خاص – الدور السوري في لبنان: تقاطع إقليمي تحت جناح “اتفاقية مكّة”

الكاتب: ايلين زغيب عيسى | المصدر: Beirut24
11 آب 2026

على رغم نفي الرئيس السوري أحمد الشرع مراراً نيّته التدخّل في لبنان عسكرياً، إلّا أن الحديث عن الدور السوري لبنانياً لم ينتهِ. فالصورة ما تزال غير واضحة، ولا شيء يؤكّد أنّ النظرة المستقبلية قد تتغيّر مع تغيّر المعطيات والظروف.
وفيما لا تريد دمشق أن تقوم بأيّ تدخّل منفرد في لبنان، فهي قد لا تمانع في أن تكون جزءاً من قوّة متعدّدة الجنسيّات، من ضمنها قوّات عربية، تعمل في تحت غطاء إقليمي ودولي.
وما قد يشجّع سوريا على الانخراط في دور ما في لبنان، هو التحالف الإقليمي الذي يتكوّن تحت اسم “اتّفاقية مكّة”، والذي يضمّ حتّى الآن كلّاً من السعودية وتركيا وباكستان. وقد وقّعت هذه الدول الثلاث اتّفاقية للدفاع المشترك، قد تنضمّ إليها دول أخرى في المستقبل. ويضمّ هذا التكتل الثلاثي دولة نووية هي باكستان، إضافة إلى السعودية كأقوى دولة خليجية اقتصادياً وسياسياً ودينياً، وتركيا العضو في حلف الناتو، والتي تملك قدرات عسكرية وامتداداً اقتصادياً. ومعلوم بأنّ أنقرة والرياض تشكّلان الدعامة الأساسية للدولة السورية التي تحاول استعادة بنيتها بعد إطاحة نظام الأسد.
ومن هذا المنطلق، لن يكون هناك أيّ دور لسوريا في لبنان خارج نطاق التحالف الإقليمي السنّي، الذي يهدف إلى تشكيل توازن إقليمي مهمّ في مقابل كلّ من إيران وإسرائيل على السواء، بحيث لا يستأثر أيّ طرف منفرداً بالهيمنة على المنطقة.
وتحرص القيادة السورية الجديدة على التركيز في هذه المرحلة على إعادة بناء الدولة وتعافي الاقتصاد، بدلاً من فتح جبهة جديدة في لبنان وتحمّل المخاطر التي ستنجم عن ذلك، ومن بينها احتمال قيام نزاع سنّي شيعي في المنطقة. كما لا تريد إعادة إنتاج صورة الماضي البشعة من التدخّل السوري في لبنان.
ولكن في المقابل، وبحكم الجغرافيا التي تربط البلدين، لا غنى عن التعاون الأمني والاقتصادي لكلا البلدين. ويشمل ذلك التعاون الاستخباراتي وتفكيك شبكات التهريب ومنع دخول الأسلحة وضبط الحدود. فسوريا لا تريد للبنان أن يكون مكاناً يختبئ فيه أنصار النظام السابق، ومن مصلحتها تفكيك “حزب الله” ونزع سلاحه. كما أنّ لبنان لا يريد استعادة ماضي العلاقات الذي كان في عهد الأسد، ويرفض العودة إلى الهيمنة على قراره، من سوريا إلى إيران فسوريا من جديد. ولا ننسى الملفّ المفتوح مع سوريا والمتعلّق بالموقوفين والمخفيّين قسراً، حيث لم يتمّ الوصول حتّى الآن إلى أيّ معلومات جديدة في هذا الإطار في عهد الشرع.
لذا، لا يمكن النظر إلى العلاقة اللبنانية السورية المستقبلية إلّا في إطار إقليمي واسع من التعاون الأمني والاقتصادي. فتركيا تسعى إلى توسيع مجالات الربط الاقتصادي الإقليمي، وطرق المواصلات ومشاريع الطاقة، وسوريا جزء أساسي من هذه المشاريع، وكذلك لبنان الذي ليس له منفذ برّي للتصدير إلى الدول العربية سوى الأراضي السورية. كما يمكن للبنان وسوريا أن يتعاونا في ضخّ النفط عبر المتوسط بواسطة إعادة تأهيل خطّ كركوك – بانياس – طرابلس، الذي يعدّ أحد البدائل لمضيق هرمز كمعبر أساسي لمرور بواخر النفط.
وقد فهم لبنان الدور التركي المتنامي وأهميّة هذا الدور في ضبط إيقاع العلاقة اللبنانية السورية. وزار تركيا في الفترة الأخيرة كلّ من رئيس الحكومة نوّاف سلام ثمّ رئيس الجمهورية جوزف عون، للبحث في مواضيع مختلفة، منها أمن الحدود، والتكامل الاقتصادي والطاقة وإعادة الإعمار وخطوط النقل. وتعوّل بيروت على دور أنقرة في حسن التنسيق مع سوريا في مجالات عديدة، منها عودة اللاجئين السوريين.
كما أنّ الدول الخليجية تريد استعادة لبنان وسوريا من إيران إلى الحضن الخليجي. لذا يناسبها أن تكون صلة الوصل في التنسيق اللبناني السوري إلى جانب تركيا، كما أنّ دعمها الاقتصادي والاستثماري لكلا البلدين يشكّل رافعة مهمّة.
ومن هنا، فإنّ العلاقة السورية مع لبنان ستكون جزءاً من توازن كلّي ينشأ في المنطقة، ولن يكون هناك فصل بين المواضيع السياسية والاستراتيجية والأمنية والاقتصادية بعد تثبيت التوازن الإقليمي الجديد.

خاص – الدور السوري في لبنان: تقاطع إقليمي تحت جناح “اتفاقية مكّة”

الكاتب: ايلين زغيب عيسى | المصدر: Beirut24
11 آب 2026

على رغم نفي الرئيس السوري أحمد الشرع مراراً نيّته التدخّل في لبنان عسكرياً، إلّا أن الحديث عن الدور السوري لبنانياً لم ينتهِ. فالصورة ما تزال غير واضحة، ولا شيء يؤكّد أنّ النظرة المستقبلية قد تتغيّر مع تغيّر المعطيات والظروف.
وفيما لا تريد دمشق أن تقوم بأيّ تدخّل منفرد في لبنان، فهي قد لا تمانع في أن تكون جزءاً من قوّة متعدّدة الجنسيّات، من ضمنها قوّات عربية، تعمل في تحت غطاء إقليمي ودولي.
وما قد يشجّع سوريا على الانخراط في دور ما في لبنان، هو التحالف الإقليمي الذي يتكوّن تحت اسم “اتّفاقية مكّة”، والذي يضمّ حتّى الآن كلّاً من السعودية وتركيا وباكستان. وقد وقّعت هذه الدول الثلاث اتّفاقية للدفاع المشترك، قد تنضمّ إليها دول أخرى في المستقبل. ويضمّ هذا التكتل الثلاثي دولة نووية هي باكستان، إضافة إلى السعودية كأقوى دولة خليجية اقتصادياً وسياسياً ودينياً، وتركيا العضو في حلف الناتو، والتي تملك قدرات عسكرية وامتداداً اقتصادياً. ومعلوم بأنّ أنقرة والرياض تشكّلان الدعامة الأساسية للدولة السورية التي تحاول استعادة بنيتها بعد إطاحة نظام الأسد.
ومن هذا المنطلق، لن يكون هناك أيّ دور لسوريا في لبنان خارج نطاق التحالف الإقليمي السنّي، الذي يهدف إلى تشكيل توازن إقليمي مهمّ في مقابل كلّ من إيران وإسرائيل على السواء، بحيث لا يستأثر أيّ طرف منفرداً بالهيمنة على المنطقة.
وتحرص القيادة السورية الجديدة على التركيز في هذه المرحلة على إعادة بناء الدولة وتعافي الاقتصاد، بدلاً من فتح جبهة جديدة في لبنان وتحمّل المخاطر التي ستنجم عن ذلك، ومن بينها احتمال قيام نزاع سنّي شيعي في المنطقة. كما لا تريد إعادة إنتاج صورة الماضي البشعة من التدخّل السوري في لبنان.
ولكن في المقابل، وبحكم الجغرافيا التي تربط البلدين، لا غنى عن التعاون الأمني والاقتصادي لكلا البلدين. ويشمل ذلك التعاون الاستخباراتي وتفكيك شبكات التهريب ومنع دخول الأسلحة وضبط الحدود. فسوريا لا تريد للبنان أن يكون مكاناً يختبئ فيه أنصار النظام السابق، ومن مصلحتها تفكيك “حزب الله” ونزع سلاحه. كما أنّ لبنان لا يريد استعادة ماضي العلاقات الذي كان في عهد الأسد، ويرفض العودة إلى الهيمنة على قراره، من سوريا إلى إيران فسوريا من جديد. ولا ننسى الملفّ المفتوح مع سوريا والمتعلّق بالموقوفين والمخفيّين قسراً، حيث لم يتمّ الوصول حتّى الآن إلى أيّ معلومات جديدة في هذا الإطار في عهد الشرع.
لذا، لا يمكن النظر إلى العلاقة اللبنانية السورية المستقبلية إلّا في إطار إقليمي واسع من التعاون الأمني والاقتصادي. فتركيا تسعى إلى توسيع مجالات الربط الاقتصادي الإقليمي، وطرق المواصلات ومشاريع الطاقة، وسوريا جزء أساسي من هذه المشاريع، وكذلك لبنان الذي ليس له منفذ برّي للتصدير إلى الدول العربية سوى الأراضي السورية. كما يمكن للبنان وسوريا أن يتعاونا في ضخّ النفط عبر المتوسط بواسطة إعادة تأهيل خطّ كركوك – بانياس – طرابلس، الذي يعدّ أحد البدائل لمضيق هرمز كمعبر أساسي لمرور بواخر النفط.
وقد فهم لبنان الدور التركي المتنامي وأهميّة هذا الدور في ضبط إيقاع العلاقة اللبنانية السورية. وزار تركيا في الفترة الأخيرة كلّ من رئيس الحكومة نوّاف سلام ثمّ رئيس الجمهورية جوزف عون، للبحث في مواضيع مختلفة، منها أمن الحدود، والتكامل الاقتصادي والطاقة وإعادة الإعمار وخطوط النقل. وتعوّل بيروت على دور أنقرة في حسن التنسيق مع سوريا في مجالات عديدة، منها عودة اللاجئين السوريين.
كما أنّ الدول الخليجية تريد استعادة لبنان وسوريا من إيران إلى الحضن الخليجي. لذا يناسبها أن تكون صلة الوصل في التنسيق اللبناني السوري إلى جانب تركيا، كما أنّ دعمها الاقتصادي والاستثماري لكلا البلدين يشكّل رافعة مهمّة.
ومن هنا، فإنّ العلاقة السورية مع لبنان ستكون جزءاً من توازن كلّي ينشأ في المنطقة، ولن يكون هناك فصل بين المواضيع السياسية والاستراتيجية والأمنية والاقتصادية بعد تثبيت التوازن الإقليمي الجديد.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار