اتّفاق الإطار: “العصمة” في أيدي الأميركيّين فقط

الكاتب: نقولا ناصيف | المصدر: اساس ميديا
1 آب 2026

في 31 كانون الأوّل المقبل ينتهي انتداب القوّة الدوليّة. تتوقّف مهمّاتها وتستعدّ لترحيل جنودها، وفي الأشهر القليلة التالية ستُفكِّك منشآتها وبناها في مناطق عمليّاتها جنوب نهر الليطاني، وتخسر الناقورة البريق الذي منحها إيّاه طوال 48 عاماً رجال القبعات الزرق. بعدئذٍ تبدأ مشكلة من الصعب في الوقت الحاضر التكهّن بمآلها: مَن يخلف هؤلاء؟

 

ربّما من المنطقيّ أن لا يكون ثمّة مَن يخلفهم بعد عقود طويلة في مهمّاتهم في الجنوب لمراقبة وقف النار. جاؤوا في مهمّة أولى عام 1978 لتطبيق القرار 425، ثمّ بعد أقلّ من ثلاثة عقود كُلّفوا بمهمّة مطابِقة لكن بصفة قوّة دوليّة معزّزة عام 2006 لتطبيق القرار 1701. من حسن طالع القرار 425 أنّه نُفّذ، بطريقة أو بأخرى، بانسحاب إراديّ للاحتلال الإسرائيليّ أو تحت وطأة هجمات المقاومة و”الحزب”، بيد أنّه أخيراً صار ناجزاً ولم يعد إلّا في الوثائق المنسيّة للأمم المتّحدة بأن وُوري على نحو قانونيّ وواقعيّ بانتهاء أسباب وجوده. مع ذلك، بحصول التحرير عام 2000، استمرّ الجنود الدوليّون في الجنوب لمراقبة استمرار وقف النار عند جانبَي الحدود.

1701… القرار الذي أُنهي قبل إنجاز مهمّته

الحظّ الذي أُعطي للقرار 425، حُرم منه القرار 1701 السيّئ الحظّ. تغادر القوّة الدوليّة المعزّزة الجنوب في نهاية هذه السنة قبل استكمال تنفيذه، وحتّى من غير تنفيذه، إن لم يصحّ القول إنّ الوضع جنوب نهر الليطاني أضحى أسوأ ممّا كان في يومه الأوّل عام 1978. استعادت إسرائيل تجربته عام 1982 وتجاوَزَه الاجتياح ودخل بيروت من أبوابها الواسعة في شقّيها الشرقيّ والغربيّ. استُعيدت معضلة جنوب نهر الليطاني مرّة ثالثة في حرب تمّوز 2006.

تغادر القوّة الدوليّة الجنوب بلا اكتمال مهمّتها في ضوء إنهاء مجلس الأمن دورها في 28 آب 2025 بالقرار 2790، بضغوط أميركيّة. وكان اقترن التمديد الدوريّ لها في السنوات الأخيرة مراراً بإجراءات تتعلّق إمّا بشحّ تمويلها أو خفض الدول المشاركة فيها أو الاعتراض على إخفاقها أو حتّى اقتراح تعديل عمليّاتها في صراع مفتوح بين إسرائيل و”الحزب”. على أنّ إنهاء المهمّة أخيراً، للمرّة الأولى في تاريخ المنظّمة الدوليّة، قلَب المنطق رأساً على عقب: عوض انبثاق وقف انتدابها من نتيجة طبيعيّة هي إنجاز المهمّة المنوطة بها تبعاً للقرار 1701، فإذا بها تخلّف فراغاً عسكريّاً في منطقة عمليّاتها، فيما المرجع المعهود إليه مهمّتها، وهو قرار مجلس الأمن، لا يزال نافذاً قبل استكمال آخِرة حلقاته، بإلغائه الواقعيّ في الاتّفاق الموقّع في 26 حزيران الماضي بين لبنان وإسرائيل برعاية الولايات المتّحدة.

ما لم يفعله اتّفاق وقف النار في 27 تشرين الثاني 2024، بأن أبقى على مرجعيّة القرار 1701 لتحقيق الاستقرار جنوب نهر الليطاني واعتماد الآليّات التي نصّ عليها القرار لانسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانيّة المحتلّة، أقدم عليه “اتّفاق الإطار” أخيراً.

أوروبا بين الرّغبة في المساعدة والفيتو الأميركيّ

ذاك ما يعيد طرح المعضلة نفسها في ضوء حقائقها الجديدة منذ تجدّد حرب إسرائيل و”الحزب” في 2 آذار الفائت: مَن يحلّ محلّ القوّة الدوليّة إلى جانب الجيش اللبنانيّ لمساعدته على بسط سيادته على أراضيه تبعاً لاتّفاق الإطار، في ظلّ استمرار الاحتلال ورفض إسرائيل إخلاء المنطقة الصفراء؟

ربّما يصعب الجواب من الآن حتّى الوصول إلى 31 كانون الأوّل، الموعد المفترض لمغادرة رجال القبّعات الزرق. يصعب أكثر في ضوء بضعة معطيات يوردها دبلوماسيّون على اطّلاع مباشر على مواقف دول الاتّحاد الأوروبيّ:

1-  على الرغم من أنّ الدول الرئيسة الأوسع تأثيراً في الاتّحاد الأوروبيّ، وهي فرنسا وألمانيا وإسبانيا وإيطاليا، أبدت أكثر من مرّة استعدادها للمشاركة في قوّة دوليّة بديلة بعد مغادرة قوّة حفظ السلام، وأسمع سفراؤها في بيروت رئيس الجمهوريّة جوزف عون ذلك، لا تميل العواصم الأربع إلى الحلول محلّ تلك، أو ترث دورها ومهمّاتها وإن خارج مرجعيّة الأمم المتّحدة. تتحدّث عن جهوزها من خلال الاتّحاد الأوروبيّ لدور مدنيّ ـ عسكريّ متداخل يقع شمال نهر الليطاني وليس جنوبه، لئلّا تكرّر تجربة القوّة الدوليّة السابقة، وتحصر المهمّة بمراقبة الحدود البحريّة والبرّيّة (الحدود الشرقيّة)، وتناط بها مساعدة الجيش اللبنانيّ وتجهيزه وتدريبه ليس إلّا. قيل أخيراً إنّ ذلك يمكن أن يشمل قوى الأمن الداخليّ أيضاً.

2- لأنّها تدرك رفض واشنطن، حتّى الآن على الأقلّ إن لم يكن لاحقاً أيضاً، إعادة إحياء انتداب القوّة الدوليّة جنوب نهر الليطاني، وكانت وإسرائيل وراء إلغائها لعدم جدوى وظيفتها على مرّ العقود ولم تحُل دون تنامي قدرات “الحزب” في بقعة عمليّاتها العسكريّة، تحاذر العواصم الأربع استفزاز واشنطن في مناقشة هذا الموضوع مجدّداً. ما يقوله الدبلوماسيّون أن الأميركيّين أعطوها ضوءاً أصفر فقط لتحرّك محدود الأثر لا يشمل جنوب نهر الليطاني، ومن شأنه مساعدة الجيش اللبنانيّ على تعزيز قدراته العسكريّة وجهوزه، لكن أيضاً من ضمن الموانع التي تحدّدها لحجم تسليحه بما لا يثير قلق إسرائيل وتوجّسها.

3- وضع الأميركيّون سقفاً محدّداً لما يسع دول الاتّحاد الأوروبيّ الاضطلاع به في لبنان. هذا السقف هو الاتّفاق اللبنانيّ ـ الإسرائيليّ الذي ترعى تنفيذه: يوافق الأميركيّون، وهو ما يردّدونه في اجتماعات دبلوماسيّيهم مع مسؤولين وسياسيّين لبنانيّين، على كلّ إجراء يخدم ما يرمي إليه الاتّفاق ويحقّق أهدافه التي لا تؤول في نهاية المطاف إلى استعادة لبنان سيادته على أراضيه بدءاً من الجنوب فحسب، بل إلى التخلّص أوّلاً وأساساً من “الحزب” وتجريده تماماً من سلاحه، وصولاً إلى ما أراد الاتّفاق تكريسه، وهو إنهاء الحرب على الحدود الإسرائيليّة ـ اللبنانيّة. الكلام نفسه تسمعه عواصم الاتّحاد الأوروبيّ.

4- يشكّل صلب اتّفاق الإطار، وهو ما توخّته الرعاية الأميركيّة له وأوصلت إلى إعلانه، سابقة في تاريخ الصراع اللبنانيّ ـ الإسرائيليّ: ألغى مرجعيّة اتّفاق الهدنة عام 1949 التي رافقت كلّ وثائق الحروب اللبنانيّة ـ الإسرائيليّة ومواثيقها واتّفاقاتها حتّى عام 2024. ألغى أيضاً ما قد يوازي اتّفاق الهدنة، وهو القرار 1701، بأن شطبه أيضاً في متنه، بإصرار أميركيّ لا يخفي تواطؤاً إسرائيليّاً. كلاهما اتّفاق الهدنة والقرار 1701 شكّلاً المظلّة الدوليّة لأمن جنوب لبنان من خلال الرعاية، وإن المعنويّة، للأمم المتّحدة. في اتّفاق الإطار انتقلت مرجعيّة الاحتكام إلى الأميركيّين وحدهم بأن جعل في أيديهم الحلّ والربط، الحكَم والخصم في آن، على نحو يقرن تنفيذ أيّ بند بمدى إشعارهم أنّه يخدم الأهداف المحدّدة والأمن الإسرائيليّ. منذ إعلان اتّفاق 26 حزيران لا وجود عمليّاً وواقعيّاً لاتّفاق الهدنة، ولا للقرار 1701 الذي ينفي إلغاؤه أيّ حاجة إلى أيّ قوّة دوليّة في الجنوب.

ـ خامساً، لا تقلّ بدورها أهمّيّةً عن مرجعيّتَي اتّفاق الهدنة والقرار 1701 هي عدم تضمّن الاتّفاق برمجة انسحاب الاحتلال الإسرائيليّ من الأراضي اللبنانيّة. أسطع دليل على هذا الفخّ المنصوب فيه وتعذّر تنفيذه هو التعثّر اليوميّ لإنجاح المنطقة التجريبيّة الأولى في زوطر الغربيّة. في نهاية المطاف يضع الاتّفاق “العصمة” في أيدي الأميركيّين وحدهم لفرض تطبيقه أو التغاضي عن الإخلال به، دونما أن يكون لأيّ طرف آخر، بمَن فيهم الأوروبيّون والأمم المتّحدة، أيّ دور فيه.

اتّفاق الإطار: “العصمة” في أيدي الأميركيّين فقط

الكاتب: نقولا ناصيف | المصدر: اساس ميديا
1 آب 2026

في 31 كانون الأوّل المقبل ينتهي انتداب القوّة الدوليّة. تتوقّف مهمّاتها وتستعدّ لترحيل جنودها، وفي الأشهر القليلة التالية ستُفكِّك منشآتها وبناها في مناطق عمليّاتها جنوب نهر الليطاني، وتخسر الناقورة البريق الذي منحها إيّاه طوال 48 عاماً رجال القبعات الزرق. بعدئذٍ تبدأ مشكلة من الصعب في الوقت الحاضر التكهّن بمآلها: مَن يخلف هؤلاء؟

 

ربّما من المنطقيّ أن لا يكون ثمّة مَن يخلفهم بعد عقود طويلة في مهمّاتهم في الجنوب لمراقبة وقف النار. جاؤوا في مهمّة أولى عام 1978 لتطبيق القرار 425، ثمّ بعد أقلّ من ثلاثة عقود كُلّفوا بمهمّة مطابِقة لكن بصفة قوّة دوليّة معزّزة عام 2006 لتطبيق القرار 1701. من حسن طالع القرار 425 أنّه نُفّذ، بطريقة أو بأخرى، بانسحاب إراديّ للاحتلال الإسرائيليّ أو تحت وطأة هجمات المقاومة و”الحزب”، بيد أنّه أخيراً صار ناجزاً ولم يعد إلّا في الوثائق المنسيّة للأمم المتّحدة بأن وُوري على نحو قانونيّ وواقعيّ بانتهاء أسباب وجوده. مع ذلك، بحصول التحرير عام 2000، استمرّ الجنود الدوليّون في الجنوب لمراقبة استمرار وقف النار عند جانبَي الحدود.

1701… القرار الذي أُنهي قبل إنجاز مهمّته

الحظّ الذي أُعطي للقرار 425، حُرم منه القرار 1701 السيّئ الحظّ. تغادر القوّة الدوليّة المعزّزة الجنوب في نهاية هذه السنة قبل استكمال تنفيذه، وحتّى من غير تنفيذه، إن لم يصحّ القول إنّ الوضع جنوب نهر الليطاني أضحى أسوأ ممّا كان في يومه الأوّل عام 1978. استعادت إسرائيل تجربته عام 1982 وتجاوَزَه الاجتياح ودخل بيروت من أبوابها الواسعة في شقّيها الشرقيّ والغربيّ. استُعيدت معضلة جنوب نهر الليطاني مرّة ثالثة في حرب تمّوز 2006.

تغادر القوّة الدوليّة الجنوب بلا اكتمال مهمّتها في ضوء إنهاء مجلس الأمن دورها في 28 آب 2025 بالقرار 2790، بضغوط أميركيّة. وكان اقترن التمديد الدوريّ لها في السنوات الأخيرة مراراً بإجراءات تتعلّق إمّا بشحّ تمويلها أو خفض الدول المشاركة فيها أو الاعتراض على إخفاقها أو حتّى اقتراح تعديل عمليّاتها في صراع مفتوح بين إسرائيل و”الحزب”. على أنّ إنهاء المهمّة أخيراً، للمرّة الأولى في تاريخ المنظّمة الدوليّة، قلَب المنطق رأساً على عقب: عوض انبثاق وقف انتدابها من نتيجة طبيعيّة هي إنجاز المهمّة المنوطة بها تبعاً للقرار 1701، فإذا بها تخلّف فراغاً عسكريّاً في منطقة عمليّاتها، فيما المرجع المعهود إليه مهمّتها، وهو قرار مجلس الأمن، لا يزال نافذاً قبل استكمال آخِرة حلقاته، بإلغائه الواقعيّ في الاتّفاق الموقّع في 26 حزيران الماضي بين لبنان وإسرائيل برعاية الولايات المتّحدة.

ما لم يفعله اتّفاق وقف النار في 27 تشرين الثاني 2024، بأن أبقى على مرجعيّة القرار 1701 لتحقيق الاستقرار جنوب نهر الليطاني واعتماد الآليّات التي نصّ عليها القرار لانسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانيّة المحتلّة، أقدم عليه “اتّفاق الإطار” أخيراً.

أوروبا بين الرّغبة في المساعدة والفيتو الأميركيّ

ذاك ما يعيد طرح المعضلة نفسها في ضوء حقائقها الجديدة منذ تجدّد حرب إسرائيل و”الحزب” في 2 آذار الفائت: مَن يحلّ محلّ القوّة الدوليّة إلى جانب الجيش اللبنانيّ لمساعدته على بسط سيادته على أراضيه تبعاً لاتّفاق الإطار، في ظلّ استمرار الاحتلال ورفض إسرائيل إخلاء المنطقة الصفراء؟

ربّما يصعب الجواب من الآن حتّى الوصول إلى 31 كانون الأوّل، الموعد المفترض لمغادرة رجال القبّعات الزرق. يصعب أكثر في ضوء بضعة معطيات يوردها دبلوماسيّون على اطّلاع مباشر على مواقف دول الاتّحاد الأوروبيّ:

1-  على الرغم من أنّ الدول الرئيسة الأوسع تأثيراً في الاتّحاد الأوروبيّ، وهي فرنسا وألمانيا وإسبانيا وإيطاليا، أبدت أكثر من مرّة استعدادها للمشاركة في قوّة دوليّة بديلة بعد مغادرة قوّة حفظ السلام، وأسمع سفراؤها في بيروت رئيس الجمهوريّة جوزف عون ذلك، لا تميل العواصم الأربع إلى الحلول محلّ تلك، أو ترث دورها ومهمّاتها وإن خارج مرجعيّة الأمم المتّحدة. تتحدّث عن جهوزها من خلال الاتّحاد الأوروبيّ لدور مدنيّ ـ عسكريّ متداخل يقع شمال نهر الليطاني وليس جنوبه، لئلّا تكرّر تجربة القوّة الدوليّة السابقة، وتحصر المهمّة بمراقبة الحدود البحريّة والبرّيّة (الحدود الشرقيّة)، وتناط بها مساعدة الجيش اللبنانيّ وتجهيزه وتدريبه ليس إلّا. قيل أخيراً إنّ ذلك يمكن أن يشمل قوى الأمن الداخليّ أيضاً.

2- لأنّها تدرك رفض واشنطن، حتّى الآن على الأقلّ إن لم يكن لاحقاً أيضاً، إعادة إحياء انتداب القوّة الدوليّة جنوب نهر الليطاني، وكانت وإسرائيل وراء إلغائها لعدم جدوى وظيفتها على مرّ العقود ولم تحُل دون تنامي قدرات “الحزب” في بقعة عمليّاتها العسكريّة، تحاذر العواصم الأربع استفزاز واشنطن في مناقشة هذا الموضوع مجدّداً. ما يقوله الدبلوماسيّون أن الأميركيّين أعطوها ضوءاً أصفر فقط لتحرّك محدود الأثر لا يشمل جنوب نهر الليطاني، ومن شأنه مساعدة الجيش اللبنانيّ على تعزيز قدراته العسكريّة وجهوزه، لكن أيضاً من ضمن الموانع التي تحدّدها لحجم تسليحه بما لا يثير قلق إسرائيل وتوجّسها.

3- وضع الأميركيّون سقفاً محدّداً لما يسع دول الاتّحاد الأوروبيّ الاضطلاع به في لبنان. هذا السقف هو الاتّفاق اللبنانيّ ـ الإسرائيليّ الذي ترعى تنفيذه: يوافق الأميركيّون، وهو ما يردّدونه في اجتماعات دبلوماسيّيهم مع مسؤولين وسياسيّين لبنانيّين، على كلّ إجراء يخدم ما يرمي إليه الاتّفاق ويحقّق أهدافه التي لا تؤول في نهاية المطاف إلى استعادة لبنان سيادته على أراضيه بدءاً من الجنوب فحسب، بل إلى التخلّص أوّلاً وأساساً من “الحزب” وتجريده تماماً من سلاحه، وصولاً إلى ما أراد الاتّفاق تكريسه، وهو إنهاء الحرب على الحدود الإسرائيليّة ـ اللبنانيّة. الكلام نفسه تسمعه عواصم الاتّحاد الأوروبيّ.

4- يشكّل صلب اتّفاق الإطار، وهو ما توخّته الرعاية الأميركيّة له وأوصلت إلى إعلانه، سابقة في تاريخ الصراع اللبنانيّ ـ الإسرائيليّ: ألغى مرجعيّة اتّفاق الهدنة عام 1949 التي رافقت كلّ وثائق الحروب اللبنانيّة ـ الإسرائيليّة ومواثيقها واتّفاقاتها حتّى عام 2024. ألغى أيضاً ما قد يوازي اتّفاق الهدنة، وهو القرار 1701، بأن شطبه أيضاً في متنه، بإصرار أميركيّ لا يخفي تواطؤاً إسرائيليّاً. كلاهما اتّفاق الهدنة والقرار 1701 شكّلاً المظلّة الدوليّة لأمن جنوب لبنان من خلال الرعاية، وإن المعنويّة، للأمم المتّحدة. في اتّفاق الإطار انتقلت مرجعيّة الاحتكام إلى الأميركيّين وحدهم بأن جعل في أيديهم الحلّ والربط، الحكَم والخصم في آن، على نحو يقرن تنفيذ أيّ بند بمدى إشعارهم أنّه يخدم الأهداف المحدّدة والأمن الإسرائيليّ. منذ إعلان اتّفاق 26 حزيران لا وجود عمليّاً وواقعيّاً لاتّفاق الهدنة، ولا للقرار 1701 الذي ينفي إلغاؤه أيّ حاجة إلى أيّ قوّة دوليّة في الجنوب.

ـ خامساً، لا تقلّ بدورها أهمّيّةً عن مرجعيّتَي اتّفاق الهدنة والقرار 1701 هي عدم تضمّن الاتّفاق برمجة انسحاب الاحتلال الإسرائيليّ من الأراضي اللبنانيّة. أسطع دليل على هذا الفخّ المنصوب فيه وتعذّر تنفيذه هو التعثّر اليوميّ لإنجاح المنطقة التجريبيّة الأولى في زوطر الغربيّة. في نهاية المطاف يضع الاتّفاق “العصمة” في أيدي الأميركيّين وحدهم لفرض تطبيقه أو التغاضي عن الإخلال به، دونما أن يكون لأيّ طرف آخر، بمَن فيهم الأوروبيّون والأمم المتّحدة، أيّ دور فيه.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار