميدان اللبناني بمزيد من التشدد. وجاءت تداعيات ما جرى أمس في علي الطاهر لتزيد الهواجس. وبعدما كان هناك إصرار إسرائيلي على إبلاغ ترامب رفض الانسحاب من لبنان وسوريا وغزة، ذهب مسؤول إسرائيلي أبعد من ذلك، إذ أعلن عبر القناة 12، أنّ ترامب نفسه لم يطلب أساساً من نتنياهو تنفيذ انسحابات من أي جبهة. وهذا يعني أنّ إسرائيل ستتمسك بمكتسبات حروب السنوات الثلاث على كل الجبهات. وفي لبنان، ستضع شروطاً حازمة لتنفيذ أي انسحاب، ولو كان جزئياً، تتمثل بتفكيك هيكليات “حزب الله” ونزع سلاحه بالكامل.
أمام هذا الشرط الإسرائيلي، يخشى أن تصطدم المطالب اللبنانية المرفوعة إلى مفاوضات روما المقررة في 4 آب بحائط مسدود. فبينما يحمل الوفد اللبناني مطالب بوقف النار والدمار وعودة الأهالي وبرمجة الانسحاب، فإنّ الجانب الإسرائيلي سينقل النقاش نحو قدرات لبنان الرسمي وتعهداته بشأن تفكيك الأنفاق ومصادرة مواقع “الحزب” وترسانته، لا في جنوب الليطاني والزهراني فحسب، بل في شمالهما أيضاً.
وهذا ما يستدعي طرح السؤال عن السيناريو المقبل: هل تشتعل الجولة الثالثة من الحرب؟ فنجاح نتنياهو في تسويق رؤيته في واشنطن قد يجعل الزيارة نقطة تحول مفصلية، ربما إلى اعتماد الحسم العسكري مع طهران ومحورها، بعدما فشلت خيارات التسوية. وقد يكون الهدف العسكري هو تجاوز الشريط الحالي للقرى الحدودية، والتمدد للسيطرة على نقاط استراتيجية شمال نهر الليطاني والزهراني، بهدف ضرب القوة الصاروخية ومراكز الثقل العسكري الخاصة بـ”الحزب” بشكل دائم، أي تجريد السلاح بالنار، وليس بالنقاش على طاولات التفاوض.
وفي محاولة لتجنب سيناريو الانفجار الشامل وتوسيع الشريط الأمني، تبدو الدولة أمام خيارين اضطراربّين: تحصين الموقف اللبناني في روما بجدول زمني دقيق لانتشار الجيش، وإعلان الالتزام الواضح بخطوات عملية تتعلق بالسلاح، وبوضع المواقع كلها، شمال الليطاني وجنوبه تحت مظلة الجيش. وفي الوقت عينه، تفعيل المظلة الدولية والعربية لمنع تحوّل الخروق الحالية حرباً واسعة، عبر السعي إلى توسيع دور القوات الدولية التي توشك مهماتها على الانتهاء.
قد تكون زيارة نتنياهو تمهيداً مباشراً لإعادة رسم الخريطة الأمنيّة في الشرق الأوسط. وإذا لم ينجح لبنان الرسمي في تقديم النموذج العملي والحاسم في مفاوضات روما، فإنّ الجنوب قد يستيقظ على قرع طبول جولة عسكرية ثالثة وأكثر شراسة، لا تبقي على الخط الأصفر الحالي، وقد لا تقف عند حدود الليطاني والزهراني.
هل يدخل الجنوب حربه الثالثة؟

قد تكون زيارة نتنياهو تمهيداً مباشراً لإعادة رسم الخريطة الأمنيّة في الشرق الأوسط. وإذا لم ينجح لبنان الرسمي في تقديم النموذج العملي والحاسم في مفاوضات روما، فإنّ الجنوب قد يستيقظ على قرع طبول جولة عسكرية ثالثة وأكثر شراسة، لا تبقي على الخط الأصفر الحالي، وقد لا تقف عند حدود الليطاني والزهراني
أكثر ما شغل المتابعين للقاء المغلق بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو هو الحرص المشترك على كتم المعلومات. فقد اكتفى نتنياهو، بعد اللقاء، برسم ابتسامة، ووصف الزيارة بـ”الممتازة”، فيما حرص الطرفان على إبقاء الملفات الأكثر التهاباً، أي مسائل طهران وأذرعها في لبنان واليمن والعراق، إلى غزة والضفة الغربية، طي الكتمان المطلق. وهذا الصمت لا يعكس بالضرورة تطابقاً تاماً، لكنه يؤشر بالتأكيد إلى دخول الطرفين في مرحلة الحسابات المعقدة سياسياً وعسكرياً.
يدرك نتنياهو، ومعه صقور حكومته، أنّ هامش المناورة الإستراتيجية يضيق بسرعة في الشرق الأوسط، خصوصاً أنّ الرجلين مقبلان على استحقاقات انتخابية مصيرية، كل في موقعه: ترامب يُواجه انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، بينما يتّجه نتنياهو نحو انتخابات عامة، في الخريف.
في المقابل، تستند الاستراتيجية الإيرانية تقليدياً إلى تقنية “الزمن المطاط”، أي شراء الوقت بالتفاوض والرهان على تآكل ولايات الرؤساء الأميركيين، من باراك أوباما إلى ولاية ترامب الأولى، مروراً بجو بايدن. واليوم، تراهن طهران على أنّ دخول ترامب المنحدر الثاني من ولايته الرئاسية بعد الانتخابات النصفية سيكسر اندفاعته الخارجيّة نسبياً. ووفق التسريبات، حاول نتنياهو إقناع ترامب بأنّ منح طهران وأذرعها أي هامش مناورة إضافي سينقل المواجهة الآتية حكماً إلى لحظة أشد تعقيداً وأعلى كلفة.
وتُترجم القراءة الإسرائيلية في الميدان اللبناني بمزيد من التشدد. وجاءت تداعيات ما جرى أمس في علي الطاهر لتزيد الهواجس. وبعدما كان هناك إصرار إسرائيلي على إبلاغ ترامب رفض الانسحاب من لبنان وسوريا وغزة، ذهب مسؤول إسرائيلي أبعد من ذلك، إذ أعلن عبر القناة 12، أنّ ترامب نفسه لم يطلب أساساً من نتنياهو تنفيذ انسحابات من أي جبهة. وهذا يعني أنّ إسرائيل ستتمسك بمكتسبات حروب السنوات الثلاث على كل الجبهات. وفي لبنان، ستضع شروطاً حازمة لتنفيذ أي انسحاب، ولو كان جزئياً، تتمثل بتفكيك هيكليات “حزب الله” ونزع سلاحه بالكامل.
أمام هذا الشرط الإسرائيلي، يخشى أن تصطدم المطالب اللبنانية المرفوعة إلى مفاوضات روما المقررة في 4 آب بحائط مسدود. فبينما يحمل الوفد اللبناني مطالب بوقف النار والدمار وعودة الأهالي وبرمجة الانسحاب، فإنّ الجانب الإسرائيلي سينقل النقاش نحو قدرات لبنان الرسمي وتعهداته بشأن تفكيك الأنفاق ومصادرة مواقع “الحزب” وترسانته، لا في جنوب الليطاني والزهراني فحسب، بل في شمالهما أيضاً.
وهذا ما يستدعي طرح السؤال عن السيناريو المقبل: هل تشتعل الجولة الثالثة من الحرب؟ فنجاح نتنياهو في تسويق رؤيته في واشنطن قد يجعل الزيارة نقطة تحول مفصلية، ربما إلى اعتماد الحسم العسكري مع طهران ومحورها، بعدما فشلت خيارات التسوية. وقد يكون الهدف العسكري هو تجاوز الشريط الحالي للقرى الحدودية، والتمدد للسيطرة على نقاط استراتيجية شمال نهر الليطاني والزهراني، بهدف ضرب القوة الصاروخية ومراكز الثقل العسكري الخاصة بـ”الحزب” بشكل دائم، أي تجريد السلاح بالنار، وليس بالنقاش على طاولات التفاوض.
وفي محاولة لتجنب سيناريو الانفجار الشامل وتوسيع الشريط الأمني، تبدو الدولة أمام خيارين اضطراربّين: تحصين الموقف اللبناني في روما بجدول زمني دقيق لانتشار الجيش، وإعلان الالتزام الواضح بخطوات عملية تتعلق بالسلاح، وبوضع المواقع كلها، شمال الليطاني وجنوبه تحت مظلة الجيش. وفي الوقت عينه، تفعيل المظلة الدولية والعربية لمنع تحوّل الخروق الحالية حرباً واسعة، عبر السعي إلى توسيع دور القوات الدولية التي توشك مهماتها على الانتهاء.
قد تكون زيارة نتنياهو تمهيداً مباشراً لإعادة رسم الخريطة الأمنيّة في الشرق الأوسط. وإذا لم ينجح لبنان الرسمي في تقديم النموذج العملي والحاسم في مفاوضات روما، فإنّ الجنوب قد يستيقظ على قرع طبول جولة عسكرية ثالثة وأكثر شراسة، لا تبقي على الخط الأصفر الحالي، وقد لا تقف عند حدود الليطاني والزهراني.










